يا حسرتي على الجنوب، يا حسرتي على لبنان

بقلم/حسـين العبدالله
 شاءت الأقدار أن تكون فلسطين على حدودنا الجنوبية، وان يكون هناك اغتصاب صهيوني لها وتولد دولة إسرائيل، فيصبح الجنوب، حيث مشى السيد المسيح، وحيث أقام يعقوب، وحيث التين والزيتون، لطيبة أبنائه ولسعة قلوبهم، شيعة وسنة ومسيحيين ودروز، جرحا مفتوحا يطال ألمه لبنان أحيانا، ومعظم الأحيان لا يطال سواه، فيتحملها، وقل ما يثور، قل ما يئن، وقل ما يلتوي من الوجع.

 استقبل الجنوب فصائل المقاومة الفلسطينية بقلب دافئ وعندما تجاوزوا سامح لهم تجاوزاتهم، وتحمل مغبة أعمالهم وممارسة “اضرب واهرب” التي كلفته الكثير من القتل والدمار والتشرد الذي كانت تسببه إسرائيل كلما ضربت الفصائل وهربت. تحمل الجنوب مغبة هذه الأعمال وعض على جرحه ومشى، وعندما دارت رحى الحرب الداخلية لا الأهلية  تعالى على الشقاق فلم ترم صفعة واحدة في أي من مدنه، في أي من قراه، في أي من تلاله ووهاده على أساس طائفي، فالقلب واحد، والله واحد، والنبع واحد، والفرقة من الشيطان.
 تحمل حواجز مقاومة ” الفصائل” ودبابات الاستعمار السوري، وتحمل الشرود الفكري لبعض أبناءه – أصحاب نظرية هدم كي تعمر- وتحمل صواريخ إسرائيل وقنابلها وشبكات إرهابها، وبقي صامدا.
 وذهبت مقاومات الفصائل، فأتت من بعدها مقاومة آيات الله ، مدعومة من همايون وحافظ، وقودها الطيبون من أبناء الجنوب، رجالها من طينة الحوّار وقرارها بعيد، بعيد عن الدارمشت على خطى من سبقها، وبقي الجنوب ساكتا على وجعه وألمه، وحين استقامت- بعض الشيء وحنت على أهلها وجذورها ، كان الجنوب كله مقاومة، بنسائه بشيوخه برجاله، بكل طوائفه، كان مقاومة، وكانت مقاومته هي الحاسمة .
 فالجنوبي، الجنوبي الذي أعاد بناء بيته المهدم والدبابة الإسرائيلية قابعة على كعب الطريق، ومن جيبه الخاص  دون تعويضات همايونية أو قطرية أو غيرها- رغم الضيقة، هو المقاوم الأساس. والجنوبي الذي كان يعمل في بساتين إسرائيل (فلسطين) ويتلقى راتبا من إسرائيل، دون أن يتحبب لها، لا بل على العكس كان راصدا لها ولعسكرها ولتحركاتها، هو أيضا المقاوم وله ولأخيه الباني الحصة الكبرى من النصر الذي كان يومها نصرا حقيقيا ومكتسبا لا كنصر تموز.
 ابن الجنوب، لم يسألوه يوما رأيه، بل سحبوه وجروه كأنه علبة سردين. فكتل المحادل كانت تأتي لحدله بين الحين والآخر  والمعونات كانت توزع- وما زالت اليوم- حسب الولاءات المعلنة، وكم من معلن ” بفتح اللام” في الجنوب أعلن على مضض لان ابن الجنوب تعلم أن هذه الادارت الظرفية، التي لم تدخل قلبه، والتي داست على قلبه، والتي نحرته مباشرة حينا وبالكلام المعسول أو بالشعارات الرنانة حينا آخر .. هي موسم من المواسم يذهب مثلما أتى، ومثلما أتى غيره وذهب.
 لا يمكن أن نقول أن السيد حسن نصرالله قد قسى قلبه- بما في ذلك من مدلولات دينية- ولا أي من مسؤولي حزب الله؛ والتسمية منهم وعليهم تبعاتهم أمام الخالق؛ ولا يمكن إلا أن نتفهم حماسة البعض، لان طيبة القلب في الجنوب هي العنصر الشخصي الغالب، إنما حتى متى ؟؟؟
 وهل كان ابن الجنوب مضطرا أن يفترش ساحات بيروت وحدائقها العامة وينتظر البطانية والسندويشة من الناس؟ وبيته في الجنوب كان عامرا وجميلا، بيته كان قصرا في عينه- وفي أعين الآخرين- صغيرا كان أو كبيرا.. كان بيته، وهو بناه، على أرضه بناه بعرق جبينه أينما تساقط هذا العرق، سواء في أفريقيا أو في الغرب، أو في الخليج، أو في لبنان بناه وكان مرتاحا وسعيدا فيه.. فهل كان مضطرا لان يراه ركاما تمزق رؤيته القلب، وأن ينتظر قطر وغير قطر أن تعيد بناءه؟؟؟
 هل كان ابن الجنوب مضطرا أن يخسر ألف ومائتي شهيد (ضحية) وان يقع في صفوفه ثلاثة آلاف جريح، وأن يرى أكثر من مائتي قرية تتدمر بمدارسها وجوامعها وكنائسها ومستوصفاتها، هل كان مضطرا لكل هذا من أجل عملية “بطولية” !! يا عيب .. يا عيب … يا عيب.
 وان لم يكن هذا بإيعاز همايوني أسدي ظالم كافر، وان كان هذا بقرار محلي مستقل. فنسأل لأجل ماذا ولأجل من كان كل هذا ؟؟
 من اجل سمير القنطار؟ هل صحيح أن سمير القنطار قتل أبا مدنيا أمام طفلته ذات الخمسة أعوام، ثم سحق رأسها بعقب رشاشه؟؟ هل صحيح ..؟
 وان كان.. فلماذا نستعيده، أنفعل ذلك بهذا الثمن الباهظ الباهظ لنحاكمه نحن، أم لنكرمه كعميد للأسرى، أم ربما لنجعله آية الله هو الآخر؟! يا عيب.
 هناك قضايا.. هناك كل القضايا، أنما أرفع وأسمي قضية هي قضية الخير في مواجهة الشر..وهذا هو الجهاد المقدس والنصر فيه وحده دون غيره  هو نصر الهي، وان رفع الظلم عن أي من مخلوقات الله، حتى عن حشرة، هو جهاد في الخير. وان تسبب الظلم، أو التغاضي عنه، لأي سبب، هو إثم ولا جهاد فيه ولا قدسية.
 لا يمكن أن نقول إن من سموا أنفسهم ” حزب الله”- وشأنهم مع الله في التسمية بما لها من انعكاسات- قد قست قلوبهم فباتوا يشاركون في الظلم أو يسببونه. إنما يا ناس كيف نفسر ما نرى؟ كيف لابن الجنوب، كيف للشيعي الذي تربى على بكاء الحسين، أن يرى كربلاء بيروت ثم يعلن تحالفه مع المتهم- الجاني- كيف؟ كيف بحق الله، يكون ابن الجنوب الشيعي حليفا وداعما لنظام الإرهاب والشر والظلم والظلام؟ كيف يكون حليفا لبلاط دمشق؛ البلاط ذاته الذي ذبح الحسين ؛ يزيد ابن معاوية هو ذاته بشار ابن حافظ؛ بالأمس قتل حفيد رسول الله ، قتل الحسين وجر السيدة زينب مغلولة إلى بلاطه..(وما كان حفيد رسول الله قد خرج إلى العراق طلبا للملك ولا للولاية..بل لدفع الظلم عن المسلمين..وكان الحسين حفيد رسول الله، اقل الناس مالا وأكثرهم إيمانا). حفيد رسول الله قتله الشمر بأمر من حاكم بلاط دمشق.. ففجع به المسلمون وثاروا من مصر إلى الحجاز إلى الهند .
يزيد اليوم  قتل آخر الأتقياء في لبنان .. قتل الحريري أبا الفقراء والمعوزين.. قتل من علم الناس مما أعطاه الله، وطبب الناس مما أنعم به عليه.. وسعى لرفع المعاناة عن العباد  وأحسن وواسى، ووصل ما قطعه آخرون
 يزيد اليوم أمر بقتل آخر أتقياء لبنان. وشمر الأمس هو رستم غزالي اليوم وما أكثر أوجه الشبه بين جمهور 14 آذار اليوم وشيعة الحسين في الأمس.
لقد عادت الكرّة فأين نحن من الحسين  أين نحن الباكون على الحسين .. المنادون يا حسين ليتنا كنا معك كي نفوز فوزا عظيما  أين نحن ؟ ترانا نحن نسينا الحسين، ترانا نحن مع يزيد والشمر، نهدي بندقية المقاومة لشمر اليوم رستم غزالي  ونعلن دعمنا المطلق ليزيد اليوم بشار.!
 يا حسرتي على الجنوب،  يا حسرتي على لبنان، يا حسرتي على كربلاء الأمس وكربلاء اليوم.
 لا سياسة في الدين ولا رمادية.. في الدين حق وباطل، فإما أن نكون ساسة، إما أن نكون رجال دين.
وفي السياسة، لا يعقل أن يكون ثمن سياساتنا باهظا كما هو اليوم. لا يعقل أن تكون القرارات افرادية، تدميرية، انتحارية، لا يعقل ولا يجوز.
 لا يجوز أن يكون اصغر هّم لدى أطفال لبنان ، أطفال الجنوب ، هو ما إذا كانوا سيعيشوا يوما آخر، هو ما إذا كانوا سيتربوا يتامى ، هو ما إذا كانوا سيخسروا بيوتهم ومدارسهم وأصدقائهم  ويكون أكبر هّم لدى أطفال ” قلاع الصمود والتصدي” هو في أي لعبة جديدة سيحصلون عليها. حرام أن يلعب أطفال الجنوب  لأجل الآخرين  بالألغام والقنابل العنقودية، ويلعب أطفال الآخرين بالباربي . هذا لا يجوز
 لا يجوز أن نتعامل مع حياة الناس ومع عيشهم بهذا النوع  المثير للحيرة والاشمئزاز  من عدم الاكتراث واللامبالاة، هذا كفر وهذا باطل.. وهذا حرام .
 الاعتصام في الأملاك الخاصة والعامة .. وقطع أرزاق الناس ( هؤلاء الناس الذين استقبلوا النازحين في حرب تموز بقلوب مفتوحة وبلهفة وبحس وطني قلّ نظيره) هو نكران للجميل.. وهو حرام وباطل ..
الوقوف بوجه المحكمة الدولية  وهناك وقوف بوجهها رغم المناورات الكلامية التي لا تقنع حتى مطلقيها  هو حرام وباطل، وهو طعنة في الصميم .. لنا نحن قبل غيرنا.. لنا نحن الكربلائيون.. لان في ذلك تفويت لفرصتنا في تحقيق الحق والعدالة، وفي الاقتصاص من يزيد هذا العصر وشمر هذا الزمان..
 المقاومة اليوم هي شيء آخر
المقاومة اليوم هي التي تقاوم الشرّين  شر إسرائيل وشر بلاط دمشق … وهذين الشرين لا “أهون” بينهما …
تعالوا إلى كلمة سواء .. فان لم تفعلوا … فلكم كربلاءكم ولنا كربلاءنا، وكربلاؤنا هي كربلاء الحسين وكربلاء الحريري، وكربلاء كل ضحايا الشر والظلام ..