الإنقـلاب العـوني: الـدوافع والـوقـائـع

الياس الزغبي

مسؤول مركزي سابق في “التيار الوطني الحر

فصل من دراسة واسعة ستصدر تحت عنوان: “التيار الوطني الحر، إشكالية النصوص والممارسة”.

 هل حركة العماد ميشال عون الاخيرة نحو القوى المسيحية في 14 آذار هي إعادة تصحيح مساره في السنتين الاخيرتين، أم مجرّد تنويع سياسي مرحلي في إطار تحالف ثابت مع قوى 8 آذار والمحور الحاضن، وبهدف محدّد هو الوصول الى رئاسة الجمهورية؟

 بسؤال أضيق: هل يقوم العماد عون بانقلاب على الانقلاب؟

 للاجابة يجب ان نعود الى “ثوابت” السياسة العونية ومحطاتها المفصلية منذ 23 سنة الى هذه اللحظة، كي نميّز بين ما هو استراتيجي وتكتيكي، فنضع صورة الحركة الراهنة في اطارها السياسي العام.

متابعو التبدّل الذي طرأ نظريا على سياسة العماد عون وتيّاره منذ الانتخابات النيابية في ايار وحزيران 2005، واعلاميا بعد اعلان تاسيسه “حزب التيار الوطني الحر” في ايلول 2005، وفعليا مع توقيع اتفاق “التفاهم” مع “حزب الله” في شباط 2006، يحاولون تفسير هذا التبدّل في التحالفات والمواقف والخيارات بأسباب عدة: بعضهم يحمّل المسؤولية لفريق 14 آذار الذي “أحرج عون فأخرجه” بفعل الاتفاق الرباعي المعروف، البعض الثاني يسند “انقلاب” عون الى طموحه الشخصي وهوسه الرئاسي، البعض الثالث يربطه بمصالح سياسية ومالية ووعود والتزامات معقدة سبقت عودته الى لبنان، والبعض الرابع يرجعه الى “رؤية استراتيجية” لموازين القوى في المنطقة بنى عليها العماد عون سياسته وتنطلق من “حتمية” خسارة المشروع الاميركي – الغربي – العربي وتفوق المشروع الايراني – السوري، وفي حساباته ان “حزب الله” يستولي بسهولة على السلطة وليس هناك قوة لبنانية او عربية او دولية (اميركية) تقف في وجهه، وان اسرائيل لا يضيرها انغماسه في الداخل اللبناني وابتعاد “خطره” عن حدودها.

قد تكون كل هذه الاسباب صحيحة وواقعية، منفردة او مجتمعة، لكن متابعة دقيقة لـ”حالة” العماد عون على مدى 23 عاماً تثبت انه لم يقم بانقلاب سياسي فعلي، بل بسلسلة تكتيكات وردود فعل ظرفية ومرحلية لم يخرج فيها على “الاصل” السياسي (“التفاهم” مع النظام السوري) وعلى الخط البياني الاستراتيجي الذي اتبعه، فكان يبتعد موقتا (وظاهريا) عن هذا الخط ثم يعود اليه، الى ان اتضح كليا مدى ضلوعه فيه وتماهيه معه في الآونة الاخيرة. وأي تصحيح ظرفي او تكتيكي، على غرار الطفرات السابقة، لم يعد ممكنا ولا ناجحا لعدم وجود قدرة على المناورة حول “الثابتة” السياسية المذكورة (الطفرة الاخيرة تتمثل في حواراته مع قيادات 14 آذار

.ومن أجل كشف هذه “الثابتة” والاضاءة عليها كان لا بد من اعتماد منهج علمي معرفي موضوعي يقوم على مبدأ ربط النتائج بالأسباب وتفسير الخواتيم بالمقدمات.

بالعودة الى العام 1984 يتبيّن ان تعيين العقيد ميشال عون قائداً للجيش (دون رتبة عميد) لم يكن فقط “باقتراح” سابق من الرئيس كميل شمعون، و”مباركة” من الرئيس حسين الحسيني، و”عدم رفض” من الرئيسين رشيد كرامي وسليم الحص، و”قبول على مضض” من الرئيس امين الجميل، بل كان “بترحيب” من دمشق التي لم يكن تعيين قائد للجيش اللبناني ممكنا بدون “رضاها”. وقد تعزز هذا “الرضى” بزيارتين قام بهما “القائد” الجديد الى دمشق “علنا” وآخريين سريتين، ولم ينفع آنذاك اعتراض رئيس الجمهورية امين الجميل على ذلك النوع من التواصل.

والرواية المتداولة عن رسالة عون الى الرئيس حافظ الاسد معلنا “اعتزازه بأن يكون جنديا في جيش الاسد العظيم” (رواها خطيا اكثر من مرجع صحافي وسياسي)، سواء كانت صحيحة او مركبة، لا تضيف شيئا الى الواقعات المذكورة وحقيقة العلاقة. كما ان طلب رئيس الاركان السوري اللواء حكمت الشهابي من العماد عون القيام بعمل عسكري لانقاذ ايلي حبيقة ورفاقه من “المبنى الابيض” في الكرنتينا في 15 كانون الثاني 1986 والكلام المتناقل عن “دور ما” لعون في وضع “الاتفاق الثلاثي” (خصوصا منه الجانب العسكري الاستراتيجي)، لا يضيفان شيئا جوهريا على طبيعة تلك العلاقة.

وجاءت الحركة الواسعة لموفديه الى دمشق عامي 1987 – 1988 (وأبرزهم السادة البر منصور وفايز القزي ورياض رعد ومحسن دلول) في سياق تعزيز العلاقة وتطبيقاتها العملية في وصوله الى الرئاسة. وتم تتويج هذه المفاوضات بقول حافظ الاسد لرفيق الحريري: “اذهب وبلغ صاحبك (المقصود عون نفسه) بأنه الرئيس المقبل”. وقد تباهى لاحقا بهذه “الثقة” السورية العليا وكرر هذا القول، ولا يزال يكرره، امام انصاره وزواره والمتصلين به.

وحين أدت مناورة الاستخدام السورية وظيفتها وأثمرت نتائج سلبية وتبخرت الوعود الرئاسية لم يكن امام العماد عون سوى الارتداد على الخيبة والرد على “خيانة الاصدقاء” بمد اليد الى خصومهم كوسيلة ضغط لاعادة دمشق الى جادة “الوعد”، فعقد تحالفا مع صدام حسين وياسر عرفات، تسلحا ومالا، وأدار ظهره الى سائر العالم، وكانت “حرب التحرير” (1989) ضد الجيش السوري. لكن هذه الحرب أدت الى نتائج في السياق السوري نفسه، وكانت عمليا لمصلحة مضاعفة النفوذ العسكري والسياسي لدمشق، وبمثابة تمهيد وتبرير لاحتلال كل لبنان.

وشكّلت “حرب الالغاء” بين المسيحيين (1990) رصاصة الرحمة ومدماكا اخيرا في تعزيز هذا النفوذ فسقطت آخر منطقة لبنانية حرة وحل زمن الطائف والوصاية السورية المطلقة التي استباحت اسرار الدولة في وثائق وزارة الدفاع والقصر الجمهوري، وصادرت القرار اللبناني ومصير لبنان لمدة 15 عاما. ومع مرور الزمن واكتمال المشهد وتسلسل المراحل لا يسع المراقب الا ان يسأل: هل ما اقدم عليه عون آنذاك كان مجرد رغبة في تحرير لبنان بغض النظر عن موازين القوى، ام نتيجة عنفوان شخصي مجروح بسبب تبخر الوعد، ام قصر نظر وحسابات خاطئة؟ مهما كان الجواب فالنتيجة واحدة: سقوط لبنان. والتاريخ خير قاض. وحتى الآن لم يقدم عون ومريدوه اي تفسير لتعاونهم المفتوح مع الجيش السوري و”حلفائه” على امتداد خطوط المجابهة طوال “حرب الالغاء”، من خط الضاحية الى وسط عاليه الى اعالي بعبدا والمتن الاوسط، تنسيقا وتموينا وسلاحا. ونشط موفدو عون ذهابا وايابا عبر المناطق “السورية” الى الشمال والبقاع والضاحية وبيروت تحت حماية مخابرات عنجر، وكنت احدهم كمدير للاخبار والبرامج السياسية في “تلفزيون لبنان”، ناقلا رسالة الى الرئيس سليمان فرنجية في 1-6-1990.

كما لم يعط عون، الى اليوم، تفسيرا لحرص القيادة السورية وحلفائها (خصوصا مسؤولين في “السوري القومي” و”البعث”) على حماية الرموز “العونيين” واستضافتهم في المتن الاعلى والبقاع والشوف وبيروت والضاحية، وحتى في دمشق، بعد 13 تشرين الاول 1990. وقد جاءت روايات ضباط “عونيين” سابقين عن وقائع الحرب وظروف اعتقالهم في سوريا، بعد 17 سنة على الحدث، بمثالة اختزال لهذه الوقائع وتقديم “صورة حضارية وأخوية” للتعامل السوري معهم (لماذا الاصرار على تقديم هذه الصورة الآن؟) وتوقف كثيرون عند سبب “اطمئنان” عون قبل ساعات من الهجوم السوري عليه برغم تأكيد الجميع له على حتمية العملية العسكرية الوشيكة، وعند عملية “اخراج” خروجه بسرعة من قصر بعبدا الى السفارة الفرنسية، برغم اعلانه بالصورة والصوت انه سيكون آخر من يغادرون متراس المواجهة، فكان أولهم.

هذه الاسئلة والملاحظات ليست بريئة بالطبع، لكن المقارنة بين الماضي والحاضر وربط المراحل يجيزانها ويفتحان العقل على تفسيرات وقراءات كثيرة ترفدها وقائع سنوات المنفى: من مرسيليا، الى “البيت العالي”، الى حي “مونسو” الراقي وشارع “فالسبورغ” في باريس، حركة موفدين ولقاءات، بعضها علني ومعظمها سري. وزراء لبنانيون سابقون من أصفى اصفياء النظام السوري، وسطاء وسفراء ورجال اعمال سوريون ولبنانيون وضباط مخابرات رفيعو الرتب من دمشق وبيروت. العماد عون يكشف بنفسه، ولكن بعد سنوات، أمام اصدقاء وقريبين منه (من بينهم الكاتب بصفته مسؤولاً عن التوعية السياسية والاعلام)، جانباً من “العروض” السورية السخية عشية الانتخابات النيابية 1996 ثم انتخابات 2000: أكثر من 20 نائباً وعدد وافر من الوزراء (هل كانوا يعرضون عليه “الثلث المعطل” منذ ذلك الحين مع العدد نفسه من النواب الذي حصل عليه عام 2005؟). وحين كنا نسأله عن سبب عدم اتمام “الصفقة” كان يعزو الامر الى رفضه الشرط المقابل: التسليم بالوصاية السورية على لبنان!

لكن ما كان مرفوضاً قبل عام 2000 صار مقبولاً بعدها: سنتذاك، انتهى الاحتلال الاسرائيلي للجنوب، تحركت بكركي في ندائها السيادي الشهير (20 ايلول 2000)، انتفض وليد جنبلاط وطرح اعادة تموضع القوات السورية، “تسرّع” نبيه بري بخطوة نحو البطريركية المارونية (قمعها السوريون فوراً)، تأسس “لقاء قرنة شهوان”، بدأ تحوّل الرئيس رفيق الحريري نحو “لبنان اولاً”، ولاحت ارهاصات التغيير الدولي تجاه الشرق الاوسط وسوريا تحديداً بعد حدث 11 ايلول 2001 في نيويورك وواشنطن. تحالف رباعي سيادي بدأ يتكوّن في لبنان، ببطء ولكن بثبات: بكركي – جنبلاط – الحريري – “قرنة شهوان” مع طلائع شيعية خجولة مستقلة عن ارتباطات “حزب الله” بعد قمع حركة بري.

استشعرت دمشق “خطراً” لبنانياً متنامياً يتمثل في التقاء الطوائف حول مطلب السيادة والاستقلال، هذا الخطر الذي كافحته منذ دخول جيشها الى لبنان (رسمياً) في حزيران 1976 على قاعدة الاطفائي المهووس باشعال الحرائق والمسارعة الى اطفائها، فلم تغفل عينها عن أي محاولة تقارب جدية بين اللبنانيين، وطبّقت بنجاح معادلة “فرّق تسد”.

في مواجهة هذا “الخطر” كان لا بد لها من تركيب جبهة مضادة ترتكز على أخلص “حلفائها”: الرئيس اميل لحود، “حزب الله” وحركة “امل”، ومجموعة “القوى والاحزاب والشخصيات الوطنية”. كان ينقص هذا المشهد كي يكتمل مكون مسيحي ذو صدقية بعدما تبيّن ضعف لحود مسيحياً بعد مضي بضعة أشهر على تسليمه سدة الرئاسة الاولى في 24 تشرين الثاني 1998، وجزئية تمثيل المسيحيين الآخرين، وكان من البديهي في حسابات دمشق نفض الغبار عن دفاتر صداقاتها القديمة المتجددة، فاتجهت عنايتها نحو “الحالة” التي يشكلها العماد عون واحياء العروض القديمة، مع اضافة دسمة هذه المرة تستعيد وعد 1988 (كرسي الرئاسة.

تركّز المسعى السوري على استقطاب عون ودعم وضعه مسيحياً في مواجهة “قرنة شهوان” وبكركي، من خلال استهداف أنصاره بالملاحقة والقمع لاستثارة عطف المسيحيين على “مرجعيتهم” في المنفى وتشكيكهم بجدية أطراف “القرنة” وفاعليتهم. وقد جاء انسحاب عون منها فور اطلاقها، بحجة النقص في “خطابها السيادي” واستنادها الى اتفاق الطائف، بمثابة نذير للمواجهة اللاحقة التي توّجها بانسحابه من “ثورة الأرز” وتحالف 14 آذار. ولم تكن حادثتا 7 و9 آب 2001 (اعتقال عشرات العونيين وقمعهم) الا تجربة أولى ناجحة في اطار “الخطة الذكية” لتقوية الظاهرة العونية الشعبية، اذ “اشتعلت” على أثرهما حالة العطف المسيحي على “القائد المنفي”، ووجدت “قرنة شهوان” نفسها في موقع اللحاق بهذه الحالة، خصوصاً ان عملية 7 آب استهدفت ايضاً مصالحة الجبل التاريخية بين البطريرك صفير ووليد جنبلاط، ولم يكن عون بعيداً عن تفاصيلها ومجرياتها ومراميها.

لقد أعطت 7 آب ثمارها السياسية الكاملة بعد أربع سنوات من حصولها، عبر التحالف الانتخابي والسياسي المتين بين جلاديها وضحاياها في انتخابات 2005، وكادت تكشف عن وجهها وتنتج ثمرة مبكرة في فرعية بعبدا – عاليه 2003 (بدعم الجهاز السوري – اللبناني). وما يلفت المراقب الثاقب هو كيف باتت ذكرى 7 آب تمر بكثير من الخجل واللامبالاة لدى “أهلها”، واذا ذكروها فمن أجل شن حملة على حكومة الرئيس السنيورة والاكثرية، والتعتيم على مرتكبيها الفعليين، حلفائهم اليوم. وهذا ما يحصل ايضاً في ذكرى 13 تشرين وكأن ذاكرات ورثتها السياسيين خالية من اسماء مرتكبيها الفعليين (النظام السوري، ورئيس الحكومة، ووزير الدفاع، وقائد الجيش آنذاك الرئيس لحود)، ومن اسماء عشرات الشهداء، مع “التبرّؤ” من عشرات المفقودين في السجون السورية والذين أصبحوا مجرد “معتقلين” في “ورقة التفاهم”. اذاً، الحلف هو نفسه من 7 آب 2001 الى حزيران 2005 الى رئاسيات 2007، خرقه استثنائياً تحالف الضرورة بين عون و”قرنة شهوان” في فرعية المتن الشمالي صيف 2002.

لم يكن أمام عون سوى هذا الخيار خصوصاً ان المرشح هو غبريال المر صاحب المحطة التلفزيونية التي خصصت له حيّزاً اعلامياً بارزاً، فشارك في التحالف بدون اندفاع كبير، ولم يكن له موقف دفاعي حاسم في حماية فوز المر من لعبة سياسية عبر المجلس الدستوري استبدلته، وهو الفائز بأكثر من 35 ألف صوت، بمرشح لم ينل أكثر من 1700 صوت! ولكن موقف عون الملتبس انكشف لاحقاً بعد انتخابات 2005 حين تمسّك بالمجلس الدستوري نفسه المعروف بأنه “منتج” سوري كي يبت له الطعون التي قدمها (11 طعناً) و”ينوّب” له نواباً على طريقة فرعية المتن، وظل يتفجّع على ذلك المجلس “الطيب” الى اليوم. وكان هذا التمسك المثير به دليلاً قاطعاً على نوعية الروابط والتفاهمات المنسوجة قبل عودة عون الى لبنان. أما فرعية بعبدا – عاليه 2003 فكانت اختباراً أول للتحالف الانتخابي، والجميع مطلع على التسهيلات التي قدمها “النظام المشترك” السوري – اللبناني لمرشح عون.

مع استشهاد الرئيس الحريري ورفاقه اصبح العماد عون أمام حالة جديدة أربكت “تفاهماته”، وكان لا بد من مناورة لاستيعاب الصدمة، فسارع الى اتهام المخابرات السورية خلافاً لـ”حكمة التريّث” وعدم التسرّع في الاتهام اللذين حلاً عليه لاحقاً وأوعز الينا من منفاه بتشكيل وفد للعزاء والتشييع، وقام بنفسه بزيارة تعزية الى دارة الحريري في باريس. المؤثّر والبليغ أن وجوهاً بيروتية مفجوعة قالت لنا بلهفة: “نرجوكم، فلينتبه الى نفسه (يقصدون العماد عون)، لا نستطيع أن نتحمّل ضربتين!”. كانوا بالطبع يعبّرون عن خوفهم من اغتيال قائد سيادي آخر.

هذه الحالة البيروتية السنية، بل اللبنانية العامة، هي جوهر انتفاضة الاستقلال و”ثورة الارز”، فكيف استطاع عون التخلي عنها والذهاب الى مكان آخر؟

في الواقع ادرك العماد عون ان شيئا عظيما يتكون وان حالة فريدة بدأت: الارض سبقت القرار السياسي. “التيار” مثل سائر اللبنانيين، نزل الى ساحة الحرية وميدان الاستقلال بدون استئذان، الناس اقوى من القيادات، وكان الطوفان اللبناني في 14 آذار 2005.

في اليومين الاولين بدا عون مرتبكا: لا توجيهات واضحة لديه، قاعدة “التيار” في ساحة الشهداء ولكن الكوادر غائبون، على منبر الخطباء وحدهم “جماعة البريستول” (حلفاءه الالداء) في الواجهة، “الشعب العظيم” يكاد يفلت من يده، حشد 8 آذار (حلفاؤه المضمرون) اصبح باهتا. اتصل بي مساء اليوم الثالث من باريس طالبا بالحاح تشكيل وفد سريع من مسؤولي “التيار” والتوجه فورا الى الساحة الشعبية واعتلاء المنبر ومخاطبة المحتشدين. وهكذا حصل. وبدأت المشاركة الكاملة، قواعد وكوادر، وكنت اكثر المواظبين على الحضور لمتابعة يوميات الطلاب والاهالي المعتصمين، والمشاركة في المسيرات والنشاطات. لم اكن اعلم انه يريد حضورا “مدوزناً”: الجسد في ساحة 14 آذار والروح في ساحة 8 آذار. في الحقيقة لم يكن عون شديد الحماسة لما سبقه اليه جمهوره، كانت له حسابات والتزامات اخرى. من جهة لا يستطيع لجم العفوية الشعبية المتفجرة، ومن جهة اخرى يتابع مفاوضات دقيقة وتفصيلية مع دمشق وحلفائها لترتيب ظروف عودته وشروطها في اطار التحالف القديم المتجدد. ولعل اندفاعي الكامل والعفوي في “ثورة الارز” وغير المضبوط على حساباته السرية التي كنت اجهلها آنذاك، شكل احدى خلفيات “انهاء خدماتي” وفق التعبير الذي استخدمه امام وسائل الاعلام، وكأنني كنت جنديا في جيشه او موظفا اعيش من ريعه!

عودة عون الى بيروت في 7 ايار 2005 كانت مدروسة ومبرمجة بدقة. اراد الايحاء أن “عودة المحرر” لم تكن في ظل الاحتلال السوري وبمنة منه (وقتها بعد 11 يوما من انسحاب الجيش السوري) في حين ان “ملائكة” الاحتلال ظلت حاضرة بقوة، ولا تزال، من خلال المخابرات والحلفاء والاتباع وهو طلب منا ابلاغ الجميع، وخصوصا اعضاء “قرنة شهوان” واطراف “لقاء البريستول” اي سياديي 14 آذار، برغبته في عدم مجيئهم لاستقباله في المطار وساحة الشهداء. وقد اعلنت شخصيا هذه الرغبة بصورة رسمية في مؤتمر صحافي عقدته في دار نقابة الصحافة اللبنانية لشرح ظروف العودة ووقائعها، وحددت المستقبلين بوفد من “التيار” واقرباء العماد عون وعائلاتهم فقط. واللافت ان عددا من الوجوه السياسية “تسرب” الى الاستقبال في المطار، وتبين لاحقا انهم من المرشحين المقررين سلفا على لوائح “التيار” في الانتخابات العتيدة.

واحاطت بيوم العودة اشارات والتباسات عدة: توتر العائد مع الاعلاميين، محطات توقفه عند ضريحي الجندي المجهول والرئيس الحريري ومنبر الخطابة هوية “الجهات الامنية” التي حمت مراحل الاستقبال، الحادثة الغامضة او الشائعة التي اثيرت عن محاولة التعرض بالسلاح للعماد عون في ساحة الشهداء واعتقال “مشتبه بهم”، وسرعان ما تم طيها فلم يكن لها اي صدى او متابعة، ولم يكن فيها اي مشتبه به!

اما الالتباس الاشد اثارة حول ظروف العودة فكان لجوء عون الى اتهام “بعض” اطراف “قرنة شهوان” بالسعي لدى الفرنسيين لمنع عودته او تأخيرها على الاقل، متسلحا بهذه الذريعة لتبرير انفصاله اللاحق. ولم يكن لديه اي ادلة او قرائن تثبت ادعاءه برغم الحاح من يتهمهم بكشفها، وكل ما عرضه من “معلومات” حول هذا الموضوع، وبعد سنتين من حديثه عنه، اقتصر على “نصيحة” من ضابط فرنسي سابق كان رفيق دورته بالتفكير في “مخاطر” العودة! فتحولت النصيحة العامة الى اتهام خاص، في اطار ضخ الغبار على تغير الخيار.

الاسابيع الثلاثة التي سبقت انطلاق انتخابات 2005 كانت كافية لاجراء كل المناورات السياسية اللازمة لتغطية خطة العودة والتزاماتها وموجباتها، خصوصا امام الرأي العام المسيحي المطلوب استنفاره وتعبئته: زيارة “انسانية” الى سجين اليرزة الدكتور سمير جعجع، واخرى الى بكركي واستقبالات حاشدة في الرابية، وحركة مرشحين بالعشرات، وخطاب سياسي مسيحي تعبوي في مواجهة “الاقطاب” المسلمين و”اتباعهم” من المسيحيين، واستخدام كامل لوصف “التسونامي” وعزف على العناوين السحرية (السيادة والحرية والاستقلال)، مع اضافة لازمة الفساد و”الاوديتنغ”. في الوقت نفسه، خاض عون علنا غمار المفاوضات للتحالف الانتخابي مع “تيار المستقبل” والحزب التقدمي الاشتراكي وسائر قوى 14 آذار، مع علمه المسبق بأنه لا يستطيع ابرام اي اتفاق معهم بسبب التزامه بتحالف آخر. وقد اتقن خوض المناورة حتى لحظتها الاخيرة لتعويم معاركه ماليا اولا، وسياسيا ثانيا، ونجح في تحقيق الهدفين: تحميل فريق 14 آذار مسؤولية فشل المفاوضات وتدفق المال السياسي بسخاء.

في بعض تفاصيل هذه المناورة ان المفاوضات مع جنبلاط والحريري توصلت الى اتفاق يقضي بحصول عون على 8 مقاعد في بعبدا – عاليه وزحلة والشمال وترك المتن الشمالي وكسروان وجبيل للاتفاق بينه وبين “قرنة شهوان”. مساء 23 ايار 2005 قصد المفاوضان الوزير مروان حمادة والدكتور غطاس خوري دارة العماد عون في الرابيه لوضع اللمسات الاخيرة على الاتفاق وتوقيعه لكنهما فوجئا بشروط جديدة لم تكن في الحسبان (زيادة العدد وتغيير المذاهب)، فأدركا ان عون اوقعهما في خدعة وعادا قبيل منتصف الليل الى بيروت خائبين. في صبيحة اليوم التالي عقد زعيم “التيار” مؤتمرا صحافيا اعلن فيه “حرب التحرير” الانتخابية متسلحا بشعار مواجهة “الحلف الرباعي المسلم” وبغطاء لوجستي متين.

ما هو التحالف الآخر الذي كان العماد عون يرتبط به؟

البعض يصفه بأنه “صفقة العودة” وآخرون بأنه “حلف الضرورة” بسبب انهيار تحالفه مع 14 آذار. الحقيقة انه نتاج خطة مرسومة بعناية، تستند في عمقها التاريخي على العلاقة الطيبة مع النظام السوري، وفي مبرراتها البراغماتية على المصلحة المتبادلة: العماد عون يواجه منافسيه من قوى 14 آذار ويحقق طموحه الرئاسي، والنظام السوري ينتقم لـ”خسارته” لبنان باستعادة نفوذه.

الخطة اوجبت على “حزب الله” الدخول في “الاتفاق الرباعي” وعلى عون البقاء خارجه، وما يخسرانه (والخسارة لم تكن مؤكدة!) في بعبدا – عاليه يعوضانه مضاعفا في المتن وكسروان وزحلة والشمال كرد فعل مسيحي على التحالف الرباعي “المسلم”. ففي العمق كان هذا التحالف خماسيا، لأن عون لعب فيه دور الشريك المضارب وحصد بفضله 21 نائبا. لا شك في ان النتيجة فاجأته، فهو لم يكن يتوقع، قبل بضعة ايام من المعركة (وكان يؤكد لنا ذلك باستمرار) كسب اكثر من 3 مقاعد بين المتن وكسروان وجبيل. ولكن شركاءه (الرئيس لحود وضباطه ومخابراته و”حزب بالله” ورعاتهم في النظام السوري) كانوا اكثر ثقة ودقة وخبرة معرفة في حركة الرياح السياسية والمزاج الشعبي. وفي حين اضطر “حزب الله” لاعتماد “التكليف الشرعي” في بعبدا، صب كل اصواته للوائح عون في الدوائر الاخرى (زحله، كسروان وجبيل، المتن، والشمال،) واذا نقلنا هذه الاصوات الى اللوائح الاخرى لانقلب الكثير من النتائج ولكان اليوم عدد من النواب العونيين في عداد الراسبين.

الا ان دائرتي الشمال فاجأتا الخطة السورية – العونية، اذ ان “التسونامي” المسيحي لم يفعل فعله هناك، فانحدرت نسبة الـ72% من اصوات المسيحيين المؤيدين لعون وحلفائه (في جبل لبنا ن وزحله) الى 52% كمعدل عام في الشمال، أي 20 نقطة، ما يساوي اكثر من اربعين الف صوت كانت كافية لقلب النتائج رأسا على عقب ولتغيير موازين القوى القائمة راهنا.

هذه الصدمة الشمالية لخطة الرباعي (دمشق – بعبدا – حارة حريك – الرابية) جعلته ينتقل الى “الخطة ب” المستمرة الى اليوم لضرب المعادلة السياسية بكل الوسائل السلمية وغير السلمية.

باختصار، هناك خطة انقلاب سياسي معززة بوسائل غير سياسية ومحتضنة سوريا، مرت بالمراحل الاتية:

– انتخابات 2005 لاستعادة “الحالة” السورية ديموقراطيا، فشلت بفضل الشمال.

– هدنة موقتة لتمرير مكاسب ثلاثة (انتخاب بري رئيسا لمجلس النواب، ادخال ثلث معطل الى الحكومة، اسقاط معادلة الأكثرية بواسطة المجلس الدستوري صاحب السابقة الشهيرة في المتن)، وقد سقط المكسبان الاخيران بفضل الوعي الوطني لثلاثة وزراء وتنبه الاكثرية الى لعبة الطعون امام مؤسسة مطعون فيها.

العودة الى سياسة اغتيال نواب ووزراء (جبران تويني، بيار الجميل، وليد عيدو، انطوان غانم.

– استخدام الشارع والاستقالات والتهديد بالعنف والحرب الاهلية لاسقاط الحكومة والمحكمة الدولية.

– تحريك البؤر المسلحة (نهر البارد) وتسييب الحدود وتسريب الاسلحة وتدريب المسلحين. واذا كانت الضغوط السعودية – الايرانية لجمت الفتنة المذهبية فان الضغط السوري يتركز على تخريب الاستحقاق الرئاسي في حال لم يأت رئيس من اهل الخطة نفسها.

ولكن، هل كان نجاح الخطة سيأتي بالعماد عون رئيسا للجمهورية نزولا عند الوعد التاريخي؟

الجواب لم يكن محسوما، لأن لدى “حزب الله” ووراءه الثنائي السوري الايراني حسابات معقدة وبراغماتية، وهناك بيادق كثيرة على رقعة الشطرنج الواسعة الممتدة من لبنان الى غزة والعراق، وملفات خطيرة تبدأ من نظام الابناء الوراثي في سوريا وتنتهي بتشخيص مصلحة نظام الملالي النووي في ايران. ويكون بذلك كل ما انتجته سياسة عون سقوط حلمه بالرئاسة سواء “جيّر” شعبيته او لم يجيّرها وسواء كان “ملكاَ او صانع ملوك”، وكذلك اقعاد لبنان عن الخروج من مأزقه، او اعاقة مسيرة “ثورة الارز” في احسن ا لاحوال، كمثل ذاك الذي يخسر نفسه ولا يربح العالم.

من كل ما سبق يمكن تتبع الخيط الرفيع الذي يربط المراحل السياسية للعماد عون والاضاءة على ما وصف بـ”الانقلاب العوني”، وطرح السؤال: هل كان انقلابا بالفعل ام مجرد تأرجح تكتيكي وظرفي داخل السياق السياسي الثابت، وكانت كل العناوين والشعارات تنويعا على الأصل؟ ولا تكفي محاولة اعادة التموضع التي قام بها في الايام الاخيرة قبل انقضاء مهلة الاستحقاق الرئاسي، داخل الفريق المسيحي، وبدوافع الضغط الخارجي وانسداد أفق حظوظه عند حلفائه، ونتيجة الارتباك والتخبط في الخيارات، لتحديد ماهية “الانقلاب” الجديد، لأن لحظة انعطاف واحدة لا تصلح للحكم على “تراث” تقلبات 23 سنة.

وبعد، السؤال يتكرر: هل تكون عودة عون الى القوى السيادية ثابتة ونهائية، ام ان المنجمين يكذبون ولو صدقوا!

10 thoughts on “الإنقـلاب العـوني: الـدوافع والـوقـائـع

  1. min chefak ya general w chef el kheir,,allah yraye7na mennak w men yalli metlak ,wa7ad majnoun ,kassart el balad bi 88,89,90 w halaket el cha3b,,enta badak traje3 haybet ri2aset el joumhouriyeh,,lei enta khalayt chi ,men warak enta eja el ta2ef,w men warak enta feto el souriyin,w men warak enta ma ba2a fi ra2iss jemhouriyeh men 15 sene ,men warak yalli badak t7arrer souriya w t7ereba bi sikkinit el matbakh,,w halla2 kel msibitna bi ri2aset el jemhouriyeh men warak,,,3ala kollen warak warak wel zaman tawil,,w allah ytawelna bi 3omr el 7akim wel ouwet el lebneniyeh lean ma ra7 ykhallouk teje ra2iss ,,enta 3am te7lam

    Like

  2. Elta w berja3 oula ,aoun met2assar hay2a b Neron
    Yaleh 7ara2 roma la ywalli3 cigarto..
    W7aderto 7ara2 lebnen la ye23oud 3ala hal kerse..
    Bas manno 3arif l general ,enno abel ma ychoufa ra7 ychouf njoum el dohr eza alla rad …

    Like

  3. allah yesma3 menkoun ya “owatje wa lebnenyeh ana”. ma chefto mbare7 el general 3amel criset khwat ana 2ll2t khalas ra7 ymout ma ra7 yetla3 el daou 3ale. 7ata 3al otv mafiyoun yezkero issem el oueit katabo inno azlam geagea 3imlo mouzahara be ittijeh el lbc 7ata issem el oueit be faze3oun. allah ye7mi el oueit wa hakima ya rab.

    Like

  4. ya chretienne 3al otv wel 3awniyeh ma bi oulou ouwet bi oulou zelem,,lean esm el ouwet bi rajjefon w ma bi 3oud fiyon yektbo,w bi kebbon el 3ara2 w bi sir ma3on da2et alb,,bya3mlo krizet a3ssab w byetghayar lawnon,,lean mazbout ne7na zelem mech metlon wewiyeh w menkhaf ,w ne7na elna el charaf y2oulou zelm geagea lean geagea rafe3lna rassna w de3ess 3a ktir rouss,,fa ba2a ma tez3ale mennon ,w aslan elilon souri 100 marra wla t2oulilon owet marra ,,,

    Like

  5. ahsan chi 3am ya3emlo micho,eno 3am yestakbel yalli keno yotla3o 3and lahoud,sar 3andoun ma7al tene yotla3o 3aleih

    Like

  6. رافي ادريس
    هل أن تحوّل الياس الزغبي نحو تحالف قوى 14 آذار هو انقلاب على المسار الذي انتهجه خلال أربع سنوات (2001 – 2005) من لجوئه الى التيّار الوطني الحرّ، أم مجرّد تنويع سياسي حطّ رحاله تجريبيا في مضارب تحالف يظنه ثابتا بضمان المحور الحاضن (الذي تأكـّد عجزه عن الحضانة خلال تموز 2006)، وبهدف محدّد هو الوصول الى مقعد نيابي لم تحققه له تجربة السنوات الأربع؟

    وبسؤال أضيق: هل يقوم الزغبي بانقلاب فكري على ذاته؟ أم انه يتابع خطته الثابتة ولكن هذه المرة بوسائل أخرى ؟

    للإجابة عن هذه الأسئلة يجب ان نعود الى “ثوابت” خطة الزغبي ومحطاتها المفصلية منذ ظهوره في التيار الوطني الحرّ عام 2001 حتى هذه اللحظة، كي نميّز بين ما هو استراتيجي وتكتيكي، فنضع صورة موقفه الراهن في اطاره الوصولي العام.
    إن متابعي التبدّل الذي طرأ على موقف الزغبي وخطته منذ نهاية الانتخابات النيابية في ايار وحزيران 2005، يحاولون تفسير هذا التبدّل في المواقف والخيارات بأسباب عدة: بعضهم يحمّل المسؤولية للّجنة السياسية التي تشكلت داخل التيار الوطني الحر في بداية الانتخابات النيابية عام 2005 ، والتي كان الاستاذ الياس الزغبي من أعضائها، لأنها اكتشفت – كما يزعم هذا الفريق – أن الزغبي كان يبيع أخبار اجتماعاتها وما يدور في مكاتب الرابية من مناقشات الى بعض الصحف ووكالات الأنباء أو بعض وسائل الإعلام المرئية والمسموعة؛ البعض الثاني يسند “انقلاب” الزغبي الى مصلحته الفردية وهوسه النيابي الذي لم تستجب له مصلحة التيار السياسية والوطنية؛ البعض الثالث يربطه بمصالح سياسية ومالية ووعود سعى الزغبي الى نسجها لمصلحته الخاصة مع بعض حلفاء التيار الوطني الحرّ في دائرة المتن الشمالي من وراء ظهر العماد عون وخلافا لإرادته؛ والبعض الرابع يرجعه الى “رؤية استراتيجية” تكوّنت عند الزغبي لموازين القوى التي ظهرت بعد الانتخابات النيابية، بحيث بنى عليها موقفه المستجد الذي ينطلق من “حتمية” خسارة مشروعه الوصولي الذي بناه لنفسه، وفي حساباته ان كتلة التغيير والإصلاح لا تشكـّل سوى أقلية في المجلس النيابي، ما يجعل أطماع الزغبي في الوصول الى مراكز مرموقة في حكم الاستحالة، لا سيما ان في التيار الوطني الحرّ من هم أولى منه، وأسبق، وأكثر جدارة.

    قد تكون كل هذه الاسباب صحيحة وواقعية، منفردة او مجتمعة، والله أعلم. لكن المتابعة الدقيقة لـ”حالة” الزغبي على مدى إقامته أربعة أعوام في التيار الوطني الحرّ، تثبت انه لم يقم بانقلاب سياسي فعلي، بل قام بإجراء تكتيكي وردّ فعل ظرفي ومرحلي لم يخرج فيهما على “الأصل” الوصولي (الطمع بكرسي النيابة أو بأي مركز مرموق في وظائف الدولة)، ولا على الخط البياني الذي اتبعه في سلوكه.
    ومن أجل كشف هذه “الثابتة” والاضاءة عليها، لا بدّ من تفكيك الـ”منهج العلمي المعرفي الموضوعي” الذي يدّعي انه استطاع الإيفاء بأصوله في المقال الذي نشره في جريدة النهار يوم الأحد الواقع فيه 4/11/ 2007. إذ بمجرّد تحليل المنطق الذي ساق على أساسه الاستاذ الزغبي حججه في قراءة “حركة العماد ميشال عون الأخيرة نحو القوى المسيحية في 14 آذار”، يتبيّن مدى مقدرته العقلية على تفسير الحدث، وعلى كشف غاياته الشخصية ومسعاه الى تحقيقها، بشفافية لافتة.

    إن أول ما يلفت منذ بداية مقاله هو تسرّعه في إبداء الرأي حول ما يهمه متابعته من الأحداث السياسية. إذ يبدو أن الاستاذ الزغبي كتب مقاله تعقيبا على لقاء العماد عون والرئيس أمين الجميّل. فلو انتظر لكي يتمّ لقاء العماد عون مع النائب سعد الحريري في باريس، لكان تحدث عن حركة العماد ميشال عون نحو قوى 14 آذار المسيحية والإسلامية، ولكان مقاله أصبح أكثر شمولا وأوفى علمية ومعرفية وموضوعية. اللهم إلا إذا كان لا يعنيه من الوضع السياسي اللبناني إلا الشأن المسيحي وحده، فهذا يؤكـّد واحدا من اثنين أو كليهما معا: إما أنه يتعاطى السياسة بذهنية طائفية، وإما انه لا يتطلع في تنقلاته السياسية إلا الى ما للمسيحيين من مقاعد تغويه بالسعي اليها. وفي مطلق الأحوال، إننا لم نقدّم هذه الملاحظة إلا كنصيحة منهجية يحسن به الأخذ بها في حال إصراره على الكتابة والنشر.

    تنطلق أطروحة الاستاذ الزغبي، في مقاله المذكور أعلاه، من اعتباره أن العماد عون في حركته “الأخيرة نحو القوى المسيحية”، لم يقم بانقلاب على مواقفه السابقة، بل انه يقوم بـ”تنويع سياسي مرحلي” مبني على استراتيجية تقوم على إرادة “التفاهم مع النظام السوري”، “وبهدف محدّد هو الوصول الى رئاسة الجمهورية”(كذا)، وذلك منذ العام 1984 ولغاية اليوم، أي “على مدى 23 عاما”. ويقدّم الاستاذ في شرح أطروحته عددا من البراهين، نستعرضها كما وردت في تسلسلها وفق “المنهج العلمي المعرفي الموضوعي” الذي ادعاه الكاتب في المقال:

    البرهان الأول: تعيين العماد عون قائدا للجيش لم يكن ممكنا بدون رضى سوريا.

    يروي الزغبي أن هذا التعيين كان {“باقتراح” سابق من الرئيس كميل شمعون، و”مباركة” من الرئيس حسين الحسيني، و”عدم رفض” من الرئيسين رشيد كرامي وسليم الحص، و”قبول على مضض” من الرئيس امين الجميل، بل كان “بترحيب” من دمشق التي لم يكن تعيين قائد للجيش اللبناني ممكنا بدون “رضاها”}. بصرف النظر عن مدى صحة الرواية، لا سيما أن الزغبي لم يكن في حينها الا قارئا للأخبار في تلفزيون لبنان، فهي تحمّل “وزر” هذا التعيين ومسؤوليته للرؤساء الذين كانوا في مواقع مختلفة في السلطة والحكم. إلا ان الطريف في هذه الرواية هو تمريره استدراكا يعتبر أن قبول الرئيس الجميّل بالتعيين كان “على مضض”، وقد أراد الكاتب من هذه الإشارة استرضاء الرئيس الجميّل تمهيدا لضمان قبوله في المستقبل (ربما على مضض أيضا) بترشيح الزغبي للمقعد النيابي في دائرة المتن الشمالي، هذا الترشيح الذي لم يفز به مع العماد عون، فربما ينجح في تحقيقه هذه المرة مع الرئيس الجميّل في الانتخابات النيابية المقبلة. ولكن هوسه الطاغي بالمقعد النيابي غيّب عن بصيرته أنه أساء الى الرئيس الجميّل في هذا الاستدراك الرخيص، إذ جعل منه باش كاتب عند الشخصيات السياسية التي ذكرها، وعند السوريين خصوصا، بحيث أفاد القارئ بأن رئيس الجمهورية اللبنانية أمين الجميّل لم يكن يملك إلا القدرة على الإنصياع لما يؤمر به ولو على مضض. مهما يكن من أمر، وتماشيا مع منطق الزغبي وقياسا عليه، يمكن القول إذن إن النفوذ السوري في ذلك الوقت، وبعد اغتيال الرئيس بشير الجميّل، كان قد أصبح قدرا محتوما على جميع أجهزة الدولة ووظائفها، بما في ذلك وظيفة الاستاذ الزغبي نفسه في تلفزيون لبنان. غير ان الجميع يعرف ان المعارك العسكرية التي قادها ميشال عون منذ أن كان عقيدا، ضدّ جميع الذين كانت تدعمهم سوريا آنذاك، ومنهم من يلتجئ الزغبي اليهم اليوم، تلغي دور الرضى السوري في تعيين ميشال عون قائدا للجيش إلغاء تاما، وتُسقط هذا البرهان برمّته وتجعل منه عنصرا تافها من عناصر هذا المنهج “العلمي والمعرفي والموضوعي”.

    البرهان الثاني: قيام العماد عون بزيارة سوريا

    في نظر الاستاذ الزغبي، وبحسب منهجه العلمي والمعرفي، أن زيارة عون لسوريا هي دليل من الأدلة القاطعة على مخططه الرامي الى التفاهم مع النظام السوري للوصول الى رئاسة الجمهورية. من الواضح أن الزغبي لم يكن مطّلعا على ما جرى بين العماد عون والقيادة السورية آنذاك حول موضوع سحب الجيش السوري من لبنان. ونحن لا نلومه شديد اللوم على عدم اطّلاعه، نظرا لمحدودية الوظيفة التي كان يشغلها في تلك الفترة، ولأن طموحه الى النيابة لم يكن بعد قد دخل الى أحلامه التي ما بدأت تراوده إلا بعد ظهور التيّار كقوة شعبية عظمى كان من شأنها أن تهدّد كراسي محتلّيها بالأمر السوري، فما كان من هؤلاء إلا أن دبّروا لها خطة الاغتيال في 7 آب 2001، وعلى رأسهم أحد الوزراء الباقين في الحكومة الحالية التي يتحمّس لسياستها اليوم الاستاذ الزغبي. إلا أننا نسأل: هل طبّق الزغبي منهجه العلمي هذا ومنطقه على قياديي 14 آذار فيبلغنا عن نتائج زياراتهم في تلك الفترة الى سوريا وإسرائيل والعراق وغيرها، تلك الزيارات التي كادت تتحول عندهم الى نوع من الاستيطان؟ وهل للزغبي أن يبلغنا عن نتائج زياراتهم القريبة الى طهران وفرنسا والسعودية والولايات المتحدة والاردن ومصر وغيرها؟ وهل له أن يخبرنا عمّا تدلّ هذه الزيارات من خطط لديهم؟ أم هل يريد الزغبي أن يعيد فتح الملفات الممتدة من حرب السنتين لغاية اليوم؟ إذا كان هدفه كذلك، فإن التيار الوطني الحرّ يقف الى جانبه في هذا المطلب، والى جانب الغالبية الساحقة من اللبنانيين الذين يطمحون الى كشف المستور من تلك الملفات تسهيلا لمحاسبة أصحابها.

    البرهان الثالث: إرسال عون موفدين الى سوريا للتفاوض من أجل وصوله الى الرئاسة.

    يرى الزغبي أن تلك المفاوضات قد تمّ تتويجها “بقول حافظ الاسد لرفيق الحريري: اذهب وبلغ صاحبك (المقصود عون نفسه) بأنه الرئيس المقبل. وقد تباهى (عون) لاحقا بهذه الثقة السورية العليا”. إن في هذا البرهان دليلا آخر على التصاق الزغبي عرضا بالتيار الوطني الحرّ، لكونه يجهل تاريخه، وأحداثه، وحقيقة المواقف التي كان يتخذها رئيسه العماد عون، والتي أدت الى التفاف أكثر من نصف اللبنانيين حوله في قصر الشعب آنذاك في بعبدا، وحاليا في الرابية. ولكن إذا كان الزغبي يجهل الكثير من تلك الحقائق، فمن غير الأخلاقي أن يتجاهل ما تقدّم للعماد عون من عروض رئاسية منذ كان رئيسا للحكومة، وأبرزها ما جرى في هذه الحادثة التي بات يعرفها خصومه كافة: عندما ذهب النواب الى الطائف عام 1989 ، جاءه السفير الجزائري الأخضر الإبراهيمي حاملا رسالة من جلالة الملك السعودي تقول : إن جلالة الملك يتمنى عليك أن تشارك في مؤتمر الطائف ، وأن الكرسي التي الى يمينه سوف تبقى فارغة لحين قدومك. والمعروف في اللغة الدبلوماسية أن هذا القول يعني أن كرسي رئاسة الجمهورية ستكون له. فكان جواب العماد عون : إنني أكنّ لجلالة الملك كل احترام وتقدير ، ولكنني أرجو أن تبلغه بأنني أطالب بالجمهورية وليس بكرسيّها . وبعد أن استبقى العماد عون السفير الجزائري الى الغداء الذي كان صحنه الأساسي “مجدّرة”، خرج السفير وصرّح أمام جميع وسائل الإعلام : لقد تغدّيت أفقر غداء مع أشرف إنسان. إن من لا يعرف هذه الحادثة، أو يتجاهلها، يكون من الفطريات التي كنّستها صدقية العماد عون وشرف “المسؤولين المركزيين” وجميع الشرفاء المناضلين الملتزمين بالقضية الوطنية التزاما صادقا ونبيلا الى جانبه، هؤلاء المترفعين عن أي مصلحة خاصة أو شخصية. وهنا نسأل الاستاذ الزغبي: عرّفتَ عن نفسك في ذيل مقالك بصفة “مسؤول مركزي سابق في التيار الوطني الحرّ”، فهل تصدّق نفسك أنك كنت من هؤلاء؟!! على كل حال، يبقى لدينا في ما يتعلق بهذا البرهان تصويب للملاحظة التي دسّها الزغبي هازئا بأن العماد عون “تباهى لاحقا بهذه الثقة السورية العليا”، فنقول له:”يا الياس!! إن الذين يتقنون المنهج العلمي الحقيقي يستنتجون أن هذا التباهي لو كان تباهيا بالثقة السورية، لكان أصبح العماد عون رئيسا للجمهورية منذ ذلك التاريخ، ولكن على طراز الذين تباهوا فعلا بها وبشروطها. ولكن تباهي العماد عون كان تباهيا برفض شروط التنازل عن حرية لبنان وسيادته واستقلاله ولو سحقه السوريون بمساعدة العالم، ومساعدة بعض الذين وجدتَ مكانك اليوم بينهم، وعاشرتهم أكثر من أربعين يوما، وهم من حَمَلة خناجر الإلغاء الطاعنين في الظهر.

    البرهان الرابع: إنهاء خدمات الياس الزغبي في التيار الوطني الحرّ.

    يجزم الكاتب ان العماد عون لم يكن متحمّسا للنزول الى الشارع في “ثورة الأرز”. ولكنه عندما رأى الجموع المحتشدة في الساحة، خشي أن يفلت “الشعب العظيم” من يده (كذا)، فسارع الى الاتصال بالزغبي “طالبا تشكيل وفد سريع من مسؤولي التيار والتوجه الى الساحة الشعبية واعتلاء المنبر ومخاطبة الجماهير”. عند ذاك، وعند ذاك فقط، أصبح الاستاذ من “أكثر المواظبين على الحضور لمتابعة يوميات الطلاب والأهالي المعتصمين، والمشاركة في المسيرات والنشاطات”. ثم يتابع الزغبي قائلا:”ولعل اندفاعي الكامل والعفوي في ثورة الأرز(…) شكـّل إحدى خلفيات إنهاء خدماتي” في التيار الوطني الحرّ. وفي تفسيره أن العماد عون أزعجه هذا الاندفاع لأنه كان ينسّق مع السوريين”لترتيب ظروف عودته وشروطها”. من الواضح أن الاستاذ الياس يعرف تماما، كما يعرف الجميع، أن تركيب هذا البرهان الصبياني لا ينال من حقيقة موقف العماد عون، ولا من الدور الذي لعبه التيار الوطني الحرّ في نجاح تلك الانتفاضة الشعبية. ففي الحقيقة، إن الاستاذ الياس في هذا الكلام يصوّب الى مكان آخر: إنه رسالة يوجّهها الى زعيم تحالف 14 آذار ، النائب سعد الحريري، يذكـّره فيها بالنشاط الذي قام به في ثورة الأرز، وبمثابرته على النضال في سبيل القضية الفاجعة التي مني بها اللبنانيون عموما، وآل الحريري بنوع خاص. وبالتالي، فبسبب ذلك الاندفاع والنشاط خسر هذا المناضل المخلص موقعا في حزب كبير وقوي كان بإمكانه يوما من الأيام أن يوصله الى مقعد نيابي. وهذا يعني أن من له أذنان سامعتان ينبغي عليه أن يعوّض على الزغبي بما يمكن أن يكون مكافأة على تلك التضحية. لذلك، نحن نجد أن هذه المسألة تخرج عن صلاحيتنا في التعليق عليها، لأنها مسألة شخصية وأسلوب خاص من أساليب الطموح والوصول والتكسّب. غير أننا نكتفي بتنبيه من يهمه الأمر الى وجوب التعلـّم ليس فقط من التجارب والاختبارات الذاتية وإنما أيضا من تجارب الآخرين واختباراتهم بحيث لا نكرّر أخطاءهم.

    تلك هي البراهين الأساسية التي استخدمها الاستاذ الياس الزغبي في مقاله، وبنى عليها تحليلاته واستنتاجاته التي توسّم فيها العلم والمعرفة والموضوعية. ولكن على الرغم من كل ما يعتورها من ضعف وهزال، فإن الزغبي لم يجد لحاله مفرّا من وجه الضمير الأخلاقي سوى تعليق نفسه في التينة والانتحار، وذلك عندما نحر منطقه وبراهينه واستنتاجاته، واعترف أخيرا بأن العماد عون رفض الكثير من العروض المغرية التي حملها اليه وهو في المنفى – كما يقرّ الزغبي نفسه في مقاله – “وزراء لبنانيون سابقون من أصفى اصفياء النظام السوري، وسطاء وسفراء ورجال اعمال سوريون ولبنانيون وضباط مخابرات رفيعو الرتب من دمشق وبيروت. العماد عون يكشف بنفسه، ولكن بعد سنوات، أمام اصدقاء وقريبين منه (من بينهم الكاتب بصفته مسؤولاً عن التوعية السياسية والاعلام)، جانباً من “العروض” السورية السخية عشية الانتخابات النيابية 1996، ثم انتخابات 2000: أكثر من 20 نائباً وعدد وافر من الوزراء (…) وحين كنا نسأله عن سبب عدم اتمام “الصفقة” كان يعزو الامر الى رفضه الشرط المقابل: التسليم بالوصاية السورية على لبنان”. استاذ الياس: شكرا للبقية الباقية من الضمير لديك، فقد جعلتك أفضل قليلا من يوضاس… وما كنا نريد لك هذه النهاية.

    رافي ادريس

    عضو لجنة الدراسات في التيار الوطني الحرّ

    فريق الدراسات السياسية

    Like

  7. aya dirasset,law bass bya3mol dirasse we7de micho be 7ayeto ma kena wsolna la yalli wsolnelo,wa7ad 3amil sourie irane,bass ma ra7 ychoufa we7yetak ya rafi

    Like

  8. ya rafi rou7 3mol dirasse la generalak w chouf chou byetla3 ma3ak,,bi karkeb mokhak kello sawa w ma bet3oud ta3ref chi.general bado dirasse bass ya 7aram wala 7adan bye2dar ya3mello dirasse lean howe bi nafsso ma 3am ya3ref chou bado,,el mohem wel ahham men kel hayda el kerse ma ra7 bi choufa 7atta law bi 7elmo,w khalli y7ott chrout kel se3a mech kel youm,,

    Like

  9. ma3 ihtrami la ilak ya RAFI bass el jaweb yalli radayt fi 3ala elias el zoghbi mannou abadan mantiqi(logique).
    yalli mabyan menno innak 3am thot elias el Zoghbi bi il itiham bass ,weh baramet 3ala el points yalli taraha Mr el Zoghbi,fa tol3it dirastak ghier 3elmieh weh gheir manti2ieh al hadaf menna istihdaf el zoghbi weh el radd 3alay bass li moujarad el radd

    Like

Comments are closed.