دمشق اليوم “باستيل” ثقافة الحرية

 

 شاكر النابلسي

ايلاف

المدن ليست بشوارعها، وعمرانها، وزرعها، وضرعها، وناسها.

المدن هي بما فيها من تاريخ، وبمن يحكمها، وبالنظام السياسي الذي يسود فيها.

باريس – مدينة النور – لم تصبح مدينةً للنور، إلا بعد أن وُلدَ فيها عصر التنوير الأوروبي على أيدي ولسان المفكرين الفرنسيين، وبعد أن أصبحت فرنسا بعد الثورة الفرنسية، حديقة الحرية والديمقراطية في لأوروبا كلها، بل للعالم كله.

وهكذا كان حال المدن المقدسة كذلك.

فالقدس – مثلاً – قبل عام 1967 أثناء وصاية الأردن عليها، ليست هي القدس تحت حراب المحتلين. والقدس في عهد عمر بن الخطاب، ليست هي القدس في عهد الخليفة العباسي السفاح.

ودمشق في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، ليست هي دمشق في عهد مجموعة من العسكر الديكتاتوريين الذين حكموها طيلة نصف قرن من الزمان كسامي الحنّاوي، وحسني الزعيم، وأديب الشيشكلي، وعبد الحميد السراج، وجمال عبد الناصر، وصلاح جديد، وحافظ الأسد.

فقد تحولت دمشق من مدينة للتنوير في عصر الفيلسوف أبي النصر محمد الفارابي، ومحي الدين بن عربي وأحمد بن تيمية، وأحمد بن حنبل، ومن حاضرة سياسية في عهد صلاح الدين الإيوبي، وعبد القادر الجزائري إلى مدينة للرعب، والقهر، وتعذيب المثقفين، في عهود العسكر الديكتاتوريين.

وتحولت دمشق في العهد العلوي السابق والحالي إلى أكبر عاصمة في العالم – ربما – تضمُّ هذه الأعداد الكبيرة من المثقفين المعتقلين.

فلم يسبق لأية عاصمة عربية أو أعجمية – باستثناء طهران الآن – أن ضمت هذا العدد الضخم من المثقفين الأحرار المعتقلين، بحيث أصبحوا الشغل الشاغل لمنظمات حقوق الإنسان، في كل مكان في العالم. وكانوا من الأسباب التي عزلت سوريا هذه العزلة العالمية، باستثناء بعض النوافذ الضيقة والسراديب التي ينفذ منها الآن نظام الحكم السوري.
فكيف لنا أن نعتبر دمشق عاصمة للثقافة العربية لعام 2008؟
وبئست الثقافة التي عاصمتها دمشق القهر والطغيان والاستبداد.

-2-

ودمشق ليست العاصمة العربية الوحيدة، التي أصبحت سجنا كبيراً للمثقفين الأحرار المعتقلين فيها أمثال: ميشيل كيلو، ومأمون الحمصي، وانطوان المقدسي، ورياض سيف، وكمال اللبواني، وحبيب عيسى، وفداء الحوراني، وأحمد طعمة، وأكرم البني، وجبر الشوفي، وعلي العبد الله، ووليد البني، ومحمد ياسر العيتي، وفايز سارة، وراشد صطوف وغيرهم من مثقفي “ربيع دمشق – 2000″، و”إعلان دمشق- 2005” الأحرار المعتقلين. فالعواصم العربية الأخرى – دون شك- فيها أيضاً سجون تستضيف معتقلين مثقفين أحرار، ولكن ليس بهذا العدد الضخم الذي تحتويه السجون السورية الآن.

إضافة إلى ذلك، فإن عدد المثقفين السوريين الأحرار المقيمين خارج سوريا في منافيهم الاختيارية هروباً وابتعاداً عن بطش الديكتاتورية السورية، يكاد يُمثّل أكبر نسبة من المثقفين العرب الأحرار المهاجرين بعد النسبة العراقية، إن لم تكن تساويها في بعض الأحيان، مع ملاحظة أن نسبة كبيرة من المثقفين العراقيين في الشتات، لم يهربوا من أوطانهم خوفاً من السجن والملاحقة في عهد “العراق الجديد”، ولكن خوفاً من الإرهاب وغربان تورا بورا،
 الذين حوّلوا أرض العراق من سواد الخصب إلى سواد الدماء والرماد.

فكيف لنا أن نعتبر دمشق عاصمة للثقافة العربية لعام 2008؟
وبئست الثقافة التي عاصمتها دمشق القهر والطغيان والاستبداد.

-3-

دمشق اليوم هي مدينة الرعب، والقهر، والاستبداد.

فعندما تذكر دمشق اليوم، فكأنك تذكر جهنم بجلاوزها.

دمشق اليوم عاصمة لأكبر وأعتى السجون العربية وأكبرها، وهو سجن “عدرا” المركزي، أو (الباستيل السوري)، وفيه كان يقيم المناضل الكبير رياض الترك، والآن يقبع البروفيسور وعالم الاقتصاد عارف دليلة في زنزانته رقم “2”، والتي عُرفت باسمه، ومعظم معتقلي “ربيع دمشق” الذي سيأتي لا محالة. وهناك أيضاً “سجن المزّة” في دمشق، وسجن “تدمر” الصحراوي العسكري (سجن المقابر الجماعية)، وسجن “صيد نايا” العسكري، القريب من دمشق، وكلها سجون مليئة بالمثقفين السوريين من سياسيين، وكتّاب، ومحامين، وأساتذة جامعات، ونشطاء المجتمع المدني وجمعيات حقوق الإنسان، وعناصر كردية معارضة.

دمشق اليوم حاضنة أساسية للإرهاب في الشرق الأوسط، الموجّه بالدرجة الأولى إلى العراق ولبنان.

فلقد أضحت دمشق اليوم ملجأ لقيادات الإرهاب في المنطقة كأحمد جبريل، وخالد مشعل، ورمضان شلّح، وأحمد أبو عدس، وشاكر العبسي، وغيرهم من ارهابيي “الفوضى الدينية”، بعد أن كانت دمشق حاضنة للثقافة وطوت بين جناحيها وفي ترابها عبد الكريم الكرمي، وقسطنطين زريق، وعبد الوهاب البياتي، ومحمد الجواهري، وعبد الرحمن منيف، ونزار قباني، وغيرهم.

فكيف لنا أن نعتبر دمشق عاصمة للثقافة العربية لعام 2008؟

وبئست الثقافة التي عاصمتها دمشق القهر والطغيان والاستبداد.

-4-

فهل يحاول نظام الحكم السوري أن يخفي البشاعة التي لوّن بها جدران دمشق بالسواد من جرّاء القهر والطغيان والاستبداد، بإقامة شركة ايطالية للكرنفال الشعبي، والألعاب النارية، والصور المعلقة في الهواء، والألعاب البهلوانية؟

وهل تستطيع السيدة حنان القصاب رئيسة هذا الكرنفال أن تضحك على العالم الحر ومثقفيه، وتخفي حقائق ما وراء هذه الاحتفالية من مجازر، وسجون، وقهر، واستبداد، وطغيان، وإرهاب؟

إن الثقافة العالمية الحرة لا تضع أحمالها في دمشق اليوم – كما ادّعت حنان القصاب – فتاريخ دمشق النظيف والأبيض الماضي بريء من سواد دمشق اليوم، براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

وعلى المثقفين الأحرار في سوريا والعالم العربي والعالم أجمع، انتهاز هذا “الكرنفال” الثقافي، والمطالبة بإطلاق سراح كافة معتقلي الرأي في سوريا، ومنحهم حق المعارضة وإبداء الرأي الآخر، لكي نشعر بأن في دمشق ثقافة حرة واقعية، وأن حرية الثقافة مضمونة، ومصونة. أما أن نلهو بذهاب فيروز، أو عدم ذهابها لغناء “صحّ النوم يا مولانا الوالي” في دمشق، فهذه جزئية للهو وليس للجد.

ففيروز حرة في أن تذهب لتغني لطغاة دمشق، أو لا تذهب. ولكن ذهابها وغناءها في دمشق لن يوقظ الوالي وعصا الطغيان من نومه العميق. ولن تستطيع “قرنفل” بطلة هذه المسرحية الغنائية، ولا كل “القنافل” العرب ردَّ الوالي عن بطشه واستبداده. والدليل ما يجرب في لبنان الآن. وغناء فيروز غداً في دمشق لن يحوّل صورة دمشق من سجن إلى فردوس، ولا من مذبح للبشر إلى حديقة تتفتح فيها كل الأزهار، ولا من جهنم الحمراء إلى جنة عدن.

كذلك، فإن مجموعة الموسيقيين الفرنسيين والأسبان والسوريين، وعرض أوبرا “كارمن”، والبالية الوطني الصيني، ومعارض الفن التشكيلي، ومعارض الفن الحرفي والعلوم والآثار، ومعارض فن الخط العربي والفنون التطبيقية، وهذه (الهلُمّه) الكرنفالية.. كل هذا لن يحوّل ظُلمة شتاء دمشق القارص إلى “ربيع دمشق” المدفون والمؤود. ورغم هذا، ما زالت براعم “ربيع دمشق” إلى الآن، تتفتح حتى داخل أقبية السجون السورية المعتمة.

فالعتمة لا تقتل الزهرة، ولكنها تُبطئ تفتُّحها فقط.
السلام عليكم.