عندما يُصبح فهم اللغة العربية بحاجة الى القاموس الفارسي

 

 فارس خشّان

      المستقبل    

 ثمة عاصمة واحدة يمكن الركون اليها لاستخراج “إفادة” اتقان اللغة العربية: إنّها طهران.

لا القاهرة تنفع ولا الرياض ولا الدوحة ولا أبو ظبي ولا الكويت ولا الجزائر ولا حتى بيروت.

ففي هذه المرحلة، من المستحيل فهم اللغة العربية من دون القاموس الفارسي الذي يرتفع حالياً في احتفاليات دمشق ـ الثقافة.

ويبدو أن فريق الثامن من آذار ـ بكل أطيافه ـ محق بكل ما يقوله عن اللغة العربية إرتباطاً بالمبادرة العربية، لأن فهمه لها جاء في ضوء مشاركة علي لاريجاني في صوغها بالإشتراك مع وليد المعلم، ومستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية “دام ظله” هو بالذات من تكفّل بإفهامها الى النائب علي حسن خليل و”الحاج” حسين خليل، عندما استدعاهما الى دمشق ليكونا في حضرته، بمواكبة اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، حيث تمّ وضع اللمسات الأخيرة على مشروع المبادرة العربية.

وفي الفهم الإستراتيجي لموقعها، فإن دمشق في المسألة العربية، ليست أحسن حالاً من فريق الثامن من آذار، فهي أيضاً تستند الى القاموس الفارسي، لأن تكليفها بإدارة الملف اللبناني متصل بقرار إيراني، ولأن علاقتها بالعالم العربي مرتبطة بوظيفتها الإيرانية.

ومن يُدقق بالمعلومات التي كانت ترد الى لبنان سابقاً، يدرك ان القاموس الإيراني حاسم لحُسن ترجمة ما تعنيه المبادرات على أنواعها. ففي زمن المبادرة الفرنسية، كان الإيرانيون يؤكدون أنها لن تمر، “إذ كيف يُعقل ان ينجح الرئيس نيكولا ساركوزي في بيروت وهو من دعاة الحصار على إيران”. وفي زمن المبادرة العربية كان الإيرانيون يجزمون بأن عمرو موسى سيفشل “إذ كيف يعتقد العرب أنهم قادرون على حصد نتيجة إيجابية في بيروت وهم يرفضون الإعتراف بالدور الإيراني؟”، لا بل أنهم ذهبوا أبعد من ذلك عندما استعيبوا “انتخاب” قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية “فالرجل بات من الزمن العربي القديم، تماماً كما أصبح موقع مصر ـ جمال عبد الناصر”.

الإيرانيون واضحون في رسمهم للواقع اللبناني: “حزب الله” لنا، هذا يعني ان كل فريق الثامن من آذار لنا. نحن نوفر للعماد ميشال عون طموحاته الشخصية فهو بذاته بالكاد يستطيع ان يمون على نعمة الله أبي نصر، ونحن أيضاً نؤمن للنظام السوري نفوذه في لبنان، لأن “فريقه” لوحده قادر فقط على إحداث اضطرابات، ولكنه غير قادر على تعطيل المسار إلا من خلال نفوذ “حزبنا” وأمواله.

وما يريده الإيراني من لبنان معروف: هزيمة الولايات المتحدة الأميركية، وتهديد الدول العربية باستقرارها، وإعطاء وظيفة متقدمة للنظام السوري الى جانب فصائل فلسطينية وفصائل لبنانية، ليتمكن من إضفاء المصداقية المطلوبة على تهديداته القائمة على معادلة تفجير المنطقة كلها إن تجرأت واشنطن على المس به.

ووفق هذا القاموس الإيراني، لم يحن بعد وقت الحلحلة في لبنان، فيما مجلس الأمن يواصل النظر في الملف النووي وفي فرض العقوبات التي تفاقم المصاعب الإقتصادية عند شعب مدعو في آذار المقبل الى اختيار مجلسه النيابي.

وفي هذا السياق أيضاً، فمن يُدقق في إطلالات الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله العاشورائية يتأكد أن “هذا العربي القح” لا يُغيّب، لأي سبب كان، الملف الإيراني لا عن جدول كلماته ولا عن قائمة تهديداته.

ولأن المسألة كذلك، فلم يكن عجيباً أن يدعو العلامة محمد حسين فضل الله، من أجل حل الأزمة اللبنانية، الى حلف إيراني ـ مصري في مواكبة لدعوة الرئيس نبيه بري الى صفقة سورية ـ إيرانية.

وبناء عليه، ففريق الثامن من آذار لا يعني التدقيق اللفظي بالمبادرة العربية عندما يشكو الدول العربية عمرو موسى إنما يعرب عن استيائه لأن العرب “مش عم يفهمو عربي”، وفق مرامي المثل الشعبي.

وبهذا المعنى، فالعرب لم يفهموا بعد أن الدخول الى لبنان ممنوع من دون المرور بالبوابة الإيرانية ومن خلالها بالبوابة السورية، فإن فعلوا نجحت مبادرتهم في لبنان، وإن لم يفعلوا فليس لهم سوى مواجهة الفشل.

وبهذا المعنى أيضاً، فإن الأزمة اللبنانية هي أزمة فرعية مرتبطة عضوياً بالأزمة الكبرى، أي المواجهة الإيرانية مع المجتمع الدولي، بعربه وعجمه.

وعلى هذا الأساس، فالأزمة اللبنانية التي هي أزمة “مدوّلة” بطبيعتها، وتالياً فهي، وفق القاموس الفارسي، أمام احتمالين، إما ان تكون في عداد المواجهة الشاملة أو تكون في عداد الحل الشامل، ولكن ممنوع رفد عناصرها الداخلية بأي معونة عربية أو دولية حقيقية، تحت طائلة إستعجال “عرقنتها”.

أمام هذا الواقع، ماذا سيفعل اللبنانيون المستهدفون بهذا الربط التفجيري لمصيرهم وماذا سوف تفعل الدول العربية؟

على المستوى اللبناني، فقرار الصمود متخذ. لا خوف في دوائر القرار من أي تطورات ميدانية. فتحريك الشارع من جهة سوف يستدعي تحريك شارع من الجهة المقابلة، وكلا الطرفين محمي بشارعه، وبهذا المعنى ثمة من يحيل السائلين عن النتيجة الى أن تخريب الثالث والعشرين من كانون الثاني 2007 أنتج انتفاضة الخامس والعشرين منه، تماما كما ان الرد الطبيعي على الثامن من آذار 2005 أنتج ذاك الرابع عشر من آذار. أكثر من ذلك أيضا، فإن محاولة السيد حسن نصرالله تشويه صورة المسؤولين اللبنانيين ليرد عنه تهمة التسبب بمآس فظيعة لشعبه بفعل ارتباطاته بمشروع غير مشروع، أسقطت عنه كل هيبة، وهو الأدرى ماذا حلّ بصورته بفعل “حروب الشوارع” التي تسبّب بها.

وعلى المستوى العربي، ثمة إدراك عميق أن نجاح المشروع الإيراني في لبنان يعني نجاح هذا المشروع على المستوى العربي الشامل، وأن الآمال التي تمّ تعليقها على سيناريو فصل سوريا عن إيران اصطدمت بالواقع الدقيق الذي يُثبت أن النظام السوري في المشروع الكبير ليس أهم من “حزب الله” في تبعيته.

وإذا كان اللبنانيون الذين يناوئون مشروع إلحاقهم كأضحية بالمحور الإيراني ـ السوري قد حسموا قرار المواجهة بالصمود، فإن التوجه العربي لا يبدو أنه قد تمّ حسمه بعد، لا على مستوى البحث في الإنتاجية اللبنانية وتالياً العربية من التهويل بعزل النظام السوري بعد “الحرد” منه، ولا على المستوى الإعلامي، حيث غياب الإستراتيجية في التعامل مع نظام إسقاط المناعة العربية ـ وهنا تبرز أيضا هزالة الإستراتيجية الإعلامية اللبنانية التي إن تعاملت مع المعارضة السورية إنما تتعامل معها على قاعدة الشفقة هنا ورفع العتب هناك ـ ولا على المستوى الإقتصادي، بحيث لا تزال التدفقات المالية على جريانها، ولا على المستوى الديبلوماسي، حيث لا تزال البعثات الديبلوماسية في مكانها و…مكانتها.

بالأمس، فشلت المبادرة الفرنسية فكان أن أخذت الدول العربية مكانها، وسط تهديدات غير مسبوقة للفريق السوري ـ الإيراني الراقص على وقع الإغتيالات المستمرة، واليوم “أهينت” المبادرة العربية فكيف يكون الرد على قوى تتكئ على قوة التخريب لنصرة شعاراتها؟.