النظام السوري يقامرُ بالشيعة ولبنان والمنطقة.. وسوريّا نفسها

النظام السوريّ يراهن على تلزيمه الوضع اللبناني من جديد ويطرح
الحرب الأهلية في وجه المبادرة العربية ويقامرُ بالشيعة ولبنان
والمنطقة… وسوريّا نفسها

نصير الأسعد

المستقبل

تجربتان من التاريخ اللبناني الحديث جعلتا النظام السوري يستمرئ “تلزيمه” لبنان.
نهاية العام 1976، تقرّر عربياً إرسال قوات ردع عربية إلى لبنان لإطفاء نيران الحرب الأهلية المندلعة فيه آنذاك. أرسلت دولٌ عربية أعداداً محدودة من قواتها، وتكفّل النظام السوري بـ”الباقي” فوجّه إلى البلد قرابة ثلاثين ألفاً. وشيئاً فشيئاً إنسحبت قوات الدول العربية وصارت قوات الردع سورية صافية. إستحكم نظام الأسد بالوضع وراح يدير مرحلة أخرى من الحرب الأهلية والهدفُ الثابت هو إستتباع لبنان وإلحاقه.

وفي نهاية العام 1989، أقرّ اتفاق الطائف برعاية سعودية ـ عربية لوقف الحرب الأهلية. النظام السوري اعتبر أن أوان القطاف قد حان. إنتهز ظروفاً دولية وإقليمية بعد الغزو العراقي للكويت ليقايض انضمامه إلى التحالف الدولي ضدّ العراق بتفويضه بلبنان. صار نظام الأسد مكلّفاً بـ”رعاية تطبيق اتفاق الطائف” فبسط وصاية حديدية على البلد. وأدار الوضع اللبناني بما يمكّنه من جعل لبنان بلا مركز “ذاتيّ”، ومن جعله تابعاً له. وكانت النتائج التي لا حاجة للعودة إليها الآن.

رهانٌ على التفويض بلبنان

على خلفية هاتين التجربتين اللتين مكّنتاه من إدارة لبنان ثم حكمه، كان واضحاً انّ النظام السوري يراهن على أن ينتهي مؤتمر وزراء الخارجية العرب في السادس من كانون الثاني الماضي إلى تفويضه بلبنان من جديد، أي أن يفوّض إليه تنفيذ المبادرة العربية. ويقيناً انّ وزيره وليد المعلّم وافق في القاهرة على المبادرة مفترضاً أن تنفيذها في بيروت سيوكل إليه في مرحلة تالية.

لذلك، ليس ثمّة شكّ انّه، ومن أجل هذا الهدف، أوعز إلى “معارضته” بمواجهة المبادرة العربية عبر تكبيلها بشروط لا قعر مرئيّاً لها. نفّذت “المعارضة” ما طُلب منها سورياً. حتى عندما أتى عمرو موسى لتنفيذ المبادرة حاملاً معه التفسير العربي المنطقي للبند الثاني المتعلّق بحكومة ما بعد إنتخاب رئيس الجمهورية والقائل ان لا “ثلث زائد واحد” لـ”المعارضة” ولا “نصف زائد واحد” للأكثرية، واجه حملةً من النظام السوري و”معارضته”.

إعتبر نظام الأسد انّه نجح. وإفترض انّ الاجتماع العربي المقرّر في 27 كانون الثاني الماضي والذي سيستمع إلى تقرير الأمين العام حول ما واجهته المبادرة العربية بين بيروت ودمشق، سيوكل إليه ـ مع موسى في الحدّ الأدنى ـ وضع المبادرة موضع التنفيذ. بين النيران المشتعلة في الشيّاح ـ مار مخايل من جهة والتصرّف داخل الاجتماع الوزاري العربي بوصفه ممثلاً لـ”المعارضة” محاولاً منع الوفد اللبناني الرسمي من المشاركة من جهة أخرى، ظنّ انّ التكليف سيصدر. أعلن وليد المعلّم انّ المبادرة تعني “المثالثة” (أي صيغة العشرات الثلاث)، ورفض أن يتمّ توضيحها على نحو ما ذكر الأمين العام، وكان مستعداً لنسفها بـ”مساعدة” بعض الدول العربية على قاعدة سحب الإجماع عليها.

إسقاط المبادرة العربية بحرب أهلية

الآن، يعود عمرو موسى بعد غدٍ الجمعة. يعود مسبوقاً برفض النظام السوري أي تفسير غير “المثالثة”. لكنّه يعود مسبوقاً بإنقلاب حلفاء هذا النظام وأتباعه على الرئيس التوافقي العماد ميشال سليمان. والأهم ـ الأخطر انّه يعود وقد انتقل لبنان بالخطاب السياسي لـ”المعارضة” وممارساتها إلى محاولة هذه “المعارضة” إنجاز إنقلابها الذي ابتدأته في خريف 2006، أي إلى محاولة حسم الخلاف السياسي في الشارع بالفوضى والعنف.. أي إلى طرق “المعارضة” أبواب الحرب الأهلية.

إنّ “المشروع السوري” في لبنان هو الحرب الأهلية. ونظام الأسد يريد إسقاط المبادرة العربية لـ”العودة إلى لبنان”. وهو يريد بإدخال لبنان في حرب أهلية أن يستعيد “التلزيم”.

الموقف الدولي والعربي ضدّ الحرب في لبنان

ما تقدّم ذكرُه هو ما يريدُه النظام السوري ويسعى إليه.

بيد انّ ما يسعى إليه يواجه وقائع ومعطيات “أخرى”.

أولى الوقائع والمعطيات هي انّه إذا كان لا جدال في انّ الحرب الأهلية “السابقة” حصلت على تقاطع “مصالح” دولية وإقليمية وكانت مدارةً على المسرح الدولي والاقليمي، فانّ الموقف الدولي والعربي اليوم ضدّ الحرب الأهلية في لبنان.

وثانية الوقائع والمعطيات هي انّ القرار الدولي والعربي اليوم حازمٌ ضد أيّ تكليف للنظام السوري في لبنان أو تفويضه به أو تلزيمه إليه.

خطورة كونها سنّية ـ شيعية بالتعريف

أمّا ثالثة الوقائع والمعطيات فتحتاج إلى بعض الشرح.

إنّ الحرب الأهلية إذا حصلت في لبنان اليوم، والتي تمثّل خيار نظام الأسد، هي حربٌ مذهبية إسلامية ـ إسلامية، سنّية ـ شيعية بالتعريف، ولا يمكنُ إلا أن تكون كذلك بوجود الكتلتين الإسلاميتين على ضفّتين سياسيّتين متقابلتين.

وإذا كان لا داعي لتكرار التشديد على الضرر الكبير الذي يلحقُ بالشيعة اللبنانيين جرّاء زجّهم في صدامات مع مختلف الطوائف، فانّ مغامرة النظام السوري بالشيعة في لبنان سيدفّع الشيعة أينما وجدوا في الدول العربية أثمانها.

على أنّ أكثر ما يتطلّب إدراكاً، هو انّ الزجّ بالشيعة ضدّ السنّة في لبنان، يشكّل تحديّاً للنظام العربي وللرأي العام العربي على السواء. وبكلام آخر، إنّ حرباً أهليةً في لبنان، وهي حرب سنّية ـ شيعيّة، لن تبقى بلا تداعيات في المنطقة. وليس ما يمنع ـ نظرياً ـ أصوليات تكفيريّة إرهابيّة من استهداف الشيعة. وليس ما يمنع تحرّك أكثريات سنّية في بلدانها ضدّ أقلية، وهذا ينطبقُ على سوريا أول ما ينطبق. وليس ما يمنع ـ نظرياً ـ من أن تكون سوريا نفسها مسرحاً لفوضى في موازاة الحرب الأهلية في لبنان.

…وسوريّا ليست بمنأى عن عواقبها

ثالثةُ الوقائع والمعطيات هي إذاً انّ سوريا عندما تفجّر حرباً أهلية في لبنان لن تكون هي نفسها بمنأى عن المضاعفات. فعندما يكون الموقف الدولي والعربي حازماً ضدّ الحرب الداخلية، وعندما يُعتبر التفجير السوري لحرب في لبنان تحديّاً للنظام والرأي العام العربيين أي للأكثرية الإسلامية السنّية في المنطقة، على النظام السوري أن يحسب جيداً حساب العواقب. فكما انّه يعتبر انّ “سلطته” على لبنان مسألة متصلة بـ”مصيره”، لا بدّ أن “ينتبه” إلى أنّ إغراق لبنان في الصدامات الأهلية لا يمكنُ ـ هذه المرّة ـ أن يكون بلا تداعيات عليه.

يا “حزب الله”! يا إيران!

إن إستعراض هذه الوقائع والمعطيات ينتمي إلى “حقل” التحليل “الموضوعي”. لكنّه يهدف إلى القول إن “مقاومة” الخيار السوريّ بحرب أهلية في لبنان، هي مقاومةٌ ليس فقط للعنف الدامي ومآسيه على كلّ اللبنانيين، بل هي مقاومةٌ لإغراق المنطقة العربية في بحور من الدماء، لأن ما تمّت محاصرتُه من نتائج الصراع في العراق، لا يمكن محاصرتُه في حالة لبنانية متفجّرة. فلماذا يكون الشيعة في لبنان وقوداً لإحراق البلد والمنطقة؟ أين مصلحة “حزب الله” في “تسهيل” الإندفاع في هذا الاتجاه حتّى وهو يقول إنّه ضدّ الفتنة؟ ثمّ أين مصلحة إيران؟ أليس لديها دورٌ في كبح النظام السوريّ؟.

الصراع الآن هو بين المبادرة العربية وبين حرب أهلية يدفع نظام الأسد باتجاهها، ظنّاً منه أنّها بوّابته إلى العودة إلى لبنان.

ولذلك فانّ نجاح المبادرة هو ما يُسقط “مشروع الحرب الأهلية” الآتي من دمشق.