سورية… و “عمى البصيرة”!

جميل الذيابي    الحياة

ربما يرى بعض القرّاء في هذه المقالة تحاملاً على سورية، وربما يحمّل أكتافي «الضعيفة» وِزر تهمة لا تحتملها، لكن ما سأكتبه نتاج قراءة تحليلية «صرفة» تتعلق بسياسات دمشق «المتغيرة» وقراراتها «المتناقضة».

السعودية دولة مواقف مشهود لها عربياً ودولياً، ولا يمكن ان تنسى سورية مواقفها معها بعد ان سُجِّلَت تلك المواقف في السرّاء والضرّاء، ودولة تتألم لكل أذى يصيب بلداً عربياً كما لو أصابها، فمتى ما ضجر طرف في دمشق من وجع، هرعت الرياض كما لو أنه أصاب منها مقتلاً.

خلال «قمة الرياض» العام الماضي، بعثت السعودية برسائل سياسية «إيجابية»، رغبة منها في بداية حقبة جديدة للعمل العربي المشترك، معلنة بشكل «صريح» أن القمم العربية منبر مفتوح لجميع الأعضاء، للتعبير عن آرائهم والتصويت على ما يرونه مفيداً للمواطن العربي، وأن الوقت قد حان لتجاوز الخلافات «العربية – العربية»، ما اعتبر في حينه بشهادة المراقبين نقلة نوعية مستقبلية في العمل الجاد ونهاية عصر وبداية عصر عربي جديد، خصوصاً ان لقاء جرى بين خادم الحرمين الشريفين والرئيس السوري على هامش القمة.

في «قمة الرياض» سُميت الأشياء بأسمائها، حتى ان العاهل السعودي سمَّى القوات الأميركية الموجودة في العراق بقوات الاحتلال، ما دعا البيت الأبيض إلى المسارعة في الرد على الرياض.

السعودية ومصر ودول عربية أخرى تعتبر في القاموس السياسي دولاً معتدلة، والعُقلاء دائماً ما يتحملون مسؤولية تهدئة وتعديل سلوك المراهق الذي يعاني من انجذابات عاطفية واندفاعات «غير محسوبة» لأطراف أخرى على حساب المصلحة العربية، وهو ما يستدعي إعادة سورية إلى الحضن العربي واخضاعها لعلاج «إكلينيكي» لإزالة العوارض «الطارئة» وحالة العشق والهيام «الاستراتيجي» التي تعاني من أعراضها «المزمنة».

عوَّدتنا سورية في السابق على تبني مواقف تخدم القضايا العربية، لكنها في السنوات الأخيرة باتت تزبد وترعد بمواقف أقل ما يقال عنها إنها «عمياء»، وهو ما أعمى بصيرة وقلب «جلّق الفيحاء».

سورية لم تقدم حتى الآن ما يقود إلى «إجماع» عربي، ولم تهيئ مناخات وأجواء يمكن من خلالها تجاوز العقبات وإزالة العراقيل لعقد قمة ينتظر منها قرار عربي «موحد».

سورية تذهب بعيداً عن العرب، ويبدو ان الكبرياء تمكن من ساستها، على رغم ان سيناريو ما حصل في العراق عند اسقاط نظام صدام من مخاطر ما زال يطوِّق خصر المنطقة، وما أشبه الليلة بالبارحة… آسف بـ «البارجة» بعد وصول «كول» إلى المنطقة.

يريد العرب من دمشق ان تعود إلى حضن الأم، وتسهم في حلحلة مشكلة الشقيق والجار اللبناني الذي سئم الموت اليومي. يراد منها المساعدة في دفع حلفائها لقبول المبادرة العربية وانتخاب رئيس لبناني «توافقي»، وتلك مسؤولية «سهلة» متى ما كانت النوايا صادقة من دون اللجوء إلى الحيل والمراوغات السياسية المكشوفة.

سورية هي الدولة المستضيفة للقمة العربية، وجهودها ما زالت «ناقصة ومنقوصة»، وتهدد بنسف القمة إن كان يمكن تسميتها بقمة، ويكاد يكون الحكم عليها بالفشل مقرراً سلفاً، ما يعني انه لا داعي لعقدها أو حضورها أو انتظار شيء منها، لكون المضيف هو وجه الفراق وسبب الانشقاق.

لا شك في أننا شعوب تعودت على الأزمات والاضطرابات والحروب ووجوه الإرهابيين وأحزمة الانتحاريين وفتاوى الإقصائيين وغدر السياسيين وغش الاقتصاديين وجشع التجار، فلسنا بحاجة إلى مزيد من النكبات والصفعات! نحن شعوب تطفو على ملامحها علامات الحزن والبؤس، بحكم أفعال بعض ممن يشبهوننا ويدغدغون مشاعرنا بالكذب والحيل.

«قمة دمشق»… ستكون رحلة سياحية لمن حضر، تبدأ بالاستقبالات والمصافحات والخطابات النارية وتنتهي بـ «لا شيء»، وهذا ما تريده سورية وحلفاؤها.