بري عند الأسد

النهار
علي حماده

ليس الرئيس نبيه بري بموقعه السياسي الحالي الجهة المؤهلة لإدارة حوار حقيقي بين اللبنانيين، فهو طرف، ورصيده سلبي بعدما ارسى سابقة في تاريخ لبنان والعالم بقفله لأم المؤسسات اللبنانية اي مجلس النواب لاكثر من عام ونصف عام في محاولة لمنع قيام المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة رفيق الحريري وسائر الشهداء، وجماعاته تحتل جنبا الى جنب مع جماعات “حزب ولاية الفقيه” قلب بيروت، ولا تتأخر في القيام بمشاغبات في احيائها وازقتها والتبختر بالسلاح بين المدنيين. فضلا عن ذلك يصعب ان يكون بري بزيارته مرجعيته السياسية في دمشق قد حصد من بشار الاسد ما لم تحصده كل العواصم العربية، وهو القائل البارحة ان مضيفــــه قبل تطبيق كل مقـــررات مؤتمــر الحـــــوار اللبناني الاخيرة المتعلقـــة بالعلاقـــات اللبنانية – السورية. فإذا صح ما اورده بــري نقــلا عن الرئيس السوري من قبول سوري للمقررات المذكورة، نسأل اين صارت المقررات ؟ ومتى
التنفيذ ؟

طبعا معروف ان زيارة بري لدمشق مطلوبة، وهي رد سوري على مقاطعة الشرعية اللبنانية للقمة، هدفها الايحاء أن ثمة لبناناً آخر غير الشرعية المقاطِعة “يسترشد بحكمة الرئيس الاسد” ولا يقاطع بل يحل بدمشق في داره. ومَن افضل من رئيس مجلس النواب ليحمل معه “رائحة” شرعية تضفيها رئاسة المؤسسة الام ؟ ولكن شتان ما بين شرعية مجلس نواب بحالته الراهنة ومجلس نواب حقيقي يمارس مهماته الدستورية من دون ان يطيحه نزعة ميليشيوية.

امر آخر يجدر التوقف عنده لتأكيد عدم اهلية رئيس مجلس النواب لادارة حوار حول القضايا الاساسية، وهو ان من يقاطع حكومة شرعية ورئيسها يصعب قبول تحركه في الشكل الذي يريد ان يقدمه. لذا مطلوب من الرئيس بري ان يبادر الى معاودة الاتصال بالحكومة ورئيسها وان من باب الخلاف والاعتراض على شكلها بعد استقالة الوزراء الشيعة منها. فإذا كان الثنائي “حزب ولاية الفقيه” وحركة “امل ” يستسهلان مقاطعة الحكومة ورئيسها، واعتبارهما غير ميثاقيين، فإن سلوك رئيس مجلس النواب خلال الاشهر الستة عشر الماضية في مستوى المؤسسة يقع على طرف نقيض مع الدستور والنظام والميثاق، ويكاد يقوض اسس الكيان نفسه الى حد ان كثيرين في صفوف الاستقلاليين ينادون نواب الغالبية بالتعامل مع رئيس مجلسهم بمثل ما يتعامل هو مع الحكومة ورئيسها.

ان كلامنا هذا لا يعني رفضا لفكرة الحوار، بل على النقيض يرمي الى القول ان الحوار من اجل تذويب المبادرات والقفز فوق الاستحقاقات الجوهرية مثل انتخاب رئيس جديد يكون هو محور الحوار وعنوانه، مؤداه الى مزيد من الاحباط بين اللبنانيين بعد ان يكتشفوا انه لم يقربهم من الحلول، بل زادهم يأسا وقنوطا. وان القول ان مجرد الدعوة الى الحوار من شأنه التخفيف من التشنجات في البلاد في انتظار زمن التسويات الكبرى في المنطقة، لا يبرر على الاطلاق منح براءة ذمة لمسوؤل كبير بموقع الرئيس بري على اقفاله أم المؤسسات منذ ستة عشر شهرا كرمى لعيني بشار الاسد.