في متاهة الجنرالين

شادي علاء الدين

طفت على وجه الحياة اللبنانية حديثاً، جملة وقائع تؤشر الى ممارسات وتحولات تطاول الثقافة في علاقتها بالحرية وفي علاقتها بهوية البلاد، كما نرسمها في أذهاننا وكما نسعى إلى تقديمها إلى العالم. من بين هذه الوقائع، نختار واقعتين، الاولى الدعوى التي أقامها الجنرال ميشال عون على الشاعر بول شاوول بتهمة القدح والذم، والثانية منع الأمن العام اللبناني عرض فيلم “برسيبوليس” للإيرانية الفرنسية ماريان (مرجان) ساترابي لأنه يسيء إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولأن إتاحته أمام الجمهور في مثل هذه الأجواء من الانقسام قد تثير الحزازات وتشجع على الفتنة الطائفية والمذهبية… وقرار الحكومة إجازة عرضه بعد تدخل وزير الثقافة.

الدعوى القضائية التي تقدّم بها الجنرال عون ضد الشاعر بول شاوول هي محاولة لوضع الثقافة في قفص الإتهام والإيحاء أن العسكر هو المنتصر، وهو من يستدعي القانون لفضّ الخلافات، في حين أن الشعراء هم من يشتمون ويخالفون القانون. يحاول الجنرال أن يقلب المعادلة قائلاً إنه المدني في حين أن الشاعر هو المدجج بالسلاح. لا بد إذاً من تجريده منه وجعله أعزل بالكامل. هكذا يكون قابلا للدخول في متاهة عقل الجنرال التي تؤمن بأن التناقض داخل الشخص الواحد حق وبأن فصام الشخصية نوع من أنواع العظمة الخاصة بالجنرالات لا يستطيعها أيّ كان وخصوصاً الشعراء.

لسنا بلا ذاكرة

يراهن الجنرال في حربه على الشاعر على أن اللبنانيين بلا ذاكرة. لم يخطر في باله أن ما أرساه من مفردات اللغة ما تحت الزنار وما أطلقه من سلوك استعلائي مع الصحافيين والمثقفين قد حوّله إلى مادة للتندر العام قل أن يجود بمثله الزمان. هذا كله يجعل انتقاده بقلم شاعر ليس ثمة شكوك حول قيمته ومكانته الأدبيتين مثل بول شاوول، نوعاً من تكريم لا يستحقه. فهو يضعه في قلب السجال وفي قلب الحدث، في حين ان تسارع الوقائع اليومية والأحداث يثبت تسارع وتيرة خروجه من الصورة.
الهجوم على الجنرال اعتراف بجنراليته ودعوة له إلى السجال بالخطاب. لذا تبدو الدعوى القضائية ضد الشاعر نوعا من الإعتراف الصريح بانعدام الخطاب.
هنا يجب أن نسأل: ألا يحق للبنانيين محاكمة الجنرال على تاريخه الذي جعله في لحظة مقاومته للنفوذ السوري جنرال القلوب ثم عاد ليسلب منهم حبهم له ويحاول انتزاع أبوّة ثورتهم؟ ألا يحق للبنانيين محاسبة الجنرال قانونيا على تسببه في مقتل عشرات الشباب وسجن غيرهم تحت عناوين معينة عاد وأنكرها الآن؟
من أيّ موقع يقاضي الجنرالُ الشاعرَ، أمن موقع أرضيّ أم إلهي؟ لا نستطيع البتة تحديد هذه المسألة لأن الجنرال أضاف الى التباساته العديدة التباسا غيبيا مستعارا من حليفه الإلهي الذي قرر أحد جنرالاته منع فيلم “برسيبوليس” للرسامة والكاتبة الإيرانية الفرنسية ماريان ساترابي من العرض في بيروت بعدما كان عُرض في إيران وسبق له نيل جائزة لجنة التحكيم مناصفةً في “مهرجان كانّ”.
الحجة التي أدرج تحت سقفها قرار المنع تقول إن الفيلم يسيء إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإن عرضه في مثل هذه الأجواء من الإنقسام قد يثير الحزازات ويشجع على الفتنة الطائفية والمذهبية.
اللافت في مثل هذا الكلام ليس خلوّه من المنطق فحسب ولكن في أنه يحمل تأكيدا فظا لهشاشة البلاد يصدر من طرف لطالما تأسس كامل خطابه السياسي على فكرة أن المقاومة تحمي البلد من اسرائيل ومن الفتنة الداخلية والحرب الأهلية، فإذا به الآن يقول لنا إن فيلما ما يستطيع أن يشعل حربا أهلية. المفارقة الحادة هنا تكمن في بنية النفي الشامل الذي ينفي الدولة والمواطن والمقاومة في آن واحد، لتصبح البلاد بما فيها ومن فيها واقعةً تحت التهديد المطلق للفيلم الذي بانتقاده الثورة الإسلامية لا يخرق خطوطاً حمراً مرسومة في إيران بل يقطع الخطوط الحمر اللبنانية.
السؤال إذاً هو الآتي: هل أضعنا خرائطنا بالكامل وبتنا نستجدي ملامح جغرافيتنا الثقافية والإعلامية من بلاد الولاية المطلقة للفقيه؟ هل أصبحنا صندوق بريد للعموم يضع فيه من يشاء رسائله الملغومة وعلينا نحن أن ندفع فواتير التسلّم؟ هل دخلنا بشكل تام في متاهة الجنرالين؟

إلى من تتوجه في دعواك يا جنرال؟

من ينصف الجنرال من الشعراء؟ يحتاج هذا السؤال إلى كثير من الدقة للإجابة عنه، وهو ليس سهلا كما يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى. هل تنصفه الحكومة الفاقدة الشرعية التي يتعاطى معها كل يوم ليس فقط من موقع المعارض ولكن من موقع المنكر وجودها في الأساس؟ ما هذا الموقف الملتبس وغير المفهوم الذي يتصرف الجنرال على أساسه؟ فمن ناحية لا يسمح له موقعه ما فوق المعارض بالتماس أي شيء من الحكومة، بل من الغريب واللافت مبادرة الحكومة التي تمثل جمهورا محددا إلى التصرف بشكل متناقض مع رغبات جماهيرها للحفاظ على الإنتظام المرجعي للدولة الذي وحده يسمح لجنرال رافض لها بمحاكمة شاعر من كبار المدافعين عنها والمتحمسين لها.
هنا تقع المفارقة التي لا يجد الجنرال حلاً لها. فهو يعلم أن مهاجمته على صفحات الجرائد ليست إلا الحد الأدنى من المواجهة في ظل الحرب المفتوحة الآن بين الموالاة والمعارضة والتي باتت ترتدي في كل يوم طابعا أكثر راديكالية. لذا فإن مبادرته إلى رفع الدعوى يمكن أن تُقرأ على أنها مراجعة للحسابات بل قد تبدو نوعا من التعقل مقارنةً بتصرفاته السابقة.
الدعوى القانونية طريقة سليمة وسلمية لحل النزاعات، لكن المشكلة فيها ان الطرف المدّعي هو الجنرال عون وليس أيّ سياسي آخر. المشكلة تقع في أن طبيعتها اللغوية تجعل الجنرال خاسرا مطلقا بشكل مسبق، كون تراثه اللغوي وما أسسه ورسخه في ذاكرة الناس هو معجم للشتائم والإهانات أصبح مرجعا للباحثين في هذا المجال.
لا يمكن قراءة السجال بين الجنرال والشاعر إلا بإحالته على الخطاب العلوي الذي سيطر على عقلية الجنرال منذ فترة والذي لا تكون اللغة فيه ممكنة إلا إذا كانت اقتباسا صريحا من كلامه او مستوحاة من أفكاره ومواقفه. هكذا لا يكون عمل الشاعر بالنسبة الى الجنرال واقعا في اللغة بل هو خارجها تماما، ولا بد من عقاب مؤلم وقاس حتى يتعلمها. أليس غريبا أن تكون المعارضة دائما صاحبة اللغة في حين أن الجميع محرومون من هذه النعمة؟ ألم تتهم هذه المعارضة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بجهله لقواعد اللغة، لذا دعته إلى تعلمها وإتقان قواعدها قبل الدخول في الملف اللبناني؟
حصة الجنرال من هذه اللعبة كبيرة. فهو سفير المعارضة إلى الإلتباس وأمينها العام للإبهام. أشك في أن يوجد سياسي في العالم يقول لصحافي إن سؤاله غلط وأن عليه تصحيحه، كما أشك في أن يكون هناك تيار كتيار الجنرال يعاني دائما من سوء الفهم.
يسعى الجنرال ومن معه إلى السيطرة على اللغة بغية تعطيلها وجعلها مادة للخاص بدل أن تكون مادة للعام.
تمثّل اللغة بنية المشترك، لذا حين يتم تصعيدها ودفعها إلى مكان لا تحتمله، فإنها ستكون حتما مهددة بالذوبان. لا يهتم الجنرال كثيرا بموضوع اللغة الذائبة، بل ربما يأمل أن يرسم بخرائطها العويصة طريقه إلى الكرسي الذي يقول لسان حاله للجنرال “لست وحدك حبيبها” (المقصود هنا حبيبه، أي حبيب الكرسي).
تحتاج يا جنرال الى المصالحة مع اللغة ومع الشعراء حتى ينظر إليك الكرسي. فالكرسي، بدوره، يحتاج إلى مدّاحين توافقيين حتى يهبهم نفسه. يحتاج إلى من يغازله بما يفهم. وبما أن لا أحد يفهمك في لبنان والمنطقة سوى إيران وسوريا، فإن من حقك أن تطالب بأن تكون المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية وبأن تأخذ معك السبعين في المئة من المسيحيين اللبنانيين الذين تدّعي ولاءهم لك، لتقيم جمهورية الالتباس في جغرافيا لغوية وثقافية أخرى لا نفهمها لا نحن ولا بول شاوول.
هكذا ستكون واضحا يا جنرال.

البوليس يمد أطيافه من إيران إلى لبنان

نستطيع الآن أن نبدأ بفهم ما الذي كان المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية يقصده حين قال إنه سينتصر على الشيطان الأكبر في لبنان. كان قرار منع فيلم “برسيبوليس” الذي تنتقد فيه المخرجة مرجان ساترابي الثورة الإسلامية، والذي صدر عن جنرال يدين بالولاء لـ”حزب الله” من علامات هذا الإنتصار وفق المفهوم الإيراني. الفيلم كان عُرض في إيران بعدما أعملت فيه الرقابة مقصّها وبعدما أبدى الرئيس الإيراني أحمدي نجاد استياءه منه، وقد قامت جمعيات سينمائية إيرانية عدة بتنظيم عروض متكررة للفيلم في الكثير من المدن الإيرانية. استقبلت السوق الإيرانية مباشرة أكثر من مئة ألف نسخة من الفيلم، على ما يؤكد الناقد السينمائي إبرهيم العريس في معلومات خاصة له، مشدداً على أن مسألة المنع تبدو ساذجة ومستحيلة في ظل وجود الشبكة العالمية للأنترنت وغيرها من وسائل نقل المعلومات القادرة دوما على التفوق على كل رقابة واختراقها.
ما يقودنا إليه هذا العرض في علاقته بمفهوم الإنتصار الذي يجب تحقيقه في المجال الجغرافي والثقافي اللبناني، هو أن الإنتصار قد تحقق بجعلنا نسخة أقل جودة من النسخة الأصلية بأشواط، وخصوصاً في موضوع الحريات، ما يجعل التفوق الإيراني علينا تفوقا مطلقا كونه يقوم على الأسس الذي نختلف فيها معه.
يقول خطاب المنع اللبناني في تناقضه مع واقع عرض الفيلم في إيران، إن اللبنانيين يجب أن يتبعوا إيران ليس من خلال دورها كدولة فاعلة وقوية في المنطقة ولكن لأنها دولة الحريات أيضا، وهو الموضوع الذي يدرجنا قرار المنع الأخير (تم الرجوع عنه بعد تدخل وزير الثقافة طارق متري) في آخر درجة في سلّم التصنيف الخاص بقياس درجته.
الأمر الآخر هو النجاح في جعل العسكر يقول كلمته في شأن يتعلق بالثقافة. فلم نسمع كلام المثقفين والصحافيين والسينمائيين إلا في صدد التعليق على خطاب المنع. هكذا يتحول هذا الخطاب إلى خطاب سلطة متعسكرة، ويتحول كل خطاب آخر إلى خطاب احتجاج، وفي احسن الأحوال إلى خطاب من الدرجة الثانية، لا يستطيع التكون والبروز إلا من خلال علاقته بخطاب المنع ولو كانت هذه العلاقة علاقة رفض.
يدير المنع الخطاب الرافض له ويمنحه حدوده ويسمح له بالإقامة في ضواحيه، لأنه وإن أكثر من الكلام فهو بلا لسان. المثقفون بلا لسان. الدولة هي ما يمنح المثقفين لسانهم، وهم بدورهم من يرسم للدولة حدود سلطتها. لذا يكون الإختراق المتحقق بواسطة المنع مضاعفا كونه يصيب المثقفين والدولة ويجعل من كليهما كائنا بلا لسان.
لقد سمح الرقيب لنفسه بمصادرة اللسان العام الذي هو الدستور الذي ينص على أن المنع يجب أن يكون لأسباب معينة جد محدودة من قبيل الإساءة إلى هيبة الدولة والترويج الإعلامي للعدو الصهيوني وإثارة الفتن الطائفية والمذهبية.
ألغى الرقيب دستورنا، أي كلامنا المُجمَع عليه، وذهب إلى جغرافيا أخرى ليستعير منها دستورا ربما تكون تهمة الإساءة إلى هيبة الدولة قائمة بالنسبة اليه. لكنها قطعا ليست قائمة بالنسبة الينا هنا في الفيلم، ولكن في سلوك الرقيب الذي يتصرف، وهو الموظف الرسمي الذي يستمد سلطاته من الدولة الللبنانية وكأنه سفير دولة أخرى لا يجمع اللبنانيون على وصفها بالصديقة.

الترميز المطلق ضد القمع المطلق

اختارت ماريان ساترابي اللجوء إلى الرسوم المتحركة لرواية سيرتها وسيرة أسرتها والتحولات التي طرأت على حياتها منذ فترة حكم الشاه وصولا إلى الثورة الإسلامية التي لا تزال البلاد تُحكم بموجبها حتى الآن. يسيطر الأسود والأبيض على الفيلم ولا تظهر الألوان إلا في مشاهد قليلة.
ما يمكن قوله في هذا الصدد هو ان اختيار الرسوم المتحركة جعل من هذه الشخصيات التي تظهر في الفيلم تبدو وكأنها شخصيات متجاوزة للزمان والمكان وقادرة أن تكنّي عن أثر القمع وطبيعته بلا حدود.
لو كان الفيلم مشغولا بطريقة أخرى، غير تقنية الرسوم المتحركة، وكان فيلما عاديا يقوم بأداء الأدوار فيه ممثلون عاديون، لكان الأمر اختلف إلى حد كبير، ولكانت بنية الترميز خسرت الكثير من قدرتها. مهما يكن الممثلون بارعين فهم محاصرون بوجوههم وأجسامهم التي تملك قدرات محدودة وتحيل على منطقة معينة من العالم وعلى مدرسة معينة من التمثيل.
الرسوم المتحركة تجعل الصفة المطلوبة هي البطل وليس الممثل. فلا ممثلون فعليا فيه ولكن هناك صفات لها رسم ما نعرف أنه جامد في الأساس، ولكن السرعة الكبيرة التي يتحرك بها تسبق عيوننا فتهبه سيرة وحركة.
المحجبة في الفيلم لا تعود إذاً ممثلة ترتدي الحجاب في هذه اللحظة، ثم قد نراها بلا حجاب في الشارع أو في مقابلة صحافية أو في فيلم آخر. المحجبة في فيلم الرسوم المتحركة تكون محجبة دوما وستبقى هكذا، وبذلك تكون قادرة على التحول من محجبة ما إلى قضية الحجاب.
شخصية الرسوم المتحركة لا تكون مجرد وسيلة لإثارة النقاش بل تكون النقاش نفسه مدفوعا إلى أقصى الحدود. العالم الشيوعي الذي ساند الثورة معتقدا أنها ستكون الجسر الذي ينقل إيران من قمع الشاه إلى الحرية ثم نراه يسجن ويعدم، هو نموذج مطلق للثائر الرومنطيقي الخائب. المعلّمة التي تشرح فوائد الثورة مهملةً حشد الوقائع التي تقول إن عدد المسجونين في قضايا سياسية وأمنية قد تجاوز ما كان الوضع عليه أيام الشاه، هي ترميز مطلق للموظفين الذين تقوم مهمتهم على حراسة النظام.
مرجان المراهقة التي تشتري اسطوانة لفريق الـ”بي. جيز” من السوق السوداء، تبدو كمن يرتكب إثما مطلقا. تصور في مشهد آخر التحولات الجسدية التي تطرأ على جسدها بطريقة بصرية تبرز التضخم الجسدي، مما يمكن تفسيره على انه ترميز لتضخم قمع الرغبات الذي ساد في فترة الثورة حيث أوكل الى الشرطة مراقبة شؤون الأخلاق العامة والتأكد من ارتداء النساء الحجاب بشكل صحيح.
لذا يرينا الفيلم في إحدى اللقطات ملامح نسائية متنوعة تعود الى مجموعة من النساء وقد ذابت في واحدية الحجاب حتى بات تمييز بعضها عن البعض الآخر مستحيلا. أخيراً تفرض الثورة السفر ومغادرة البلاد بما يعنيه ذلك من انسلاخ المرء عن أصوله وبيئته. فحين يتحول الوطن إلى منفى، يصبح المنفى أقلّ قسوةً مهما يكن غريبا.
نجاح ساترابي في نقل هذا المحتوى الضخم والجدي في فيلم للرسوم المتحركة ينطوي على قدر كبير من الإبداع والقدرة على دمج الخفة الساخرة للرسوم المتحركة مع تجهم الموضوع القائم على نقد سلطتين تعاقبتا على تسلّم زمام الحكم في إيران بعناوين مختلفة، من دون ان يؤدي ذلك إلى تطور المجتمع والتخلص من سطوة القمع، حيث أن هذا القمع هو الذي كان يتطور دوما وصعوداً.
ترصد ساترابي القمع في تحوله إلى سلطة مطلقة من خلال فكرة الولاية المطلقة للولي الفقيه وتسعى إلى مواجهته بترميز مطلق يلجأ الى الخفة الكامنة في تركيب الرسوم المتحركة للتخفف من ثقل القمع وسطوته.
يبقى أن نقول إن المراقبة تدفع إلى المبالغة. لذا كان جنرال الأمن العام الذي قال بالمنع أسير نظرة مراقبة قاسية تأتي من بلاد الفقيه لتمارس نفوذها هنا في لبنان. لم يكن هذا الجنرال إلا ضحية ضرورة المبالغة التي تدفع إلى تضخيم التصرفات وردود الأفعال لتكون منسجمة مع الواقع السويّ كما تفترضه العين الراصدة.
بيّنت دراسة أجريت حديثا أن الناس الخاضعين للمراقبة لا يتصرفون البتة بشكل طبيعي وعادي بل هم يميلون إلى المبالغة والى التصرف بالشكل الذي يعتقدون أنه يناسب سلطة المراقبة، سواء أكانت رمزية أم فعلية.
عمد باحثون إلى وضع كأسين تحتويان على مظروفين، واحد للشاي وآخر للبن، وكانت الأولى خالية من الرسوم أما الثانية فقد طبعت على غلافها الخارجي صورة كبيرة لعينين تراقبان. وضع الباحثون تعرفة معينة لقاء الحصول على الشاي والقهوة. لاحظوا بعد ذلك أن الذين أخذوا مظروفا من الكأس الأولى دفعوا التعرفة كما هي دون زيادة أما الذين أخذوا من الكأس الثانية فقد دفعوا مبالغ أكبر تصل أحيانا إلى ضعف المبلغ المطلوب.
نسوق هذه التجربة لنبيّن العلاقة الجدلية التي تربط بين المراقبة والمبالغة. هكذا لا يكون فيلم “برسيبوليس” كما يصفه لنا الجنرال المراقب قادرا على أن يكون فيلما يروي قصة التحولات التي عاشتها فتاة وأسرتها بين عهدين، بل يكون شيئا كارثيا وهداما.
يريد منا الرقيب أن نرى الفيلم من داخل المبالغة لكي لا نراه البتة. من هنا كان ذلك الكلام الهادئ الذي قاله وزير الثقافة طارق متري أكثر من ضروري، وكان ذلك القرار المتخذ بعرض الفيلم عملا فوق الشجاعة.
لقد سمح هذان الموقفان بالنظر إلى الفيلم في حدوده الطبيعية من دون مبالغة، وبذلك استعدنا عيوننا وبتنا قادرين ان نرى أن للبلاد حدودا خاصة وهوية خاصة لا يرسمها الغرباء.
جمهور الولاية المطلقة للفقيه لن يشاهد الفيلم أساسا وكان من الممكن الإيعاز اليه بأن هذا الفيلم مدرج على اللائحة السوداء الإيرانية حتى يقاطعه تماما. لماذا إذاً لا يريد الرقيب أن يشاهده الآخرون الذين هم على خلاف حاد مع هذا الجمهور؟ لن يزيد فيلم أو مقال شيئا على شدته لأن خطوط الإتصال مقطوعة أساسا. يا أسفاً.
ليس في لبنان الآن خطاب ثقافي للعموم. كل ما نشاهده هو نشرات داخلية، ولقد كان الفيلم قادرا على إثارة نقاش في الثقافة وبواسطة اللغة لكنه عاد وأُدرج قسراً في سياق يجمعه مع أفلام البورنو والدعارة. لذلك نرى أن قرار المنع حتى ولو كُسر، قد نجح في منع النقاش وسلب القيمة الفنية التقنية التي يُجمع على جودتها العالية كل من يشاهد الفيلم، لتحويله إلى بضاعة رديئة من بضائع التجاذب اللبناني بين الموالاة والمعارضة. من هنا يكون قرار السماح بعرضه قرارا يسمو فوق هذا الصراع وينتصر للثقافة. لقد استطاع وزير الثقافة الخروج من ولائه السياسي ليكون حارسا للثقافة، ومثله فعل وزير الداخلية ليكون حارساً للحرية العامة، بما جعل الموضوع يخرج من حدود السجال بين الموالاة والمعارضة ليكون موضوعا خاصا بالثقافة والحرية وبالشكل الذي تنتظم فيه صورة البلاد ¶

>