بينوكيو حفّار القبور

جورج نصر
شهادتنا

 

يحكى أنه في قديم الزمان، كان هنالك نجار عجوز، بلغ من العمرعتياً ولم يرزقه الله بولدٍ ذكر يعلمه سرَ مهنته فيسعد قلبه ويرتاح إلى أن مهنته لن تضيع.

نجارٌ يصنع، يبتكر، يفيد ويستفيد.

نجار يطوّع الخشب، ينحته، يدوّر زواياه دونما حاجة إلى أن يدخله أي معدن.

حتى المسمار لا حاجة إليه، فهو نجارٌ يصنع ويتقن فن الخوابيرالتي تغنيه عن فن المسامير. إن أراد جمع قطعتين فعلى قاعدة العاشق والمعشوق يجمعهما خابورمدقوق. وإذا أراد شق لوح خشبي فدق اسفين في وسطه كفيل بشقه. وهيهات زمن المسامير والخوازيق عوضاً عن الخوابير.

طال الزمان بصديقنا النجار ولم يستجب الله لطلبه، فقرر أن يصنع بنفسه ولنفسه ولداً ! من خشبٍ طبعاً، وهو كفيل بتلقينه مهنة النجارة على أنواعها، أسافين وخوابير تغنيه عن المسامير، فكان بينوكيو!

بينوكيو وُلد كذّاباً دجّالاً على عكس والده العصامي. فكان كلما كذّب طال أنفه الخشبي فاضحاً أكاذيبه.

وذات يوم “سكر راسو” بينوكيو من هذا الأنف فاضح الأسرار، فكسره وخبأه في جيبه. فكان إن احتاج لخابور استعمل أنفه، كذلك لو احتاج إلى اسفين كان الأنف المكسور خير اسفين. فامتلأ جيب بينوكيو كذباً و تدجيلاً وخوابير وأسافين.

كبر بينوكيو و تبوأ أرفع المناصب، لكن دون أن يصبح حقاً نجاراً إلا اللهم في فن ” تنجير” الخوابير على شكل أنفه المكسور. وكان أكثر ما يزعجه حين تأتي إليه الجماهير ملوّحة سكرى فرحة مرددة: مين غيرك هزّ المسمار…
يغضب بينوكيو فيزمجر : مين غيرك هزّ الخابور….
فيصبّ جام غضبه على هذا الشعب الغشيم ، كيف يخلط بين الخابور والمسمار!
وبما أن أول مهمات بينوكيو، بحسب رأيه، هي تثقيف هذا الشعب الغشيم، ولأنه لا يجيد فن الرسم قرر استعمال ال “الفوتو شوب ” ليبيّن الفارق بين المسمار والخابور، وبين الخابور والخازوق.

اكتشفت الجماهير ألاعيب بينوكيو فنفرت غاضبة وابتعدت عنه.

حزن بينوكيو كيف أنه لم يُفهم وكيف أنه أراد فقط تذكيرهم بفن ” هزهزة ” المسامير. ولكي يرضي غضب الجماهير “المحمضة” – أورونجية للذين لا يفهمون عربي – قرر بينوكيو نبش كم نعش ليفسّر وبالتجربة الحية كيف يدق أسافين في النعوش، وكيف إن هو هزّ مسماراً واحداً في التابوت اختل التابوت والعهد والنظام. لعل الجماهير تهتف مرة أخرى بحياته راقصةً، على نعوشها. لا همّ، المهم أن تهتف: مين غيرك هز المسمار ….
اضطربت حال بينوكيو فانتابته حالات من الهلوسة والزمجرة.

حالات!!!

فأسرع بينوكيو إلى “حالات” يومئ بالتنقيب عن النعوش والنواويس من زمن الرومان والفينيقيين، وخيل إليه أن ثمة تباطؤاً في التنقيب، فاستل بينوكيو أنفه من جيبه وراح يحفر به فكان أن نبش الكذبة، والكذبة فقط.

غضبت الجماهير المحمضة “أورونجية”. خاب بينوكيو فقرر استبدال الخوابير بالأسافين. فراح يفتش في جيبه عن ذكريات أليمة مريرة من حقبة ولّت بما فيها وعليها، مزوّراً التاريخ، والتاريخ يزوّر مرتين ، مرة حين يُعبث بحقيقته ومرة حين يقرأ مجزوءاً، وكل هذا عبر وسيلة إعلام محمّضة “أورونجية” لعلها تعيد المجد الغابر إلى القلوب والضمائر فتصطف الجماهير مجدداً هاتفة:
” مين غيرك هز الخابور يا حضرة حفار القبور “.

والد بينوكيو وأنا نرقب من بعيد ونستغرب. أنا عندما أرى بينوكيو يخطب، وأدعوكم لأن تلحظوا معي، فهو قبل أن يكذب يتلمس أنفه، وكأني به يستجدي الكذبة لتساعده.

أما والد بينوكيو فتدمع عيناه على خطيئة ارتكبها، فيلعن الأولاد والنجارة ومن يخلّفون، فالولد العاق يجلب لأهله اللعنات.

5 thoughts on “بينوكيو حفّار القبور

  1. مسلة حلوة ،راح تنعروا بس أكيد مش راح يحس متل العادي .ما إنت قلت مصنوع من خشب ،يعني بلا إحساس أكيد .تشبيه كتير موفق وهلق صار فينا نسميه “الجنرال بينوكيو “.حلوة منك يا استاذ يا حرفي بس مش بالخوابير ،انما بلكلمه أكيد .

    Like

  2. Thumbs up!!!!
    Très bien dit M.Nasr
    الله يريحنا ويريح هل بلد بأى من هل اخوت. بما إنو بطل فيه يحلم برئاسة الجمهورية هلأ هدفو يخرب ويحرؤ البلد متل نيرون بزامانو

    Like

  3. 7eri2 albkoun ya ibil

    mankoun mitil m3alimkoun l ghechi
    ken bil daw7a w ma3ou 5abar bi chi
    natir sa3ouda chou badou ya3moul
    wil a5wat 7asal 7ou2ou2 il masi7iyi illi bi3touhoun ma3 batrakoun

    Like

  4. 7ou2ou2 el masi7ieh ya haba80 ya mastoul.
    ktir ahbal inta ta tsaddi2 hal osas killa.
    rou2 khayeh 3a wad3ak rou2.
    ken lezim n2oul eno el pinochio syara 3am bi sou2a gebran bassil el ghabeh 3al remote controle la ano min ba3d el 60 mich lezim hada y sou2 syarat ba2a.
    sorry min kill yalle fo2 el 60 bas ba3doun we3yine.
    na7nou kiddisou haza el chark wa chayatinahou w ra7 bit choufo.

    Like

  5. hayda akhwat aktar men nayroun. allah ykhalless lebnen mennou.
    Bravo pour tes articles, qui décrivent bien ce fou.

    Like

Comments are closed.