وسِّعوها الى 30 وزارة “سيادية”… وأَرِيْحُونا

هنري زغيب

عن ” جماليا “

لأن بيننا مَن لَم يؤْمن بِما به آمنتَ، ولأجله عشتَ وعملت، نتوبُ الى تقواك.

لأننا فقدنا إيماننا بالأشخاص وأعمالهم، نفتقد شخصك، ونتمثّل بأعمالك كي نشعر كم نَحن مقصّرون في عطائنا للبنان وللإنسان في لبنان.

ما زالت الواجهة تُظهِر أنّ الأمر عالقٌ أو متعلّق أو معلَّق على حقيبة.

نريد أن نكون طيّبين أو طوباويين أو ساذجين فنصدّق أنّ عنق الزجاجة متوقّف على حقيبة.

ونريد أن نصدّق أنّ الخلاف اليوم قائم على حقيبة “سيادية”، أو “رئيسية”، أو “أساسية”، أو “خدماتية”، وأنّ الخلاف الآخر قائم على رفض حقيبة “ثانوية” أو “متوسطة” أو “متواضعة”.

ونريد أن نصدّق أنّ وطناً بكامل دولته وشعبه واقتصاده ومصيره، متوقّفٌ على حقيبة، أو عند حقيبة، أو عند رفض حقيبة.

ونريد أن نصدّق أنْ ليس وراء الأكمة ما وراءها، وأنّ الظاهر ليس واجهةً لِما يُخفي، وأنّ النوايا ليست “سيّئة”، وأنْ ليس وراء الإصرار أو الرفض “ريموت كونترول” في الكواليس يُحرّك اللاعبين الظاهرين على المسرح السياسي.

ونريد أن نصدّق أنْ ليس في الأمر فواتير يسدّدها سياسيون في لبنان، أو عهوداً قطعوها، لِـها هنا أو لِـها هناك، بتنفيذ مُخطّطٍ ما، أو خطةٍ ما، أو مشروعٍ ما، في وقتٍ ما، في صيغةٍ ما.

نريد أن نصدّق. والأفضل لنا (وعيوننا مفتوحة على كل ما يَحدُث) أنْ نصدّق أنّ الأمر بِهذه البساطة الاختيارية الحقيبية، وبأن الخطابَ السياسيّ كلّه مَحصورٌ بقاموس كلمات حقيبة “سيادية”، أو “رئيسية”، أو “أساسية”، أو “خدماتية”.

ونريد أن نصدّق، مع جهابذة “بيت بو سياسة”، أن الحقائب السيادية أربع: الخارجية، الداخلية، الدفاع، المالية.

ولكننا نريد أن نسأل: فيما لبنان يَحتاج ترميماً بيئياً شبه كامل لِما يتخبّط فيه من تلوُّث ومُخالفاتٍ ومَخاطر بيئية نتيجةَ الإهمال والتجاوزات، أليست البيئة وزارة سيادية؟

ونريد أن نسأل: فيما لبنان لا بترول له ولا موادّ أولية ولا حقول نفط ولا جبال حديد أو ألْماس، وطبيعته وخدماته مؤهلة ليكون، كما كان، بلد سياحة بامتياز، سياحة آثارية وتاريخية وثقافية وطبيعية وجمالية، أليست السياحة وزارة سيادية؟

ونريد أن نسأل: فيما لبنان يشهد نَحو ثلث سكانه على مقاعد الدراسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعية والمهنية، ويشهد نُمواً تربوياً بِمئات المدارس وعشرات الجامعات، وأجياله الجديدة في حاجةٍ الى رعاية فائقة، أليست التربية وزارة سيادية؟

ونريد أن نسأل: فيما لبنان يشهد العام المقبل تظاهرة “بيروت 2009 عاصمة عالَمية للكتاب”، وهو بلد المثقفين بامتياز ووطن المبدعين في كل حقل أدبي وموسيقي وتشكيلي ومسرحي وسينمائي وإبداعي عام، أليست الثقافة حقيبة سيادية؟

نريد أن نسأل، ولا ينتهي التسآل. ونعرف أنْ ليس من مُجيب، لأنّ منطقَ بناء الوطن في أعلى القمة، ومنطقَ السياسيين في وادٍ سحيق من العَنعَنَات والتشنُّجات والشخصانيّات والتوترات وتسديد “الفاتورات”.

ذات يوم، تشكَّلَت في لبنان وزارة رباعية أدارت البلاد ولم تعترض طائفة ولم يعترض مَوْتُور. وذات يوم تشكَّلَت وزارة تكنوقراط من خبراء واختصاصيين، كلٌّ في حقل اختصاصه، ولم يعترض أحد على حقيبة “سيادية” ولم يطالب أحد بحقيبة “خدماتية”.

نريد أن نصدّق أنّ وطناً بكامل دولته وشعبه واقتصاده ومصيره متوقف على حقيبة. فيا أيها السادة المتهافتون الشخصانيون: وسِّعوا قاموسكم الى ثلاثين وزارة “سيادية”، وارتاحوا وأَرِيْحوا، قبل أن يقلب الشعب الطاولة عليكم، ويرتاحَ ويُريح.