أبعاد مقلقة للكلام الإيراني على جبهة الجنوب

إدراج لبنان ضمن ساحات الردّ قفز فوق سيادته

روزانا بومنصف
عن ” النهار “

ادرج قائد “الحرس الثوري” الايراني محمد على جعفري لبنان ضمن الساحات المحتملة للردود التي تقوم بها بلاده ردا، كما قال، على اي اعتداء ضدها. واذ عرض لمروحة طويلة من القدرات الايرانية الهائلة على ردود موجعة للولايات المتحدة الاميركية واسرائيل موجها تحذيرات الى الدول العربية المجاورة لايران، لفت الى احتمال استخدام قدرات لتنظيمات قوية تدعمها ايران. وقال في هذا الاطار باحتمال فتح جبهة جنوب لبنان في حال حصول اعتداء على ايران مبررا ذلك “بوجود روابط دينية وعقائدية مع مسلمي جنوب لبنان”. فهل حدد المسؤول الايراني الاجندة او الروزنامة الجديدة لسلاح “حزب الله” في لبنان ومبررات الاحتفاظ به تحت عنوان المقاومة حتى لو تمت استعادة مزارع شبعا والاسرى، ام انه حدد لبنان ساحة مستمرة للصراع الذي باتت تقوم به ايران متى احتاجت اليه تماما كما كانت تفعل سوريا ولا تزال من خلال الامساك بالاوراق اللبنانية وبامن لبنان واستقراره من اجل التوظيف وتحسين المواقع والاوراق؟ ام ان المسؤول الايراني يستبق ازالة الغرب الذرائع من امام بقاء سلاح الحزب في توفير مظلة اقليمية لاستمراره موجهة ليست الى اللبنانيين وحدهم بل ايضا الى الدول العربية والغربية على حد سواء بحيث تدخل علنا ايران ايضا على خط التفاوض والضمانات في شأنه، اذا لزم الامر، ولا يقتصر التفاوض على سوريا كما كان ساريا من قبل؟


ولا تستبعد مصادر ديبلوماسية غربية متابعة الرغبة الايرانية هذه باعتبار ان ايران دخلت منذ زمن غير بعيد على خط الاهتمام المباشر بالتأثير علنا وبوضوح على الحزب اكثر من سوريا، بعدما كانت الاخيرة الراعية المباشرة لوجوده ولحمايته حتى انسحابها من لبنان في نيسان 2005، خصوصا ان هذا المنطق اثبت فاعليته في انتاج نتائج ايجابية بالنسبة الى هذا الفريق ليس اقله ما يحتمل ان يجري في ملف تبادل الاسرى مع اسرائيل في ضوء الكلفة الباهظة لحرب تموز 2006، في حين ان المكسب يحتسب في خانة الحزب من حيث التفاوض بينه وبين اسرائيل وان على نحو غير مباشر من دون ان تحتاج اسرائيل الى المرور باي شكل عبر الحكومة اللبنانية.

هذا الكلام الايراني يكتسب طابعا خطيرا لانه يقفز فوق سيادة لبنان واحترام وجود الدولة وكيانها من اجل ان تستخدم ايران لبنان او جنوبه، علما ان الاثنين لا ينفصلان بحسب ما اظهرت كل الحروب مع اسرائيل وآخرها حرب تموز 2006 وما تسببت به من قتلى ودمار على لبنان الذي تحول، ساحة مواجهة للردود على اعتداء محتمل عليها. ومن هذه الزاوية يستحق الكلام الايراني ردودا رسمية ترفض اعتبار لبنان ساحة لمواجهة اي دولة ايا يكن موقعها صديقة او قريبة، واستباحة ارضه ومواطنيه لمصالحها الخاصة المباشرة، بصرف النظر عن الموقف من دعم حق اي دولة في المنطقة في ملف نووي خاص بها يصل الى الحدود التي تتمتع بها اسرائيل او سواها او عدم دعم هذا الحق. فهذه ليست هي نقطة الخلاف، بل موضوع جعل لبنان ساحة مواجهة لملفات جديدة تضاف الى ملف الارض العربية المحتلة كما جرى طيلة عقود، علما انه نال كفايته من ذلك واكثر.

والكلام خطير لكونه يضع مهمة لسلاح الحزب لا تقع في اطار مصلحة لبنان بل في مصلحة ايران، وهو امر قد لا يكون مشكلة للحزب خصوصا ان الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله اعلن في اخر موقف علني له انتماء صريحا الى ولاية الفقيه وما يمكن ان يعنيه ذلك من ترجمة علنية بل هي مشكلة لكل المؤسسات والمراجع اللبنانية، فضلا عن الافرقاء السياسيين بمن فيهم حلفاء الحزب من المسيحيين الذين تماهوا مع الحزب وسياسته الى درجة استحضار العداء للولايات المتحدة الاميركية من اجل تعزيز موقعهم، وهم يحاولون استنفار عصبية مسيحية لم تكن يوما ضد الغرب لدى اي تحرك او زيارة يقوم بها مسؤول اميركي او غربي للبنان او لمسؤوليه تحت عنوان دعائي وتوظيفي هو الاعتراض على التدخل الاميركي المفترض في تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية، في حين يتجاهلون كلاما لمسؤول ايراني من هذا النوع. وهذه المسألة الاخيرة تطرح اشكالية مهمة لا مجال لدخولهما في هذا الاطار، انما تثير تساؤلات هي محط متابعة من الكثير من المهتمين والدارسين من الخارج تتناول التحديات التي باتت تواجه المسيحيين في لبنان بين الخيارات الاقليمية التي تتنازع لبنان وتتخذه ساحة لتصفية حساباتها واثر هذه الخيارات على مصير المسيحيين ومستقبل وجودهم في هذه المنطقة.

وبعضــهم يــرى ان هذا الكــلام الايــراني لا يصــب في مصلحة “حزب الله” ولا في مصلحة الطائفة الشـــيـــعية من خــلال تحديد قائد الحرس الثوري الايراني “الروابط الدينية والعقــائدية مع مسلمي جنوب لبنان”، الصفة التي تبــرر الرد من لبنان، وهــذا امر واقع وصحيح ربما لكنه يجعــل ابنــاء الطــائفــة الشــيعيــة في الجنــوب ذراعــا لايــران في لبنان، في ظل وضع طوائفــي ومذهبــي يخوضه لبنان في هذه المرحلة، من دون اهــمــال انعكاســاتــه فــي العالم العربي ايضا.

وهذا الكلام الايراني، حتى لو اقتصر على الطابع التهديدي اذ يترجم سياسة ميدانية تنتهجها ايران منذ بعض الوقت، هو من النوع الذي بات يزيد المجتمع الدولي اقتناعا بان لبنان بات يشكل مجموعة عقد متعددة ومعقدة ايضا لمشاكل المنطقة ويتعامل معه على هذا الاساس. ومن هنا صعوبة ما يواجهه لبنان راهنا وما قد يستمر في مواجهته في المستقبل القريب على الاقل.

rosana.boumounsef@annahar.com.lb