ولاية الفقيه


منصور بو داغر
عن موقع Now Lebanon

في منتصف أيّار 2006 طرح على طاولة الحوار الوطني التي دعا إليها ورعاها رئيس المجلس النيابي نبيه برّي البند الاخير من جدول أعمال المتحاورين وهو سلاح “حزب الله”. في 12 تمّوز 2006 خاض “حزب الله” 33 يوماً من المعارك الضارية مع الجيش الاسرائيلي، أُقفل بعدها أيّ حديث في موضوع السلاح. وسبب ذلك أنّ طرح هذه المسألة تمّ في المكان الخطأ والزمان الخطأ مع الشخص الخطأ، وفي ما يلي شرحه.

في كانون الثاني من العام 1979 وبعد تظاهرات طلاّبيّة كبيرة وفرض الحكم العرفي وسقوط مئات القتلى في ساحة جاله في طهران بما أصبح يُعرف “الجمعة الاسود”، غادر شاه إيران البلاد تاركاً وراءه حكومة غير عسكريّة يرأسها الدكتور شهبور بختيار. في شباط من العام نفسه عاد الإمام الخميني إلى إيران بعد أن كان قد نُفي منها العام 1964. في آذار من العام 1979 أجرى الإمام الخميني استفتاء شعبياً على مشروع دستور إسلامي جديد للجمهوريّة الإيرانيّة فكانت النتيجة 20 مليون و288 ألفاً و21 صوتاً موافقاً و140 ألفاً و966 صوتاً مخالفاً.
أقرّ الدستور وأعلنت في نيسان 1979 الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة.

ضمّن الإمام الخميني هذا الدستور نظريّته المتقدّمة عن سابقاتها والمتعلّقة بولاية الفقيه. فأصبح لإيران وللأمّة الإسلاميّة أو حتى للمسلمين (عملياً الشيعة منهم) أينما وجدوا مرجعاً دينياً يبتّ في حياتهم الخاصة والعامة، وهو ما كان الخليفة السني من الأمويين وحتى العثمانيين يقوم به سابقاً.

وقد نصّ الدستور الإيراني في مادته الخامسة على أنّه “في زمن غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعإلى فرجه) تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهوريّة إيران الإسلاميّة بيد الفقيه العادل، المتّقي،‌ البصير بأمور العصر،‌ الشجاع القادر على الإدارة والتدبير وذلك وفقاً للمادة 107”. وجاء في المادة 107 “بعد المرجع المعظّم والقائد الكبير للثورة الإسلاميّة العالميّة ومؤسّس جمهوريّة إيران الإسلامية سماحة ‌آية ‌الله العظمى الإمام الخميني (قدس سره) الذي اعترفت الأكثرية الساحقة للناس بمرجعيّته وقيادته، ‌توكل مهمّة تعيين القائد إلى الخبراء المنتخبين من الجامعين للشرائط المذكورة في المادتين الخامسة، والتاسعة بعد المئة‌، ومتى ما شخّصوا فرداً منه باعتباره الأعلم بالأحكام والموضوعات الفقهيّة، أو المسائل السياسيّة والاجتماعيّة، أو حيازته تأييد الرأي العام، أو تمتّعه بشكل بارز بإحدى الصفات المذكورة في المادة التاسعة‌ بعد المئة انتخبوه للقيادة، وإلا فإنّهم ينتخبون أحدهم ويعلنونه قائداً، ويتمتّع القائد المنتخب بولاية الأمر ويتحمل كل المسؤوليات الناشئة عن ذلك. ويتساوى القائد مع كل أفراد البلاد أمام القانون”.

ونصّت المادة 109 على أنّ “الشروط اللازم توفّرها في القائد وصفاته هي:

1- الكفاءة العلميّة اللازمة للإفتاء‌ في مختلف أبواب الفقه.

2- العدالة والتقوى اللازمتان لقيادة الأمّة الإسلاميّة.

3- الرؤية السياسيّة الصحيحة، والكفاءة الاجتماعيّة والإداريّة، والتدبير والشجاعة، ‌والقدرة الكافية للقيادة. وعند تعدد من تتوفّر فيهم الشروط المذكورة يفضّل من كان منهم حائزاً على رؤية فقهيّة وسياسيّة أقوى من غيره”.

في جميع الاحوال أصبح في إيران سلطات دستوريّة منتخبة من الشعب على رأسها “القائد” أو “ولي الأمر وإمام الأمّة” أو كما اعتاد الإعلام تسميته القائد أو المرشد الأعلى للجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة وهي عملياً ترمز كلّها إلى الولي الفقيه؛ فما هو مفهوم ومعنى هذه القاعدة الشرعيّة؟

“الرسول صلّى الله عليه وسلّم هو المبلّغ للشريعة المقدّسة والأمين على تنفيذها وتحديد مسار الأمّة في هذا الاتّجاه وقد تمّ الوحي به، ويأتي من بعده الأئمّة المعصومون عليهم السلام… . وفي غياب المعصوم تحتاج الأمّة إلى أمرين: معرفة التكليف المطلوب منها وتطبيق الشريعة في الحياة الخاصة والعامة”… “إنّ ولاية الفقيه تمثّل الاستمراريّة لولاية النبي والأئمّة في الدور المناط بها، ولا يعني هذا أنّ الولي كالنبي أو الإمام … إنّ الولي هو نائب الإمام أو يقوم مقامه في المهام المطلوبة من القيادة الشرعيّة للأمّة” … “من الواضح حجم الصلاحيّات المنوطة بالولي الفقيه، فهو أمين على تطبيق الاحكام الإسلاميّة والسهر على النظام الإسلامي، واتّخاذ القرارات السياسيّة الكبرى التي ترتبط بمصالح الأمّة، وهو الذي يملك صلاحيّة قرار الحرب أو السلم، ويتحمّل مسؤوليّة أمن الناس وأموالهم وأعراضهم في تحديد الأحكام العامة الواجب اتباعها ومراقبة تنفيذها، ويتصرّف بالأموال الشرعيّة من زكاة وخمس وغيرهما، ويحدّد ضوابط الدولة الإسلاميّة حال قيامها لتكون ملتزمة بالأحكام الشرعيّة ومراعية لمصالح رعاياها بما ينسجم مع الإسلام”. “لا علاقة لموطن الولي الفقيه بسلطته، كما لا علاقة لموطن المرجع بمرجعيّته. فقد يكون عراقياً أو إيرانياً أو لبنانياً أو كويتياً… فالارتباط بالولاية تكليف والتزام يشمل جميع المكلّفين، حتى عندما يعودون إلى مرجع آخر في التقليد، لأنّ الأمريّة في المسيرة الإسلاميّة العامة للولي الفقيه المتصدي. ولا خشية من التعارض مع عيش المكلّفين في البلدان المختلفة، فالحدود التي يضعها الولي الفقيه تأخذ بعين الاعتبار مسألتين: الأولى: تطبيق الأحكام الشرعيّة وعدم القيام بما يخالفها. الثانية: الظروف الموضوعيّة والخصوصيّات لكل جماعة أو بلد، والتي تؤثّر على دائرة التكليف ومساحة الاهتمام. إنّ التزام حزب الله بولاية الفقيه حلقة من هذه السلسلة…”. بهذه المقاطع المقتبسة من كتابه “حزب الله المنهج..التجربة..المستقبل” يشرح نائب أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم ولاية الفقيه.

لكن من المعلوم أنّ الفقهاء انقسموا حول مدى ولاية الفقيه، فنشأت نظريّتان. تنادي الأولى بالولاية النسبيّة للفقيه أي بالولاية المرتبطة بالحسبة أو بالأحوال الشخصيّة وإدارة الأوقاف العامة وتالياً لا علاقة لهذه الولاية بالولاية السياسيّة “بل هي بعيدة كل البعد عن عالم السياسة والسلطة والحكم” على ما يؤكّد عليه مفتي صور وجبل عامل السيّد علي الامين في غير حديث وموقف ومؤلّف له في هذا الموضوع؛ أو كما يروي عن هذه النظريّة أحد العلماء الشيعة بأنّه في فترة غيبة الإمام المهدي فإنّ الفقيه يُتابع فقط الامور العباديّة كالصلاة والصوم والحج والخُمس والزكاة وما إلى ذلك. أما النظريّة الثانية فتقول بالولاية العامة للفقيه وهي المطبّقة في إيران وتشمل على ما يؤكّد الشيخ قاسم القرارات السياسيّة الكبرى وتحمّل مسؤوليّة أمن الناس وأموالهم وأعراضهم. أو كما يرى أحد العلماء أيضا تشمل هذه الولاية الدماء وإدارة الحكم والبلاد والجهاد مع وجود اختلاف حول الجهاد الهجومي والدفاعي. وفي ذلك يرد السيّد علي الامين بأنّ في ذلك تمّ تجاوز “حدود الولاية المعروفة والثابتة في الأحوال الشخصيّة إلى التصرّف في الدماء والأموال، وهي تصرّفات تعتبر… من صلاحيّات النبي والإمام المعصوم أو المأذون من قبلهما، فالسعي إلى إزهاق النفوس وإتلاف الأموال ومصادرتها في عصر غيبة الإمام يحتاج إلى المبرر الشرعي المستند إلى أدلة شرعيّة من الكتاب والسنّة”. ويضيف “قد قفزت هذه المسألة العلميّة الفقهيّة إلى واجهة البحث السياسي، خارج الأجواء الفقهيّة المعهودة، بعد وصول الإمام الخميني إلى سدّة الحكم في إيران، باعتباره فقيهاً ومرجعاً دينياً”.

وفي مسألة حصريّة الولاية يرى السيّد علي الامين أنّ “اليوم يتم حصر الولاية بفقيه معيّن بينما تكون الولاية لكل من بلغ مرحلة الاجتهاد في الشريعة، وتبدلت استخدامات هذه الولاية فأصبحت تُستخدم من أجل حصر السلطة بيد فرد، فاتّسع مضمونها السياسي على حساب مضمونها الفقهي”. أما في رأي أحد العلماء فإنّ جميع الفقهاء مجمعون على أنّه إذا وجد فقيه مجتهد تمكّن من بسط سلطته على الارض وأصبح لديه حكم وسلطة وإدارة كما حصل مع الإمام الخميني فعليهم إن لم يُطيعوه أن لا يخالفوه. وبذلك يُصبح له ولاية مطلقة يأتمر بها الناس.

كما يرد السيّد الأمين على مسألة الامتداد المكاني لولاية الفقيه فيقول “وفي مختلف الحالات، وعلى جميع التقديرات، فإنّ ولاية الفقيه ليست ولاية عابرة للحدود والشعوب والمجتمعات التي لا علاقة للفقيه الحاكم بها، لأنّه لو جاز لهذا الفقيه أن يتدخّل في قوانين وأنظمة المجتمعات الأخرى لجاز لفقيه آخر من تلك المجتمعات وصل إلى السلطة فيها أن يتدخّل في سلطة هذا الفقيه، وحينئذ يقع الهرج والمرج ويحصل الخلل في نظام العلاقات…”. وفي الاطار نفسه يقول رئيس “مؤسسة الإمام شمس الدين للحوار” إبراهيم شمس الدين إنّ “حدود ولاية الفقيه كسلطة سياسيّة هي حدود إيران فقط، ومحاولة نشر السلطة خارج إيران يصبح تعديًا” ويؤكّد أنّ “مسألة ولاية الفقيه ليست عقيديّة أي لا تدخل في صلب الدين، والدين الإسلامي يستقيم بدونها والتشيّع صحيح بدونها” ويعتبر أنّ صيغة الحكم هذه لا يخضع لها ولمفاعيلها ولا يلزم بها إلا من اختارها كصيغة حكم له أي الإيرانيون فقط.

وانطلاقاً من مسألة الامتداد المكاني لولاية الفقيه نكمل ما قاله الشيخ نعيم قاسم عن التزام “حزب الله” في لبنان بها: “إنّه عمل في دائرة الإسلام وتطبيق أحكامه، وهو سلوك في إطار التوجّهات والقواعد التي رسمها الولي الفقيه…” أما متابعة التفاصيل والجزئيّات في العمل السياسي اليومي كما والجهاد ضدّ المحتل الاسرائيلي بتفاصيله فهي “من مسؤوليّة القيادة المنتخبة من كوادر الحزب … والتي تتمثّل بالشورى التي يرأسها الأمين العام، والتي تحصل على شرعيّتها من الفقيه…”. ويضيف: “ولا حاجة لمتابعة يوميّة من الولي الفقيه، فإذا واجهت قيادة الحزب قضايا كبرى تشكّل منعطفاً في الأداء، أو تؤثّر على قاعدة من قواعد العمل، أو تعتبر مفصلاً رئيساً، أو تتطلّب معرفة الحكم الشرعي فيها، عندها تُبادر إلى السؤال أو أخذ الإذن لإضفاء الشرعيّة على الفعل أو عدمه”. وفي ذلك ينقل أحد العلماء عن مسؤولين في “حزب الله” تأكيدهم أنّ الولي الفقيه قد فوض لهم كامل الصلاحيّات في الشأن اللبناني وأنّه لا يتدخّل حتى في العموميّات، وأنّ ذلك ينسحب على الدماء (أي يضفي تبريراً شرعياً على العمليّات الاستشهاديّة) كما على سلاح “حزب الله”.

إلا أنّه وحتى لو سلّمنا جدلاً بوجود تفويض كامل لـ”حزب الله” لتدبير شؤونه في لبنان، فعندما يصدر عن الإمام الخامنئي تصريح مفاده أنّ “إسرائيل وأميركا ستهزمان في لبنان”، فستكون النتيجة الحتميّة والمباشرة لهذا الأمر عدم المسّ بسلاح “حزب الله”.

وعلى الرغم من اعتبار الشيخ قاسم أنّ التزام الحزب هذا لا يعتبر عملاً سلبياً، “إلا إذا سبّب تبعيّة معطّلة للاختيار الحر، أو عمالة واضحة في خدمة أهداف الأعداء” فإنّ جوهر المسألة يقوم على تبعيّة الحزب والتزامه بالولاية. وكون الولي الفقيه اليوم هو الإمام علي الخامنئي في إيران فتكون هذه التبعيّة وهذا الالتزام لجهة أو حتى لدولة خارجيّة. فالولي الفقيه هو قائد الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة وهو يتقدّم على السلطات الدستوريّة الاخرى فيها. ويوم وقع الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين في إيران في عهد رئاسة السيّد محمّد خاتمي للجمهوريّة وهو من الإصلاحيين، قال الأمين العام لـ”حزب الله” السيّد حسن نصرالله إنّ الحزب في أيّ صراع أو انقسام في إيران ملتزم تماما جهة الولي الفقيه الإمام الخامنئي وهو مؤيّد للمحافظين.

وبالنسبة لقبول هذه الولاية اختياراً ممن هو غير إيراني يقول ابراهيم شمس الدين: “إنّنا نصبح أمام تعارض من نوع آخر، أي كأن يكون للشخص نفسه عهدان أو اتفاقان عليه أن يلتزم بهما وكل منهما مناقض للآخر، وهو أمر لا يمكن أن يستقيم. فلا يُعبد الله من حيث يُعصى، أي لا يمكن أن يكون الشخص مؤمنًا وملحدًا أو أن يكون أمينًا ويتصرّف بالأمانة الموجودة عنده. لقد التزم اللبنانيون صيغة الدولة التي يشاركون وينتخبون فيها، بما في ذلك شكل الحكم، وذلك يُطبّق على “حزب الله” وغيره. فلماذا يشارك في الانتخابات ويُسجّل نفوسه ويتعامل مع القانون اللبناني ويستفيد منه… من يعتبر أنّه يخضع لسلطة في الخارج. ليس لهذا من معنى وهو يصبح نفاقًا وإعلان عصيان. فالبيعة أو الدولة كلّها لم يقبلها، ومن يُعارض صيغة الحكم ونظام الدولة في لبنان بما هو متراض عليه من الجميع يكون خارجاً على الدولة”.

في المحصّلة، ولتصحيح الخطأ الذي وقعت فيه القيادات اللبنانيّة المتحاورة، يمكن تلخيص ما سبق والتأكيد أنّ الإمام الخامنئي في إيران هو الولي الفقيه وأنّ “حزب الله” يلتزم بأحكام ولاية الفقيه وأنّ القرارات الكبرى والمفصلية يعود التقرير فيها للولي الفقيه وأنّ تسليم سلاح “حزب الله” هو من عداد هذه القرارات. ويكون الاستنتاج المنطقي الوحيد على هذا الصعيد أنّ الحوار المزمع إقامته برعاية رئيس الجمهوريّة عقب تشكيل الحكومة يجب، عند طرحه بند السلاح للمناقشة، أن يتمّ في المكان الصحيح (إيران) والزمان الصحيح (غيبة الذرائع) ومع الشخص الصحيح الإمام الخامنئي صاحب الحل والربط في هذه المسألة.