“عازبون عن الإمام عازفون على وتره”

هادي الأمين

* ملاحظة: تمت كتابة هذا المقال بعد ان أطبقت “المعارضة الوطنية ـ جداً بصواريخها على المدينة!! بعد إطباقها على أهل المدينة، و”رفيق” المدينة، وأطفال المدينة، وشيوخ المدينة، ونساء المدينة وإعلام المدينة… تمت كتابة هذا المقال بعد ان اشتهت “المعارضة الوطنية ـ جداً” بيوت المدينة.. وبيتي!! لكن المدينة، شمتت بمحتليها، بصواريخهم والسلاح، جلبت لهم” نحس “النصر”، فكانت الهزيمة!! نعم، لقد ضيّفت “المعارضة الوطنية ـ جداً” مفتاح بيتي فخوراً!! فخوراً، ليشهد هذا المفتاح على حقيقة ان هناك من هجرني ودس سم سلاحه في جروحي… ولكنني أبداً لن اضيّف أحداً سكوتي إلا على جثتي!! وسأبقى والكثرة الكاثرة مثلي، حسكاً في فم من اعتاد أكل لحم الأبرياء قطعاً صغيرة كي لا “يختنق”!!

تذكير عاجل: حدث قبل اشهر، ان ظهر “السيّد” خطيباً، وكالعادة، مجيداً تلوين خطابه بكل شيء، بألوان الأصفر والأحمر والحرب والنضال العضال والمياتم والجثث والمقابر وكل صفوف “كلية الشغب العليا”.. اذن، خطب “السيّد” فينا، خرق معابر الذاكرة، وحدثنا عن رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى الامام السيّد موسى الصدر!! ليلة الخطاب، قابلت صديقاً فسألني عن سر تحكيم الإمام، وقال: بدا “القائد” فائق العناد، كثير المكابرة، اجاد اللعب بالكلام. نعم، كان شديد التأثر بالامام المغيّب، لدرجة وصلت حدود الاصرار على السباحة عكس اتجاه تيار الحقائق التي هي حقيقة اتخذت سمة الاستقرار والترسّخ في اذهان الناس. اجبت صديقنا: شقية هي اللغة، و”السيّد” فنان في الرقص لغواً، حاد الذكاء، بارزنا على أرض له، برجل لم يكن يوماً له!! يا صديقي، أنا أحب الامام، اسير شعاراته والنصوص، رغم انف الذين “موّتوه”، ثم “ضربوه” وان علموا ان الضرب في الميت حرام!! يا صديقي، أنا أعشق الناس من اذني “والأذن تعشق قبل العين أحياناً وما سمعته من “السيّد” يستدعي وعلى عجل، تقديم شكر له، لكن على الطريقة القذافية!!!

بعد انقطاع الكلام مع صديقنا، تركته ورحلت فارشاً سواد الليل طريقاً الى مكان ما رافضاً النوم على وقع حلقة جديدة من حلقات تزوير الوجود واحراق الحقيقة التي اخذت شكل القمة في اليوم الذي ارتكبت فيه جريمة اغتيال دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري رحمة الله عليه. اذن، مساء ذلك اليوم، شعرت بان قيد الحياة بدأ يضيق، فقررت العودة للعيش على قيد الكتابة بعد انقطاع طويل، في محاولة مني للدفاع عن الحقيقة التي استهويها والمرافعة عن الامام الصدر وعصارة فكره السياسي الذي يحاول “المسمَّون” ورثته والطارئون على وراثته تغييبها وتهميشها بعد ان انتهوا من تقسيط قضيته “تقسيطاَ” انتقل بسحر ساحر قادر ـ وبدعم من المسمى نظاماً اسلامياً في ايران ـ من التمديد الى التأبيد!!

على كل حال، لنعد الى الطريق حيث الموضوع، كل الموضوع، محاولة فهم المذهب السياسي الذي اتبعه الامام المغيّب السيّد موسى الصدر. وفي الطريق، تقطيب ذاكرة بعضهم “بإبرة” المبادئ السياسية التي توصل اليها الامام قبل جريمة تغييبه، وبهذا، نذكّر “السيّد” بالامام الصدر قبل ظهوره خطيباً مرة أخرى في يوم شغب جديد، على ان نترك تذكيره بالامام الراحل المقدّس الشيخ محمد مهدي شمس الدين الى وقت لاحق، خصوصاً وأن الامام شمس الدين استدعى “السيّد” ـ المفترض ان يكون لبنانياً شيعياً ـ الى غرفة مبيته الخاصة قبل وفاته بأيام ليقرأ عليه وصاياه الى اللبنانيين الشيعة، وليته ما فعل!!

العام 1976، الشهر السادس، اليوم السادس والعشرون، عمر الامام، ما يكفي ليكون سيداً لبنانياً جريئاً مستقيماً… الامام يمقت مفهوم التحايل، يحب الكلام الواضح المستقيم، والخطوط المستقيمة وما عدا ذلك فهو كلام حامض حامض وخيار هزيل هزيل. صباح ذلك اليوم، يمسك الإمام بالحق، يرفض عبور الجنوب الى ضفة مجهولة، يرفض ممارسات وتجاوزات “المقاومة” الفلسطينية، ويرفض توصيف لبنان على أنه في حالة حرب دائمة مع اسرائيل ويجيب رداً على أسئلة صحيفة “الدستور” حول مطامع اسرائيل في احتلال الجنوب اللبناني حتى الليطاني: “هذا منطق مرفوض! إذاً اسرائيل ستحتل الجنوب لأننا نريد ذلك!! صحيح ان مطامع اسرائيل التاريخية معروفة في الدول العربية لكن ليس من واجبنا إعطاؤها المبرر العالمي… ان المشكلة هي في إطلاق الصواريخ والقنابل على اسرائيل عبر الجنوب وهذا أمر غير مسموح به على الاطلاق، فإطلاق الصواريخ والقنابل على اسرائيل لا يعد عملاً مقاوماً أو ثورياً أبداً…”، وعن كون لبنان يعيش في حالة حرب دائمة مع اسرائيل يجيب الإمام: “لا!!! نحن نعيش ضمن هدنة عقدت بيننا وبين اسرائيل حتى إشعار آخر!”.
العام 1977، الشهر الثاني، اليوم الخامس والعشرون. يتابع الإمام الامساك بالحق ويعلن بجرأة وثبات جبل، رفضه استعمال الجنوب ورقة للضغط على لبنان والعرب ويطالب بالجيش ويقول “إن على العرب أن يمارسوا الضغط على المقاومة الفلسطينية لوقف تجاوزاتها التي ستؤدي باسرائيل الى احتلال الجنوب، وان المصلحة اللبنانية وخصوصاً مصلحة الجنوبيين تقضي بأن يصار الى تحييد منطقة الجنوب، أي إبعاد المسلحين على أن تحل محلهم قوات من الجيش اللبناني وهي حاضرة ومهيأة بحيث تكفي لإعادة الأمن والاستقرار، وان الضرورة تقضي بأن يقف الزعماء المسلمون ويتصارحوا مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وأن يكون هناك كشف حساب بالأرباح والخسائر التي تحملها لبنان عموماً والجنوب خصوصاً…”.

لم تسمع “المقاومة” الفلسطينية كلام الإمام الصدر الذي راح يعلنه في كل مكان، بل سارت قدماً في مخططها الهادف الى تحرير فلسطين من جنوب لبنان، ومدينة جونية! ليل الرابع عشر من آذار لعام 1978، اجتاحت اسرائيل لبنان، وقامت باحتلال 1100 كيلومتر مربع من الأراضي اللبنانية. أدى هذا الاجتياح الى استشهاد 560 مواطناً وجرح 653 آخرين، إضافة الى تدمير قرى بأكملها…

اثر اجتياح الجنوب، برز موقف مهم للامام الصدر، موقف دان فيه بشدة احتلال الجنوب ومسببيه مشدداً على أن السلاح ليس حلاً بل الدولة اللبنانية داعياً الى صعود الجيش اللبناني الى الجنوب مهما كانت هويته السياسية. وقال “السلاح هو ليس الحل إطلاقاً بل علينا دعم الدولة ونطلب منها أن تحمينا وأنا موافق مئة في المئة على صعود الجيش اللبناني الى الجنوب مهما كانت هويته السياسية”، كما دعا الى إقامة دولة فلسطينية بغض النظر عن مساحتها قائلاً “ليس المهم إيجاد أرض تستطيع استيعاب كل الفلسطينيين، أنظر الى لبنان على سبيل المثال، هناك ما يقارب ضعف عدد سكانه يعيشون في الخارج، المهم بالنسبة لشعب من الشعوب هو تثبيت هويته فيكون عند الفلسطينيين وطن ومن الممكن أن يعيش فيه الجميع حيث سيصبحون مواطنين شرعيين فيكفون عن أن يظلوا لاجئين أبديين في نظر العالم أجمع”.

ولأن الإمام كان يدرك أن مفتاح استقرار المنطقة ولبنان هو الجنوب، تابع جولاته وصولاته والتحذير الشديد من مغبة تحويل الجنوب اللبناني ساحة صراع مفتوحة مع إسرائيل، ولذلك اتهم في تصريح له كل من يحاول جعل الجنوب ساحة صراع مع إسرائيل بأن خطته تلتقي مع الخطة الإسرائيلية!! مجيباً رداً على سؤال لمجلة روز اليوسف، “هناك عنصر آخر وهو الإدراك المغلوط لبعض جبهات الرفض الفلسطينية وبعض المتطرفين في اليسار اللبناني من أن التوتر في الجنوب يبقي القضية الفلسطينية حيّة ضاغطة على الضمير العربي ولا شك أن هذا الإدراك مع سطوة اليمين المتطرّف اللبناني يلتقيان مع الخطة الإسرائيلية!!!”.

لم يعرف الإمام أنه لن يطيل الإقامة حراً، فاختُطِف! ولكن قبل ارتكاب جريمة اختطافه سنة 1978 نطق واحدة من وصاياه الأخيرة لجريدة النهار تتعلق بالقضية والجيش قائلاً “أما اليوم فأمام هذه القضية، يبدو الوقت مناسباً جداً لانطلاق الجيش اللبناني وتسلّمه المسؤوليات وسوف يلتف الجنوبيون بجميع أبنائهم حول الجيش فيخلقون منه قوة مقدّسة حتماً وهذه أفضل وسيلة للأمان في المنطقة”.
إحتُل الجنوب مراراً وصولاً الى بيروت. عام 1982، ورداً على اجتياحات إسرائيل واعتداءاتها المتكررة، كان لا بد من اشتعال جبهة المقاومة. يومها، لبست المقاومة لبوس الشرعية، ذلك لأنها كانت تقوم بدور المحرّر من قيود الاحتلال، ولو سمع السامعون آنذاك كلام الإمام لما كان لبنان جرى اجتياحه ولا مقاومة ولا من يقاومون!!

لن “أشطح” بعيداً في شرح عمل المقاومة منذ 1982 حتى العام 2000 ـ خوفاً من الإنزلاق حيث لا يوجد في حال أي خلاف مع مدعيها الآن “عرض عضلات” فكري بل “زلزال ورعد وفجر” يأخذونني غصباً عني الى حيث لا أجيد اللعب أبداً ـ إذن، لن “أشطح” بعيداً على الرغم من وجود الكثير الكثير من الملاحظات على أداء “المقاومة” في تلك الفترة حتى من أدعياء صيانتها وحفظها اليوم!! عام 2000 إنسحبت إسرائيل من لبنان. يومها، كان من المفترض أن تستريح المقاومة من وظيفتها (كرمى عيون الإمام الصدر وحباً فيه والتزاماً بوصاياه السياسية على حدّ قول “السيّد”)، ويُعطى الجنوب محرراً للجيش الوطني اللبناني، ليأخذ على عاتقه حماية أمن الجنوبيين والحدود، وتثبيت النظام والشرعية، والنظر باتجاه مزارع شبعا، وردع العدو الاسرائيلي عند اي محاولة اعتداء على لبنان. باسم الله مُنع الجيش من دخول الجنوب، وباسم الله بدأت جوقة من شيوخ الفقيه الأعظم بتخوين كل داعٍ الى صعود الجيش، ولم يتجرأ أحد، أي أحد، على التصدّي للتصدّع الكارثي القائم بين هذا الحزب وسادته واحترام القوانين والشرعية.

أسئلة ساذجة: إن صدق من لا يتوقف أخيراً عن ثقب آذاننا بحب الإمام، أي “السيّد”، لماذا لم يُقدِم في يوم من الأيام، لا هو، ولا حزبه ولا موظفوه في المجلس الشيعي ومجلس قيادة الثورة في حركة أمل والتابعون، كل التابعين، الى تظهير أيّ من مواقف الإمام هذه، التي تدعم مشروع الدولة بوضوح لا التباس فيه، والاكتفاء بتحميل الإمام وزر أقوال ومواقف ما عاد كررها بعد اتضاح الصورة أمام عينيه؟؟ لماذا الإصرار على “تمويت” عصارة الفكر السياسي الذي توصل إليه الإمام؟؟ ثم، هل كان الإمام سيقف ليمنع صعود الجيش اللبناني الى الجنوب بعد تحريره وهو الذي بُحّ صوته من الصراخ داعياً إياه ليصعد؟؟ هل كان الإمام سيقف ليمنع صعود الدولة اللبنانية بمؤسساتها الشرعية كافة الى الجنوب اللبناني بعد انسحاب العدو الإسرائيلي وهو الذي بُحّ صوته داعياً إياها لتصعد وداعياً الناس لدعمها؟؟ هل كان الإمام الصدر سيقبل بإبقاء الجنوب اللبناني ساحة صراع مفتوحة مع إسرائيل ومخبأ لتخزين الأسلحة الإيرانية والصواريخ وحقلاً لتجربتها وهو الذي دعا الى تحييد منطقة الجنوب، أي إبعاد المسلحين على أن تحل محلهم قوات من الجيش اللبناني، متهماً كل من يحاول جعل الجنوب ساحة صراع مفتوحة مع إسرائيل بأن خطته تلتقي مع الخطة الإسرائيلية!!؟؟ وهل كان الإمام الصدر سيقبل بتشريد مئات آلاف الجنوبيين وتدمير بلده عبر افتعال حرب تموز من دون أن يندهش ومن دون أن يرفّ له جفن، وهو الذي دعا الى إجراء كشف حساب بالأرباح والخسائر التي تحمّلها لبنان عموماً والجنوب خصوصاً؟؟ وهل كان الإمام سيرضى بإعطاء نفسه حقّ تحديد سياسات الدولة، من السلم والحرب وكل متفرعاتها، الى الاقتصاد والخارجية والعمل ومقادير “شمّ الهوا”؟؟

ماذا عن احتلال بيروت والجبل، وقتل الآمنين؟؟ وماذا عن الشمال والبقاع؟؟ هل كان الإمام سيغطي بعباءته قتل الآمنين واحتلال بيوتهم؟؟ بكل الأحوال، لبيروت وخطيئة احتلالها قصة أخرى، ومقالات أخرى، وأسلوب حديث آخر مفتول بعضلات الرفض والإدانة والشماتة!! ولكن، نعم، لو كان الإمام موجوداً، لقاتل حتى انقطاع النفس دفاعاً عن مشروع الدولة. ولو كان الإمام موجوداً، لساعد الدولة على استردادنا واسترداد الجنوب ولبنان من المياتم التي بناها لنا “حزب السيّد”، واعتصم من جديد داعياً الله أن يعجّل في فرج الوطن المسلوب!!