السجناء اللبنانيون في سوريا سياسيون أولاً

علي أبو الدهن عاد من سجون سوريا على غير ما يعود المحررون الامس واليوم من سجون اسرائيل..

منال نحاس

عن موقع Now Lebanon

في 1987، قصد علي أبو الدهن سوريا للحصول على تأشيرة هجرة الى أوستراليا. فدعت الاستخبارات السورية علي أبو الدهن الى فنجان قهوة، وأوقف واعتقل 13 عاماً بتهمة مناهضة الوجود السوري في لبنان. وأفرج عنه وعن عدد من الاسرى، في كانون الاول 2000، إثر وفاة الرئيس السوري حافظ الاسد.

لم يخطر في بالي طوال 13 عاماً قضيتها في سجنَيْ تدمر وصيدنايا السوريّين أن إطلاق سراحي ممكن. فأنا محكوم بالسجن المؤبد من دون أن يصدر هذا القرار عن محكمة. وعلى رغم فقداني الامل بالخروج من السجن، كنت أتخيل أنني أمشي في شارع، وأرى الناس ينظرون إليّ، ويشيرون بيدهم قائلين: “هيدا كان سجين سياسي بسوريا”. وأتخيل، أيضاً، أن يهب الناس للقائي، وأن يرحبوا بي، ويحتفوا بخروجي من السجن، وأن يفخروا بتجربتي، وأن يقولوا أنني سجنت عوضاً عنهم كأنني افتديتهم. وأتخيل أنهم يتهامسون قائلين:” كان من الممكن أن نكون محله”. وكنت أشعر بالفخر مستعرضاً هذه الصور والمشاهد في خيالي. وفي بعض الاحيان، كدت أصدق ما أتخيله، وخلطت بين الخيال والواقع.

لدى خروجي من السجن، شعرت بخيبة أمل كبيرة. فعند الافراج عني وعن 44 أسيراً لبنانياً من السجون السورية، لم تفك قوات الامن اللبنانية القيود عن أيدينا، ومنعتنا من عيش لحظة لطالما انتظرناها، لحظة تقبيل تراب الوطن. ولم يطلق سراحنا، بل نقلنا الى مقر وزارة الدفاع حيث مكثت ليلة واحدة.
مشيت في الشارع، ولم يقترب مني الناس لإلقاء التحية عليّ باعتزاز وفخر. وبدا أن من يتوجه إليّ بالكلام يتعاطف مع معاناتي، ويسألني عن تعرضي للضرب والاعتداء. ولم يذكر احد على مسمعي القضية التي كانت وراء اعتقالي، أي معارضتي “الوجود” السوري في لبنان. ولم أُسأل عن سبب اعتقالي. وردد الناس عبارة “يا حرام.. شو ضعيف” أو “شوفو كيف بيُصفُن متل المسطول”.
في اليوم الرابع على خروجي من السجن، دعتني زوجتي وبناتي الثلاث الى الخروج في نزهة. ولكنني رفضت، وغصّت عيناي بالدموع. وقلت لعائلتي: “لا أريد أن أسمع تهامس الناس عند رؤيتي، وتفوههم بعبارات مثل يا حرام مش قادر يمشي منيح لحالو (بمفرده) من دون أن يسنده أحد من عائلته”. ولم أتوقع في اعوام سجني أن أشعر بمثل هذه الخيبة، بعد عودتي الى وطني وعائلتي.

وبعد نحو شهرين او ثلاثة، اعتدت على حالي، وبدأت أبحث عن عمل. وكدت أحصل على فرصتي في العمل. قابلت صاحبَيْ عمل في مؤسستين مختلفتين. وبدا ان الواحد منهما راض عن مؤهلاتي ومستعد لتوظيفي. ولكنهما سألاني عن مكان عملي السابق في الاعوام الاخيرة. فأعلمتهما أنني كنت سجيناً سياسياً بسوريا، إذ إني لم أشأ إخفاء الامر عن أحد. فبادر مدير التوظيف في إحدى المؤسستين الى منحي مئة دولار أميركي قائلاً “إيه مظبوط رأيناك على التلفزيون”، ثم اعتذر عن توظيفي زاعمًا أن عمري لا يناسب الوظيفة. رفضت أن آخذ المال من يده، واستنكرت عرضه المهين.
ثم طلبت من أحد معارفي أن يوفر لي فرصة عمل تسمح لي بتحصيل لقمة العيش بكرامة. فسألني عن مكان اقامتي في الاعوام الماضية. فقلت:” امضيت 13 عاماً في بلد خسرت فيه كرامتي”. لم يفهم أنني اقصد بكلامي سوريا. وعندما عرف الجهة المعنية بكلامي، سألني عن “التعتير في السجن وعن المساجين الآخرين”. ثم اعتذر مني، وقال إنه لا يستطيع تأمين وظيفة لي، في ظل وجود السوريين. وعرض أن يساعدني مالياً، ولكنني رفضت، وأجبته أن أمثاله يحتاجون الى مساعدة.
كنت في حاجة ماسة الى وظيفة تسمح لي بدخول المجتمع والاختلاط بالناس، وبتحصيل مردود مادي. وذات يوم، التقيت بجارة ربطتني بها صداقة في أيام الحرب. كانت تجلس خلف مقود سيارة قديمة، وتنتعل “جزمة” كبيرة من المطاط الاسود، فسألتني عن أخباري، وعن عملي. فأعلمتها أنني عاطل عن العمل. دعتني الى مرافقتها في مشوارها. واتجهت السيدة الى سوق الخضار على مقربة من جسر الواطي، حيث يرمي، يومياً، بائعو الخضار ما تبقى من “بضاعة”، أي البندورة والبقدونس والفاكهة والبطاطا، في مرمى نفايات. واتضح لي أن جارتي تبحث بين النفايات عن خضار صالحة للأكل، وتعود بها الى المنزل فتسدّ بها رمق أسرتها. ورأيت في مكب النفايات 3 أو 4 أشخاص يحذون حذو جارتي..

صرت أقصد هذا المكب يومياً، وأبحث عن خضار أو فاكهة بين النفايات، على وقع طنين الذباب والحشرات، وتجول الجرذان. كنت آخذ كميات كبيرة من الخضار، فعلى سبيل المثال، يرمي بائعو الخضار نحو مئتي أو ثلاثمئة رزمة بقدونس يومياً. وكنت أغسل هذه الخضار، وأوضبها في أكياس، فأعطي قسماً منها للجيران، واحتفظ بقسم آخر لأقتات وعائلتي منه. كما كنا نصنع المربى من حبات المشمش المتضررة.

لم أجد صعوبة في تناول الخضار باستمرار. ففي السجن، تقلص حجم معدتي. فطوال أعوام اعتقالي، اقتصرت وجبة الفطور على مربع صغير من الجبن حجمه لا يزيد عن حجم مربع السكر ورغيف خبز، وربع كوب شاي بارد تطفو حشرات على سطحه. وفي بعض الاحيان، كان السجانون يمنحون كل سبعة سجناء بيضة مسلوقة واحدة. وتقتصر وجبة الغداء على 6 ملاعق برغل مليء بالحشرات أو أرز. وفي المناسبات، أي ذكرى وصول حزب البعث الى السلطة وعيد الفطر وعيد الاضحى، درج السجانون على منح كل 3 مساجين قطعة صغيرة من البقلاوة.

اضطررت الى إقناع بناتي بالاستغناء عن اللحوم المليئة بالهورمونات، والاستعاضة عنها بالخضار. وبقينا على هذه الحال طوال ستة أشهر، وفي الاثناء واصلت مسيرة البحث عن عمل، فوجدت عملاً كسائق سيارة “تاكسي” في مكتب يقدم خدمة النقل للزبائن. وطلب مني أصحاب العمل ألا اطلع الزبائن على كوني سجيناً سياسياً سابقاً في سوريا. لقد ساعدني هذا العمل كثيراً في الخروج من عزلتي، والانخراط مجدداً في المجتمع. وطلبت من مدير المكتب أن يكلفني مهمات المشاوير البعيدة، كما اقترحت عليه مرافقة الاجانب في رحلاتهم في لبنان، فأنا أجيد الانكليزية بطلاقة. واقترحت، أيضاً، على الزبائن الاجانب أن أصحبهم إلى أماكن لبنانية سياحية كنت أرغب في زيارتها. كنت أقود سيارة المكتب المتينة والمرتبة، وأرتدي بزة العمل المرتبة والمهندمة المؤلفة من قميص وربطة عنق. فشعرت براحة نفسية كبيرة.

تخرج ولدي المهاجر الى أوستراليا من جامعته، وأرسل لنا مبلغاً من المال فاشتريت سيارة صغيرة، ونمرة عمومية. بدأت أعمل على حسابي في نقل الركاب الى ان اضطررت الى التوقف عن العمل، عام 2004. والى عملي في قيادة سيارة الاجرة، كنت رئيس لجنة المعتقلين في سوريا، وانتسبت الى مؤسسة حقوق الانسان، ومؤسسة “نوفو دروا دو لوم” ومنظمة العفو الدولية. ولم تشغلني ظروف الحياة الصعبة والفاقة والفقر و”التعتير” عن متابعة قضية رفاقي المسجونين، وعن السعي الى تحريرهم. وأخبرت مئات الركاب الذين نقلتهم في سيارة الاجرة الخاصة بي عن قصتي وقضيتي. فدعيت الى الكلام على تجربتي على شاشة “أم تي في” والـ”سي أن أن” والـ”أم بي سي” والـ”فوكس نيوز”. وقابلت نحو 12 سفيراً من سفراء دول أوروبية، وشرحت لهم قضيتي وقضية السجناء السياسيين في السجون السورية. وردد هؤلاء عبارة واحدة “نحن نساعد الدول وليس الافراد”.

وفي 2004، تلقيت تهديداً، إثر ظهوري على محطة تلفزيونية، ودعوتي الرئيس السوري الى الاعتبار بما حصل في العراق وادراك ان التماثيل تسقط. فأطلعت رجلاً يعمل في استخبارات الجيش على التهديد، فنصحني بالتوقف من العمل سائق سيارة أجرة، إذ إنّ في وسع القاتل أن يزعم أنه زبون يريد الذهاب الى منطقة نائية، ويقتلني على الطريق، ويسرق ما في جيبي. وقد تقول الشرطة إنني قضيت في عملية سلب، وأن جريمة قتلي جنائية وغير سياسية. فأخذت بنصيحته، وتوقفت عن العمل.
ولم تنظر زوجتي وبناتي بعين الرضى الى ظهوري على شاشات التلفزة للكلام على قضية الاسرى في سوريا. فعبرن عن استيائهن وخوفهن من فقداني مجدداً، وقلن “لم نصدق أنك عدت الينا ولا نريد أن نخسرك”. ولكن قوة داخلية تحملني على السعي الى مساعدة رفاقي السجناء في سوريا.

ثم عرضت عليّ وظيفة في منظمة حقوق انسان في الخارج، إلا إنني لم أستطع السفر بسبب نزول اسمي على لائحة “بحث وتحر” الخاصة بقوى الامن.
ووصلت قصتي الى مسامع أحد الصحافيين، فدبّر لي وظيفة سائق عند طبيب أسنان. ولم يقيدني هذا الطبيب بدوام عمل، وتفهم ظروفي، وساند قضيتي، ووقف الى جانبي. وشاركت في ثورة الارز، والتقيت طلاباً جامعيين كثرين. وألقيت محاضرات في الجامعة اللبنانية والجامعة اليسوعية عن ظروف المعتقلين السياسيين في السجون السورية.

وطالبت من قابلني من المسؤولين السياسيين بمساواة الاسرى المفرج عنهم من السجون السورية بنظرائهم من المفرج عنهم من السجون الاسرائيلية. وهؤلاء يُستقبلون استقبال الابطال القوميين، ويُمنحون تعويضات مالية ومساعدات استشفاء وطبابة لهم ولأسرهم، فور الافراج عنهم. ولكنني لم أجن سوى الوعود الكثيرة.
عنوان موقع علي أبو الدهن على شبكة الانترنت:
http://flpdinsyria.com/index.php

يتألف مبنى سجن صيدنايا في سوريا، وهو على شكل علامة سيارة المرسيدس، من 3 طوابق في كل منها 6 أجنحة، وكل جناح فيه 10 غرف.
في الأيام العادية، يوضع في الغرفة 21 فراشاً. ويبلغ حجم الفراش الواحد نحو 60 سنتيمتراً. وفي أوقات الاكتظاظ، يحشر السجانون ما بين 60 شخصاً إلى 135 شخصاً في زنزانة واحدة طولها 16 متراً وعرضها ستة أمتار، فيضطر السجناء الى الالتصاق ببعضهم، ولا يستطيع الواحد منهم التحرك للذهاب الى الحمام وقضاء حاجته، وكان عدد منا يضطر إلى التبول حيث يستلقي وفي الصباح، يحاول تنظيف ملابسه المبللة من طريق رش المياه عليها.

في الطابق الأرضي من المبنى، يقع المطبخ و150 زنزانة إفرادية حيث تمر فوقها إمدادات صرف صحي فيتسرب قسم من محتواها على رأس السجين. ويحيط بالسجن دائرة قطرها نحو 10 أمتار مزروعة بألغام. وعلى بعد 10 أمتار من حقل الألغام هذا، ينتشر نحو 600 جندي ودباباتهم في ممرات آمنة وسط حقل ألغام آخر. وكنا نسمع من حين الى آخر دوي انفجار لغم داس عليه جندي “بالغلط”. وثمة سور خارجي يحيط بالسجن وحقول ألغامه. والسور نفسه محاط بالألغام.

1 thought on “السجناء اللبنانيون في سوريا سياسيون أولاً

  1. كلما بتذكر سوريا تتخيل الالم و الوحشية و الشعارات المزيفة والمستهلكة الي بيخدعو فيها السذج بتتخيل الدموية و السجون والارهاب-الدولة و تنظر واسئلك وين كل الجبابرة والفراعنة و الطغات مو امتلئت المزابل منهم !
    ليش و لمن كل هذا التعذيب و الدموية ؟
    هل دام الظلم؟ للابد اظن النهاية قريبة والسجون وكل الضحيا راح يكونوا دليل اكبر على محاكمة الظالمين.
    فكل قطرة دم وكل نفس عذبت لها حق لايزول و سوف ينتزع من الظالم.
    اما يعي هذا الظالم ان الزمن يتغير

    Like

Comments are closed.