تظاهرة اللبنانين وجواب المعلم المهضوم

بدر الدين حسن قربي

الاثنين 4 آب (أغسطس) 2008

في كل مرة يتواصل فيها الخيّرون من العاملين في مجالات حقوق الإنسان ويصرخ فيها المفجوعون في أهلهم وأحبائهم بشأن الأسرى والمسجونين العرب مع السلطة السورية يجدون صلفاً واستكباراً في رد الجهات الرسمية يعجز المرء عن تفسيره تجاه هذه القضية الإنسانية التي تصعب على أقل النفوس نخوةً وأضعفها مروءةً وانعدامها شهامة.

فإن تواصلوا مع السيد وزير الداخلية نفى وجود مثل هؤلاء الناس في معتقلات النظام. وإن تواصلوا مع السيد رئيس الجمهورية أفاد بأن من في سجونه والعياذ بالله هم من مخالفي القوانين ومتجاوزي الأنظمة وإيقاظ النعرات العنصرية والطائفية، والمشكوك بأمرهم وولائهم وارتباطهم، ومروجي الأنباء الكاذبة ممن يوهنون عزم الأمة ويضعفون مشاعرها القومية فضلاً عن محاولاتهم النيل من هيبة النظام، وإن تواصلوا مع السيد وزير الإعلام كان أقطعهم. إلا أن تواصلاً قريب العهد لبعض أهالي المسجونين مع السيد وزير الخارجية السوري كان مختلفاً عن جميع ممن سبقه في القول رئيساً وداخليةً وإعلاماً لأنه أسمعهم كلاماً عجباً له دلالاته.

فعندما استقبله اللبنانييون في زيارته الأخيرة لبيروت بمظاهرة تطالبه بإطلاق سراح أسراهم ومعتقليهم من غيابات سجون النظام، كان جوابه بأن من صبر ثلاثين عاماً ألا يستطيع أن يصبر أسابيع أخرى. وهو لاشك جواب مهضوم في هذه المسألة على غير العادة من شخصية مهضومة، لأنه إشارة من الخارجية السورية عن أن هنالك محنة لدى اللبنانيين أسرى وسجناء عمرها ثلاثون عاماً مع السجّان، ولكنهم مطالبون أيضاً بمزيد من الصبر ليتأكد الهضم. ولئلا تفقد إجابة السيد وزير الخارجية طعم النظام السوري ونكهته المتميزة في المناكفة والمجادلة استدرك بأنه كان بإمكانه أن يأتي معه بأهالي المفقودين السوريين في لبنان ليطالبوا بمفقوديهم كما يطالب اللبنانييون ولكنه لم يفعل، أما لماذا لم يفعل، فتلك حكاية أخرى. الذي لم يكن مهضوماً في جواب المعلم ومشهد الاحتجاج هو سكوت وزير الخارجية اللبناني عن محاولة الوزير المعلم صرف الحديث إلى وعن مفقودين رغم أن التظاهرة والمطالبة كانت عن أسرى ومعتقلين وكان في استطاعته الرد الفوري عليه ودعوته له لزيارة السجون اللبنانية فوراً ليتأكد أن ليس فيها أسيراً سورياً واحداً.

جواب النظام السوري المعتاد ومعاندته في هذه المسألة الإنسانية وطريقته في التعاطي معها وأسلوبه في كل مرة، يذكرنا بشكل دائم بمأساة مئاتٍ من الأسرى المدنيين شباباً ورجالاً جمعهم النظام العراقي السابق من شوارع الكويت وأثناء خروجهم من المساجد في أواخر أيام احتلاله لها، وبقي بعدها يتعاطى مع هذه القضية في كل وقت يُطالَب بهم أو يُتحدَث عنهم، بأنه هو أيضاً عنده وله مفقودون في الكويت مثل كلام المعلم للمتظاهرين بالضبط. وهات يامناكفة وياجدل وكذب وافتراء في مسألة إنسانية انتهى مشهدها الأول بسقوط السجن والسجان، وخرج الناس يبحثون عن أحبائهم أسرى ومعتقلين في قيعان السجون وفيافي الصحاري وأطراف الأرض ليجمعوهم في المشهد الثاني بقايا عظام نخرة تروي حكاية الظلم والظالمين وقصة القمع والمستبدين في مشهدها الأخير. اللافت أن المنظمة العربية لحقوق الإنسان الأردنية تطالب على الدوام بالعديد من مواطنيها وناسها المعتقلين في السجون السورية ممن طال عليهم الأمد لأكثر من 25 عاماً ومنهم دون ذلك، وفيهم الشباب ومنهم الصبايا.

الجمعية الفلسطينية لحقوق الإنسان أيضاً تكتب وتطالب أيضاً كما الأردنيين واللبنانيين مما يؤكد أن سجون النظام ولافخر فيها مافيها من كل الجيران فضلاً عن السوريين أنفسهم.

السؤال الذي يطرح نفسه بهذه المناسبة إذا كان كل هالناس الأسرى والمعتقلين والمحتجزين هم من مكسّري القوانين، ومخالفي الأنظمة ومرتكبي المخالفات، فما هو المبرر الأخلاقي والقانوني والإنساني لمنع تسرب أي معلومة عن هالناس وانقطاع أخبارهم، وعدم السماح لأهلهم وعوائلهم بزيارتهم، ولماذا لاتكشف ملفاتهم وتهمهم وتجاوزاتهم.، ويحاكمون في محاكم مدنية.!!؟

السؤال نفسه يطرح نفسه أيضاً على كل حلفاء وأحباب النظام سواء كانوا مؤمنين أو ملحدين، مشايخ وعلماء، أو علمانيين وليبراليين، ماركسيين وشيوعيين، أو مقاوميين وممانعين. ماهو مبرركم الأخلاقي للسكوت على هكذا فاحشة..؟

إننا نعتقد أن هكذا ممارسات مع الإصرار عليها من قبل أي نظام، ورفض معالجة هذه الملفات الإنسانية مع العناد والمعاكسة والتطنيش وكأن شيئاً لم يكن، ستجد صباح يومٍ ما مهما بعد أن هناك من ينادي على هذا القامع وذاك الديكتاتور من منابر الأمم المتحدة أو من قاعات محاكم لاهاي بتهم شتى ومختلفة، وسنجد في ذلك اليوم لاشك أيضاً من يدافع من أبناء جلدتنا وديننا وقومنا عن هؤلاء الجزارين والمستبدين، وتقوم قيامته وتثور ثائرته، ويسمعنا بكائيات سيادة البلد وكرامة الوطن وعزة الأمة، وهات ياخطب ومواعظ، وهات (لت وعجن) لايسمن ولايغني من جوع بعد أن وقعت الفاس في الراس، وبعد أن سكتوا كأهل القبور عن فواحش الظلم والاستبداد وإهانة الناس والدوس على كرامتهم، وقد كانوا يُدعَون للأخذ على يد الظالم والباطش وكانوا يسكتون.

ســألني: هل تعرف لماذا تخلو المعتقلات السورية حتى من سجين إسرائيلي أو يهودي واحد، في حين فيها الكثير من الفلسطينيين والأردنيين واللبنانيين وغيرهم حتى من السوريين أنفسهم، والمجهول فيهم أكثر من المعلوم..!!؟

قلت: ما المسؤول بأعلم من السائل، ولكن لعلّ ولعلّ ولعلّ. فحسن الظنّ مطلوب، فالتمس لهم ألف عذر.

قال: العلة المقولة والمقروءة علينا معروفة ومعادة، ومكرورة للقاصي والداني وللقريب قبل البعيد وللصديق قبل العدو، من كسر القانون، إلى توهين نفسية الأمة، أو إضعاف الشعور القومي، وترويج الأخبار الكاذبة، والنيل من هيبة النظام وعلى ذلك فقس، وكأن الآخرين من أمم غيرنا لايكسرون قانوناً ولاينالون من هيبة نظام ولا يروّجون أضاليل. حقيقة الأمر أن للإسرائيلي ولليهودي عند قادته وحاكميه سيادة وكرامة قبل البلد وقبل الوطن، ومن داس على طرفها وجد ما لا يسره.

سألته مستغرباً: ولكن لماذا كل هالمكسرين والموهنين والمضعّفين والمروّجين والمرتبطين لا نسمع عنهم ولا يتجمعون ولا يوجدون إلا في بلد القمع والاستبداد والتشبيح والفساد..!!

قال: القامعون والديكتاتورييون والمستبدون يحسبون كل ممارسة للمواطن في حريته من رأي أو فكر أو نصيحة صيحةً عليهم فيعتبرونها تكسيراً وتوهيناً وإضعافاً حتى أن المهضوم فيهم يدعو الناس بعد سجن ثلاثين عاماً للتحلي بالصبر. أما الآخرون فيعتبرون نفس هذه الممارسة قوة وعطاءً وبناءً وتقدماً وحضارةً فيكون لمواطنهم كرامة وسيادة قبل سيادة الأرض وكرامة الوطن، فإنسانهم أكرم من التراب والحجارة، وسيادة الوطن وكرامته بكرامة أبنائه وسيادتهم لو كانوا يعقلون..!!

• كاتب سوري – كندا