وثائق تفاهمات حزب الله ضرب لمقومات الدولة اللبنانية وتجميع اوراق استباقا للحوار

كمال ريشا

بعد وثيقة التفاهم مع التيار الوطني الحر، وقّع حزب الله وثيقة تفاهم مع قوى سلفية في طرابلس شمال لبنان وارتفعت اصوات الاشادة الحزب الهية، وجوقة المرددين، من تيارات واحزاب تعتاش على صدقات الحزب المذكور، على خلفية ان الاتفاق افضل من الفراق والاختلاف. ولكن ما فات المهللين ان توقيع هذه الوثيقة هو ادانة صريحة لدور حزب الله في طرابلس، وعبث حلفائه بأمن المدينة. ولم يعد خافيا ان ما يجري في طرابلس ليس سوى استكمال لمسلسل السابع من أيار حين اجتاحت ميليشيات الحزب الالهي والطفيليين من حوله بيروت وبعض الجبل، وان ما يجري ليس سوى حلقة في مسلسل الحزب الالهي لضرب السنة في لبنان بعد ان استطاع اختراق الشارع المسيحي بتيار ميشال عون.

ان قراءة بسيطة لما يقف وراء هذا التوقيع يشير الى ان حزب الله يمارس دور المنتصر بعد ان استباح العاصمتين الاولى والثانية، وهو يدير اللعبة السياسية في البلاد ضاربا عرض الحائط التوازنات الداخلية الطائفية والسياسية واستلحاق الطوائف والقيادات اللبنانية وتطويع المعترضين. انها لعبة مارسها الراحل ياسر عرفات يوم كان ممسكا بزمام السياسة اللبنانية بحيث اعتمد مقولة كل شيء ضده من جنسه. فكانت الاحزاب والتنظيمات والجمعيات تنتشر كالفطر في الازقة والشوارع في جميع المدن اللبنانية وكان اللبنانيون يستفيقون كل صباح على مربع امني وتنظيم: تنظيمات متناحرة للسنة واستلحاق الشيعة واختراق ولو طفيف للشارع المسيحي..

ومع ذلك ان منطق حزب الله الاستكباري يأتي في الوقت الضائع دوليا واقليميا. فلم يتبقى سوى شهرين لانتخابات الرئاسة الاميركية واسرائيل تغوص في مشاكلها الداخلية وروسيا تجتاح جيورجيا وتضع الولايات المتحدة امام مأزق الرد. فالمصالح الروسية الاميركية متشابكة في اكثر من دولة مما يجعل الرد الاميركي على استباحة جورجيا اقل ما يقال فيه انه دون المستوى المطلوب وترك الامر للاتحاد الاوروبي. وايران تترقب بحذر اعادة التموضع الدولي الذي نشأ عن الازمة القوقازية.

ولكن على المستوى الداخلي اللبناني؟ هل هذا ما يريده اللبنانيون؟

إن ما قام ويقوم به حزب الله يمثل ايضا تقويضا لاسس الدولة اللبنانية بحيث استبق الحزب طاولة الحوار التي لا يبدو في الاصل انه مقتنع بها. وللتذكير، ما يزال مشهد مسلحي الحزب وهم يمعنون حرقا في وسائل الاعلام اللبنانية وفسادا في شوارع العاصمة تحت مرأى ومسمع من الجيش اللبناني ماثلا للعيان في اول تقويض وإفشال لصدقية قائد الجيش حينها الرئيس الحالي العماد سليمان. وما توقيع الوثيقة ثانيا سوى محاولة فرض امر واقع جديد يضيف الى اوراق الحزب الالهي ورقة جديدة اضافة الى تيار ميشال عون.

فهل علينا، كلبنانيين، ان نترقب توقيع وثيقة تفاهم مع تيار التوحيد الدرزي بشخص رئيسه وئام وهاب، واخرى مع عبد الرحيم مراد؟ ولمَ لا تكون هناك وثيقة مع الحزب الديمقراطي برئاسة طلال ارسلان واخرى مع مردة سليمان فرنجية وكل وثيقة تحرم دم الموقعين عليها وانصارهم الا انها لا تحرم اراقة الدماء بالمطلق، فهل يكون المقصود تحليل دماء الاخصام من ابناء الوطن لصالح الاستقواء بالحزب الالهي؟

ايضا وايضا، ان توقيع هذه الوثيقة وما تم التبشير به من وثائق اخرى قيد الاعداد يضع العقد الاجتماعي اللبناني المتمثل باتفاق الطائف على طاولة البحث من جديد. فهل تشكل تفاهمات حزب الله بديلا للاتفاق الذي نظم علاقات اللبنانيين بعضهم ببعض بعد اكثر من خمسة عشر سنة من الحروب الدامية؟

ان استخفاف حزب الله بعقول اللبنانيين لم يعد مقبولا ولا يبدو ان اجله سيطول، بدليل ان الوثيقة الاخيرة ولدت ميتة. فهل سنشهد اعادة قراءة من قبل التيار العوني للوثيقة وتجميد العمل ببعض بنودها لأن تجميدها بالكامل ليس في يد عون وجماعته.

على الاقل ليعترض عون على بند اعادة الذين فروا الى اسرائيل بعد الانسحاب الاسرائيلي. الم يطلق حزب الله حينها وعدا باعادتهم وعدم التعرض لهم وهلل اتباع عون لما وصفوه حينها انجازا وطنيا. وفي الواقع، لم تتم اعادة اي مواطن لبناني من اسرائيل سوى الموتى من بينهم.

الا يستحق هذا البند على الاقل اعتراضا عونيا؟

ان المطلوب لبنانيا هو العودة الى اتفاق الطائف وليس اتفاقات ثنائية على حساب الدولة وتنفيذ ما حال الوجود السوري من تنفيذه في سياق مصالحة وطنية جامعة فعلية تلغي مفاعيل الاستكبار الالهي على اللبنانيين وتضع سلاحهم في عهدة الدولة ليتحولوا مواطنين متساوون في المواطنة مع سائر اللبنانيين.

richacamal@hotmail.com