الذكرى الـ 26 لاستشهاد الرئيس بشير الجميل

أيد المحامي نديم بشير الجميل مبدأ المصالحة على مساحات الوطن، لكنه في الوقت نفسه حذر من السلاح غير الشرعي، فلسطينياً كان ام لبنانياً.
مشددَا على أنه من غير الجائز ان يبقى اي سلاح على الاراضي اللبنانية خارج عن سلطة الشرعية مهما كانت تسميته وشعاراته. كما لا يجوز بعد اليوم ان تبقى على مساحة الوطن منطقة محظورة عليك ومنطقةٌ ممنوعة عليّ انا.
واضاف:”نحن آباء المقاومة اللبنانية، نحن المقاومة اللبنانية. اين قاومنا؟
في كل لبنان، في الجنوب والجبل، في الشمال والبقاع، في العاصمة بيروت وفي جبال صنين، حيث زرعنا شهداءنا وروينا تراب الوطن بالعرق والدم لمنع التوطين، لمنع إقامة دولة فلسطينينة بديلة ولمقاومة الاحتلال السوري.


معركة تحرير لبنان بدأت من هنا. الاشرفية كانت البداية، بداية التحرير عام 1978. ومن الاشرفية انطلقنا بعزمٍ وإيمان نحو كل لبنان لتحرير الارض والعقل والانسان.”
وجاءت كلمة الجميل في ذكرى استشهاد الرئيس بشير الجميل الذي اقيم في كنيسة الايقونة العجائبية في الاشرفية. فمنذ الساعات الاولى من بعد ظهر الاحد 14 أيلول، بدأت الوفود الكتائبية تصل الى الكنيسة للمشاركة في الذكرى السادسة والعشرين على استشهاد الرئيس الشيخ بشير الجميل ورفاقه.
وغصّت الساحات المؤدية من ساحة ساسين الى الكنيسة بالأعلام الكتائبية واليافطات التي أعدتها مصلحة الشباب في حزب الكتائب اللبنانية. وقد نظمت كشافتي العنفوان والحرية مسيرة على وقع الاناشيد الحزبية والهتافات.
كما تولى حزب الكتائب اللبنانية بالتعاون مع مؤسسة بشير الجميل الانضباط والاستقبال. ورفعت في مكان الاحتفال صور الرئيس الشهيد والاعلام اللبنانية والكتائبية والقواتية وردد الشباب الهتافات الحزبية.

وعند الساعة الرابعة بدأ القداس الاحتفالي الذي رعاه البطريرك مارنصرالله بطرس صفير ممثلاً بالمطران رولان ابو جوده ولفيف من الكهنة، وخدمت القداس جوقة احسان منذر بمشاركة الفنان نقولا الاسطا.

والقى المطران رولان ابو جوده النائب البطريركي العام عظة تناولت نقاط ثلاث أساسية، سرد في الاولى لمحة تاريخية عن الشهادة في لبنان من هجمات المماليك ومن الانقسام الداخلي و”عدم تعلم اللبنانيين من أخطائهم ولم يعظهم تاريخهم المشترك ولو يصلوا الى حال من الوعي”.
والنقطة الثانية تناول فيها “الشيخ بشير الجميل وآل الجميل” فقال:” ومن يسترجع مشاهد البطولة التي واكبت الحروب الخارجية على وطننا الصغير، المسالم، لا يستسلم للإحباط والانكسار بل يتفاءل بأن جيلاً اعطى قيادات كبشير الجميل يمكنه ان ينهض بأجيال كريمة مثقفة شجاعة، واضحة الاهداف، تتخلى عن التزمت الطائفي والانانيات، لتبني وطنًا بالعقل والانفتاح، لا مجال فيه لمشروعات خارج الشرعية، او لانتماءات لا تخدم سيادة الوطن، واستقلاله، وقيمه الاصيلة الجامعة.
وآل الجميل، كما يشير تاريخهم، منذ انتقلوا من جاج، عام 1545، الى بكفيا وشويا والمنطقة وهم في خدمة الدين والوطن، قدموا الاساقفة، والاطباء والعلماء والصحافيين ورجالات الفكر والسياسة، من اقصى الشمال الى جبيل، الى المتن الى قبرص ومصر، ومنهم المطران فيليبس، والمطران بطرس، والرجل الوطني انطون الجميل، وصاحب الرؤية موريس الجميل، والرئيس الشهيد بشير الجميل، والرئيس أمين الجميل اطال الله عمره، والشيخان بيار الاول، الرجل التاريخي، والوطني، ومنجم الاصالة، رحمه الله. وبيار الثاني الشهيد، الذي انضم الى قافلة الجميليين الذين افتدوا لبنان بدمائهم، وتمسكوا بوطنيتهم كما بايمانهم، وتحلوا بالشجاعة والفروسية والحكمة. وانضمت النساء الى الرجال في هذا الزمان، لخدمة لبنان، فحلت زوج الشهيد، السيدة صولانج الجميل، نائبًا في البرلمان…وكافحت متحصنة بوفائها للعائلة والوطن، كما تحصنت ايضًا، ولو على غير صعيد السيدة جويس الجميل.
أما بشير الجميل،
أ‌- فكان صاحب الكاريزما المميزة، والسياسي، يقول في النور ويكره العتمات، ويكرز بالوطنية الموحدة من على السطوح، ويردد في اللحظات المحرجة:”لا تخافوا، فإنكم أفضل من عصافير كثيرة…كل من يعترف بي قدام الناس اعترف انا به قدام ابي الذي في السموات (متى 10، 31-32)
ب‌- كان الرجل جريئًا في ايمانه، صريحًا في وطنيته، جديًا، في ثورته على الفساد، مدركًا مدى الصعوبات التي تجبه اهل لبنان وقيادته. وقد دفع الثمن غاليًا باغتيال طفلته مايا.
ج – فلا غرو ان تكون الآمال التي علقت عليه كبيرة عندما سطع نجمًا كبيرًا في سماء لبنان. العيون كانت تترقب اطلالته والقلوب تشتاق الى رؤيته. الاعناق تثرئب اليه والايدي تمتد لمصاحفته. والهتافات تنطلق من الافواه لتعرب عن الاماني التي كانت تواكبه.
د- طمح الى بناء وطن منيع الجانب، خفاق الراية، مناضلاً ومكافحًا ليعيد الى الارض وحدتها والى الوطن سيادته والى الشعب حريته وكرامته والى الدولة هيبتها والى المؤسسات ما يجب ان يكون لها من فاعلية. انفتح على الجميع، في الداخل وفي الخارج، فئات واحزاباً ودولاً.
ه- ولكنه كأصحاب الاحلام استثار الحسد والحفائظ ومحاولته تحصين السيادة والاستقلال تركت رياح اللعبة الاقليمية تجري بما لا تشتهي سفن فكره وروحه، فآثر ان يصلب ويتحقق الخلاص، وان يهلك النفس ليجدها، وليهزّ الوجدان العالمي، لعله يستعيد ما تبقى للإنسان من حقوق، وللمجتمعات من حياة. لكنه مدرك وهو في عليائه، ان سياسات الدول لا تحسب دائمًا، للمناقب والقيم اي حساب، وكثيرًا ما كان لبنان ضحيّة الصفقات والمصالح الخارجية، والداخلية. لكن الانسان الذي يشبه بشير الجميل لا يمكنه ان يتقبل الذل ومرارته، ولا يخاف مما يقتل الجسد.
و- سقط في ذكرى ارتفاع الصليب المقدس، وكان شديد الايمان بمن علق عليه ليفتدي جميع الناس. سقط فدى لبنان لكن احلامه الجميلة باقية ولن تتبخر لأنها احلام شعب يريد الحياة الكريمة، وينشد الوحدة والسيادة والسلام.
أما في ما يتعلق بالنقطة الثالثة، فأشار المطران أبو جودة إلى الجيل الصاعد فقال:”الامل عميق بأن ولديه نديم ويمنى سيتابعان المسيرة وبأن الجيل المثقف الحالي سيتحلى بالوطنية والروحانية معًا، لأن الايمان بالله يجعل التعلق بالوطن حالاً من الارتقاء والانفتاح والتفاني المخلص”. واضاف:”المسيح وحده، يجعلنا قادرين على حمل الصليب، متاهمين به، وهو وحده، يمنحنا الخلود ونحن نتقبل الموت حبًّا به. وهو يعلمنا محبة الاعداء، فكيف بإخوان لنا في الوطن، نعايشهم تحت سماء واحدة؟”

وبعد القداس القى نديم الجميل قال فيها:”
” بشير: منا التحية ومنك العناية.
استشهدت يوم ارتقاع الصليب؛ فانت صليبنا الوطني. صليبٌ لأجلنا لا صليبٌ علينا. تحية من العائلة والحزب والرفاق والاصدقاء والحلفاء. كلنا معاً، نرفع الصلوات من اجلك، من اجل الرفاق الذين استشهدوا معك، ومن اجل بيار وانطوان.
تحياتنا ايضاً الى الشهداء الكتائب، كتائبنا؛ والقوات، قواتنا؛ وثورة الارز ثورتنا؛ والمقاومة اللبنانية، مقاومتنا.

لم تكن يا بشير شخصاً عادياً بل رمزٌ، رمزٌ يعبر العصور والتاريخ، ولا يستقر الا حيث النقاوة والشفافية والنزاهة والتجرد والصمود في وجه كل معتدٍ.
وستبقى يا بشير، رمزاً للشعب المقاوم، رمزاً للوجود المسيحي الحرّ، رمزاً للبنان المستقبل.
وفي ذكرى استشهادك السادسة والعشرين، اللبنانينون الذين اردتهم موحدين، منقسمون.
والمسيحيون الذين اردتهم متضامنين، مشتتون. ولبنان الذي اردته كأياناً راسخاً في الشرق، مبعثرٌ بين دويلات وجمهوريات وطوائف ومذاهب وتيارات.

لقد خسرنا اعزّ الناس عندنا، ولم يبق امامنا الا خياران:
ان نبقى غارقين في الحقد والضغينة ، او نقلب بجرأة وكبر الصفحة السوداء، ونخطو بقلب مفتوح وعزم وثقة نحو التسامح والرجاء.
فالمسيحيون قلقون على وجودهم وهويتهم ومستقبلهم في لبنان والشرق وعلينا بكل جرأة إزالة هذا القلق، وتوفير كل انواع الضمانات من اجل تثبيت وجودهم الحرّ ودورهم الوطني.

باسم شباب وشابات لبنان، باسم التضحيات والشهادات، اناشد القادة اللبنانيين والمسيحيين خاصةً:
حان وقت بلسمة الجروح الوطنية والمسيحية،
حان وقت انهاء الانقسامات والشرذمة، حان وقت وقف الهجرة يأساً من الوطن،
لقد حان وقت الشفاء.
لقد آن الاوان ان نتعلم من مآسي الماضي حتى لا يتكرر التاريخ، لأن التاريخ لا يعيد نفسه الا عند الشعوب التي لا تتعلم من مآسي الماضي.
فكل من يريد ان يبني مجداً على حساب اللبنانيين وخاصة وحدة المسيحيين فإن مجده مؤقت وباطل.
وكل من يريد ان يستقوي بغير شعبه فأن استقواءه ضعف،
فبقدر ما يكون المسيحيون اقوياء يكون المسلمون موحدين. وبقدر ما يكون لبنان قوياً، نكون كلنا احراراً.
ولبنان هو ارض المسيحيين الاحرار وارض المسلمين الاحرار، هو ارض الانسان الحرّ في هذا الشرق.

جيلنا ولد في زمن المقاومة والاضطهاد، في زمن الاقتتال والانتقام، تربى في زمن الانقسام والاحتلال. ونريد اليوم ان نوقف القهر والانقسام والاقتتال، لأننا ابناء الحرية والحياة.

ايها الرفاق والاصدقاء،
علينا الا ننسى لماذا بشير والآلاف من رفاقنا في الكتائب والمقاومة اللبنانية. فهم وقفوا في وجه السيطرة الخارجية على لبنان.

ومع تأييدنا الكامل لمبدأ المصالحة على مساحات الوطن، لا بدّ من التأكيد على الحقائق التالية: منذ سنوات، ونحن نحذر من السلاح غير الشرعي، فلسطينياً كان ام لبنانياً.
فالسلاح الفلسطيني داخل وخارج المخيمات مصدر خطرٍ دائم على امن الوطن والمواطن.
ومن غير الجائز ان يبقى اي سلاح على الاراضي اللبنانية خارج عن سلطة الشرعية مهما كانت تسميته وشعاراته.
فسلاح حزب الله استباح العاصمة بيروت، فهدد السلم الاهلي وضرب هيبة الجيش اللبناني. واستشهاد النقيب الطيار سامر حنا على يد سلاح هذا الحزب، هو تأكيد جديد على مدى خطورة خروج هذا السلاح على الشرعية.
وما تصريحات المسؤولين الايرانيين الا دليل جديد على ان هذا السلاح مرتبط، وينتظر اوامر ولاية الفقيه. نقول ذلك من منطلق وطني وليس من منطلق سياسي ضيّق وطائفي او عدائي، خاصة ونحن عشية انطلاقة الحوار الوطني برعاية فخامة رئيس لجمهورية. فخوفنا ليس من سلاح حزب الله كسلاح، فما من مرة اخافنا السلاح. خوفنا هو على الوطن والنظام والكيان والهوية.

لن يجوز بعد اليوم ان تبقى على مساحة الوطن منطقة محظورة عليك ومنطقةٌ ممنوعة عليّ انا.

فلا مربعات امنية، ولا مناطق محظورة، ولا غزوا مسموحة، ولا دويلات تنشأ هنا او إمارات تنشأ هناك.
ويسألوننا من انتم، واين قاومتم وماذا حررتم؟
من نحن؟
نحن آباء المقاومة اللبنانية، نحن المقاومة اللبنانية.
اين قاومنا؟
في كل لبنان، في الجنوب والجبل، في الشمال والبقاع، في العاصمة بيروت وفي جبال صنين، حيث زرعنا شهداءنا وروينا تراب الوطن بالعرق والدم لمنع التوطين، لمنع إقامة دولة فلسطينينة بديلة ولمقاومة الاحتلال السوري.
ماذا حررنا؟
معركة تحرير لبنان بدأت من هنا. الاشرفية كانت البداية، بداية التحرير عام 1978. ومن الاشرفية انطلقنا بعزمٍ وإيمان نحو كل لبنان لتحرير الارض والعقل والانسان.

ايها الاصدقاء والرفاق،
نحن مع الحوار دون عقد او شروط مسبقة،
نحن مستعدون للمصافحة بيد صادقة ونظيفة.
اذ ما يهمنا هو شعب لبنان ومستقبل شباب لبنان.
ما يهمنا هو لبنان اولاً واخيراً.
سنبنيه معكم، سنبني هذا اللبنان، على قدر طموحنا وطموحكم.
نبنيه
لبنان واحد لا لبنانان
دولة واحدة لا دولتان
جيش واحد لا جيشان.
ايها الاصدقاء والرفاق،
اليأس ممنوع، فهو لم يكن يوماً في قاموس بشير،
ولن ندخله نحن في قاموسنا.
لقد مررنا بظروف صعبة في الماضي وخرجنا منها متضرين،
وبالامس االقريب، وحدتنا ثورة الارز، فخرج الجيش السوري من لبنان
بعد ثلاثين سنة من الهيمنة والوصاية والاحتلال.
اليوم هناك محاولات جديدة من اطراف عدة للعودة بالوطن الى الوراء.
الى هؤلاء نقول: لقد انتهى الى غير رجعة زمن الوصاية والاحتلال.

فالمستقبل منوط بكم:
فإما ان نحافظ على لبنان الحرية، لبنان الحضارة ولبنان الحياة،
واما يعودون به الى زمن الوصاية وطمس الهوية ولبنان الموت.
المسؤولية جسيمة على اكتافنا جميعاً،
فحذار التفريط بالمكتسبات،
وحذار الاستهوان،
وحذار التراجع.
لا تخافوا. فلبنان باقٍ،
لا تيأسوا، فالدولة القوية سنبنيها معاً.
لنتوحد، فالوطن بحاجة الينا جميعاً.”

وبعد الكلمة توجهت العائلة والمحازبين والمناصرين الى مكان الاستشهاد في بيت الكتائب الاشرفية حيث وضعت الاكاليل والورود على النصب التذكاري وتقبلت العائلة التعازي.