عندما يُصَدِّرون الإرهابَ ليكافحوه!

بول شاوول

… وهكذا يستمر لبنان، منذ أربعة عقود، في حالة ملتبسة يعني التباسها أزمات دائمة في الداخل، وأشكال حصار من الخارج، كأنما يتوازن هذان الخطان: حروب يفترض ألا تنتهي في الداخل بين واجهات لبنانية تحركها أيدٍ من وراء الحدود، وتهديد دائم من الخارج. وأحياناً يلتقي “الخارج” مباشرة في تناقضات الداخل، وصداماته لتُلغى المسافة بين الحصار الخارجي عليه والعنف الداخلي: مساران يتضادان بقدر ما يلتقيان على اعتبار هذا البلد إما غير موجود (وطن مفترض لشعب مفترض ) وإما ذريعة أو جسر لعبور الصراعات واقامتها وترسخها.

وعلى هذا الاساس بدا ان هذا البلد في استنتاجات “الآخرين” من أنظمة عربية فاشية واستبداية ومهزومة (وبراو ثورية!) ومن قوى أجنبية على رأسها اسرائيل مصنوع ليكون مستباحاً: بلا عصمة ولا حرمة ولا اذن ولا دستور: بمعنى ان عليه أن يعتاد اغتصابه واستباحته من “الأشقاء” (وجُلُّهم اغتصبته اسرائيل وما زالت ليعوض عن ذُلِّه باذلالنا) او بين العدو. ويعني ذلك ان علينا ان نعتاد ايضاً فكرة اننا موجودون لكي نكون مهددين ونقبل من يهددنا سواء من الداخل او من الخارج.

والشعور عند اللبنانيين بأنه على مرمى التهديد بحياته وأرضه وأملاكه وكرامته واستقلاله وسيادته… كأنه بات “واقعاً مفروضاً” عليه الاعتراف به واعتباره جزءاً من حقائقه الثابتة…

قبل أيام هددتنا اسرائيل بتدمير البلد فوق رؤوسنا… وإحراقه، وإبادته اذا ما تعرض لها حزب الله. وسبق ان هددتنا هذه الدولة العنصرية واجتاحت الأرض وصولاً إلى بيروت. في غضون ذلك ينشر ألوف الجنود السوريين على الحدود الشمالية والذريعة منع التهريب، والهدف: امن سوريا من أمن لبنان. ولا نعرف ماذا ستكون ذرائعهم غداً، اذا كان لهم، من ضمن ظروف مؤاتية اختراق الحدود اللبنانية، وانتهاك السيادة اللبنانية.

اسرائيل تهددنا مباشرة. وسوريا تهددنا مواربة. والتهديدان هما، بالنسبة إلى الدولتين بَدَوا وكأنهما امر طبيعي وأقل من طبيعي في القرى الحادي والعشرين.

واذا ذهبنا أبعد (جغرافياً) نجد ان جارة أخرى عزيزة وضنينة هي إيران لا تُقَصِّر اطلاقاً عن اللحاق بهؤلاء الذين حلّلوا لانفسهم انتهاك البلد، إلى درجة التهديد المبطن المباشر عبرها، او غير المباشر عبر “حلفائها”! وهذا من شأنه ان يستدعي دولاً وجهات أخرى ان تحذو حذو اسرائيل والنظام السوري وايران من دون ان ننسى مَنْ كان له ذات زمن ان يتلاعب بدم اللبنانيين وبمصيرهم
باعتباره “وصياً” تلقائياً بين الوصايات التلقائية.

اذاً علينا ان ننتقل من تهديد إلى تهديد ومن ترويع إلى ترويع ومن تهويل إلى تهويل ومن احتقار إلى احتقار. ومن دونية إلى دونية. وهذا الانتقال يبدو انه يتم عبر عملية تناوب منسقة هنا و”عفوية” هناك بين هذه أطراف التي “اكتسبت” حقوقاً “الهية” في التحكم باعناقنا واملاكنا وحرياتنا وقراراتنا. فالتنسيق بين الاضداد ضدنا عسل وبركة ولبن وزيت مقدس!

اسرائيل: هددتنا واعلمتنا بانها ستُقرن القول بالفعل ولن تُبقي سقفاً فوق رؤوسنا. وكنا ننتظر من هذا الشقيق او “الشفيع” او الشفيعة ان يساندوا لبنان بالتصدي لمن يعتبرونه (“لفظياً”) العدو. وكنا ننتظر من “بتوع” الممانعة عندنا (والمصانعة والاستسلام عند الصهاينة) ان يمانعوا “تهديدات العدو لنا” وكنا ننتظر ان يقفوا ويقولوا “لا” لانتهاك بلد عربي لأرضٍ عربية من قبل العدو المتربص ويقرنون القول بالفعل. لكن ما حدث هو العكس تماماً: في حرب تموز الماضية (المظفرة باذنه تعالى) وقف “الممانعون” الاشاوس على “الحياد” بيننا وبين اسرائيل عملياً (باعونا كلام الفتنة الداخلية) وعندما انتظرناهم على “أهبة” المساندة العسكرية، فاذا بهم في اسرائيل نفسها: مفاوضات شغالة وزيارات “عائلية” لمفقودي الهولوكست وخطب في الكنيست ودموع على حوائط المبكى!

فيا لهذه الممانعة. ويا لهذه المساندة! وزادوا الطين بلة عندما افتعلوا بعد حرب تموز “حروباً” داخلية وانقسامات، وشغلوا ماكينات التخوين والترويع والتهديد… والاغتيال ومن ثم الغزو ومن ثم احتلال الشوارع ونصب الخيم وترويع الحكومة واغلاق مجلس النواب: فيا لهذا الدعم “العبابسي” في الشمال، والغزو “المظفر” في بيروت والجبل. وتساءل كثيرون: اهو الوجه الآخر من اعلان الحرب على لبنان: الوجه الحليف؟ كأنما عملية واحدة بوجهين. هناك اسرائيل تهجم وتهدد وهنا بتوع الوصايات يهجمون ويهددون: فمن نتقّي؟ وممن نحتمي؟ جنوباً وشمالاً وعمقاً. الكماشة مطبقة بتوازن دقيق وبتبادلات قريبة وبمجازات “مفهومة” كأنما عُيّن هذا البلد عدوا من العدو، وكذلك من “الاشقاء”! تحت يافطة ان “المال السائب يعلّم الناسَ الحرام” براو! اذن فلنسرق النومَ من عيون اللبنانيين ولنسرق قرَارهم، وساحاتهم، وحرياتهم، وأمنهم ومستقبلَهم: فهي لنا اصلاً، والدليل ان أعواننا في الداخل هم اذرعنا وقبضاتنا وادواتنا في الداخل. فبراوا. والدليل ان هؤلاء الاعوان حتى العمالة يؤمنّون توازناً بيننا كمعتدين وبين الاستقلاليين ويوفرون تغطية وتبريراً لكل انتهاكاتنا واطماعنا ويكفي ان نخوّن هؤلاء الاستقلاليين حتى تبطل “ادعاءاتهم” وحتى تهرق “دماؤهم”! اليوم جنوباً اسرائيل! وتظهيراً : الجيش السوري على الحدود الشمالية. فكأن ليس هناك جولان محتل، ولا لواء اسكندرون محتل، ولا جيش اسرائيليا يدوس كرامة ارض عربية في الجولان : اذاً فليكن الجولان في لبنان. فهذا اسهل على الممانعين خصوصاً وان “رسالتهم” الراهنة من الرسائل المقدسة: محاربة الارهاب الآتي من اين: ليس من عندهم، والعوذ بالله اتهام بلد ديموقراطي حر دستوري بالارهاب كنظام الوصاية، وانما من عندنا نحن اللبنانيين: فهنا منبت الإرهاب الكبير العظيم الذي يهدد النظام المسكين المتواضع السلمي: الله! صار لبنان يهدد سوريا! اف! يا للمعجزة!

وصار الارهاب “نبتة” لبنانية كحشيشة الكيف! وصار النظام السوري الذي لم يرشقنا الا بالورود والمحبة والعطف في موقع الدفاع عن نفسه وامنه من هؤلاء الارهابيين الذين اختيروا ان “يُستنبتوا من شريحة سنية شمالية: وبذريعة مكافحة هذا الوباء يهددودنا (مبطناً وسافراً) بأن من واجبهم معالجة هذه الظاهرة بانفسهم وبأسلحتهم ولو “اضطروا إلى عبورالحدود. (تماهٍ مع بوتين! فبراو وجورجيا. رائع! واسرائيل طبعاً، فعظيم!) وبذلك يساعدون على تصنيف لبنان في لائحة الإرهاب بدلاً من تصنيفهم الراهن: يشطبون من اللائحة العالمية السوداء جزاء على مكافحتهم الإرهاب ويدونون اسم الشقيق الأصغر. ولمَ لا! اولاً يؤدون بنشر جيوشهم على الحدود الشمالية (لا على حدود الاحتلال في الجولان) وكشف “البؤر” الارهابية عندنا، خدمة للعالم الحر، والمتمدن ولاميركا ولاوروبا خدمة تساوي اكثر من ذهب، وينصبون انفسهم حماة للسلم العالمي وهم يواجهون لبنان لمكافحة وباء الارهاب فيه: تبييض صفحة مقابل تسويد اخرى! او لم تنفجر سيارة مفخخة في دمشق! فهذا هو الدليل فابشروا! والدليل ظهر في تحقيق قضائي اسرع من ذوبان حليب نيدو! عال! واذا لم يقتنع العالم بأن هذا الارهاب السني حقيقي وموضعي وخطر فلا بأس ان فجّرنا سيارات أخرى هنا أو هناك. أو تمَّ اغتيال هذه الشخصية أو تلك، أو خطف أجانب لا سيما من بلاد الأميركان: فهذه الجرائم لم يرتكبها من قبل لا النظام السوري ولا النظام الصدّامي ولا سواهما من الأنظمة الثورية: بل ولدت اليوم. عندنا باعتبار ان سجل النظام الشقيق أنصع من الثلج: لا دم. لا خطف. لا قصف. لا اغتيال! العوذ بالله! إذ كيف يمكن ان يشرئب نظام لمكافحة الارهاب في بلد شقيق إذا لم يكن ذا مصداقية، وذا نزعات سلمية، وديموقراطية! برافو! وقد تأمنت كل هذه الشروط في نظام الوصاية، وعلى العالم أن يصدقه! فصدقوا معه!

لكن ماذا نفعل إذا كان لم يصدقه أحد سوى حلفائه التاريخيين في لبنان من صنائع إيران أو من صنائع زمن الوصاية. وماذا نفعل إذا كان العالم يسخر من هذه السيناريوات المخابراتية المضحكة التي اعتادها منذ زمن طويل، ومن أطراف استبدادية أخرى في العالم.

وماذا نفعل إذا كان اللبنانيون، في أكثريتهم، يعرفون ان نظام الوصاية يريد تشويه صورتهم، كاستقلاليين، وتشويه صورة الطائفة السنية. كدرع الاستقلال المتينة تحت شعار “لبنان أولاً”، وكونها السد الأكبر في وجه عودة أهل الوصاية! إذاً، فلندمر السد ونفيض بكل أُخُوّتِنا على الأخ الحبيب!

وماذا نفعل إذا كان اللبنانيون، وهم يعرفون أساليب هؤلاء، ما زالوا متضامنين مع بعضهم تحت يافطة التمسك بالسيادة والاستقلال والحرية والديموقراطية والعدالة! وأنهم يعرفون أن وصم الشمال بالارهاب هو محاولة تلطيخ صورتهم، بالاضافة الى نبرات التهديد والوعيد والتخويف (ألم يتعودوا هذه النبرات على امتداد أربعة عقود).

فنحن اليوم في حلقة أخرى من الشريط المتواصل منذ أربعة عقود: ان تكون أعناقنا تحت سيوف التهديد المصلتة عليها، وفي دائرة المناحي الانقلابية، وفي هواجس أهل الترويع والارهاب من الحدود الجنوبية واستكمالاً الى الحدود الشمالية: يبقى البحر، فمن سينصب خيمه فيه ليطبق دائرة الحصار علينا!

ونظن ان هذه الارتكابات من قبل اسرائيل والنظام السوري (وبشفاعة إيران ربما) ستستمر، إما بترسيخ عملية الانتشار العسكرية أم باللجوء الى أشكال أخرى قديمة: الاغتيال، ولخطف السيارات المفخخة لاتهام “الارهابيين”، أو بإفلات العملاء والحلفاء للقيام بمغامرات يمكن ان تخلط الأوراق… وتبدد الآمال!

ونظن ايضاً انه وكما فشل “عبابسة” الداخل في غزواتهم وحروبهم على بلدهم وشعبهم، و”عبابسة” نظام الوصاية بقطف ثمار “العودة” الى “أرض ميعادهم” (الأبدية)، فسيلقون الفشل ذاته، ذلك لأن أكثرية الشعب اللبناني ما زالت “ممانعة” (وهي الممانعة الفعلية) وصامدة، وما زالت تؤمن بإنجازات ثورة الاستقلال: “لبنان أولاً ويعني السيادة: الحرية الديموقراطية، العدالة!

وكل هذه الانتشارات الوهمية لنظام الوصاية لن تكون سوى “زبد” و”غبار”، لأنها وبكل بساطة، ليست في المكان الصحيح. لأن مكانها الأصلي هو الجولان! لا أكثر ولا أقل: ونطمئنهم بأن لبنان لن يكون مرة أخرى بديلاً من الجولان ولا حتى بديلاً من أي بقعة عربية!

لبنان تحت التهديد. نعم! ولكن لبنان أيضاً فوق التهديد!

وأخيراً هل تعرفون حكاية ذلك الاطفائي المهووس بالسادية والعدوانية: يُشعل الحرائق ليطفئها…
…وهل تعرفون هؤلاء الارهابيين الذين يُنتجون الارهاب ويُصدّرونه… لكي يكون لهم شرف مكافحته!
فيا للهول!