الأب الحبيس أنطونيوس شينا من سماء قاديشا إلى يمين الله

lebanon-saintsجورج حايك

في اليومين المنصرمين، شهد دير مار انطونيوس قزحيا التابع للرهبانية اللبنانية المارونية، حركة لافتة رغم الصقيع وبرودة الطقس، والسبب ليس عيد مار انطونيوس الكبير أب الرهبان الذي يصادف في 17 كانون الثاني الجاري، بل غياب الحبيس الأب انطونيوس شينا الذي أقام في محبسة مار بولا المجاورة للدير مدة تتجاوز الـ25 عاماً، وعاش فيها حياة نسكيّة انجيلية تقوم على الصمت والصوم والتقشف والتأمل بسرّ القربان الأقدس والصلاة والتوبة وتؤكّد أصالة اللاهوت الماروني وليتورجيته وخصوصاً ان الأب شينا هو إبن بقرقاشا التي ولد فيها العام1920. وهو سلك سبيل “الفلسفة” التي تكلّم عنها وحددّ أوصافها تيودوريطوس القورشي إسقف الرهبان الموارنة الأوّلين وعشيرهم ومدوّن سيرتهم. هي فلسفة العراء في الهواء الطلق في الجبل الأعلى، حيث يعرّض الحبيس نفسه لأخطار الطبيعة وأطوار الزمن. أما لسان حال المؤمنين المتقاطرين اليه والمتحلقين حول ضريحه الزجاجي داخل كنيسة مار انطونيوس فيسأل: هل سيصير قديساً ام لا؟ انه الوجدان الشعبي المتعطّش دائماً إلى شربل آخر يكرّس ما بدأه شربل الأول ويثبّت صوابية الروحانية المارونية التي تتوّج بمحبسة رابضة على قمة جبل أو في قعر واد.

الأب شينا شدّه الحنين إلى هذا التقليد منذ دخوله دير الابتداء في كفيفان واستمرّ معه عندما رسم كاهناً في كاتدرائية ستراسبورغ عام 1952، وترسّخ بعدما نال الدكتوراه في اللاهوت الأدبي1957، واكتمل عندما انتخب رئيساً على دير مار انطونيوس قزحيا. لكنه العام 1982، يوم عيد العنصرة، ترك كل شيء وسار في معارج الوادي المقدس، قاديشا، من الدير إلى محبسة بإسم شفيعه مار بولا. وما قاديشا الاّ طريق سابق يؤدي إلى ملكوت الله. والرب القدوس، محب البشر- الذي يعطينا وفق قلبنا- قد أجزل على الأب انطونيوس نعمته الالهية، لكي يحبّ الوادي، هو المولود فيه، فيدركه بحسّ روحي، ويسمع خفقات قلبه السريّة، وما هذه الخفقات سوى صلاة مستمرة ومناجاة وابتهال وتوبة إلى الرب.

أتيحت لي فرصة التعرّف إلى الأب شينا من كثب وبعمق اثناء اعدادي كتاب “نساك لبنان”. التقيته ناسكاً يتجاوز الثمانين، له لحية بيضاء، يشع من وجهه نور ناتج من نقاوة ذاته. كان كالرهبان القدامى تماماً مرهف الحسّ، الابتسامة لا تفارق وجهه، يرتدي الزيّ الرهباني الأسود ويغطي رأسه بالاسكيم. يمارس الأعمال اليدوية، كحراثة الأرض والعناية بالكرمة والأشجار، ويقضي أغلب الأوقات في الصلاة والتأمل.

لا أنسى لقائي الأخير معه عندما كانت عينتاه فرحتين بما كتبته عن نسّاكنا المستنيرين، وكم بدا خجولاً من النص الذي يخصّه. في الحقيقة كنت كلّ مرة أزور فيها الراهب – الناسك، انتقل إلى سمائه، إلى حال من الغبطة، فأجلس منصتاً امام قدميه لأستمع اليه كتلميذ، مدركاً ان ما يقوله لي ولآخرين يأتون بالعشرات للإسترشاد عنده ليس من تعليمه، انما هو جني الروح القدس. وهكذا كان يقدّم غذاء للبشر، لا من حكمة بشرية اكتسبها ولا من قدرته على شرح آيات الكتاب المقدس بأفصح بيان، بل من الروح القدس العامل في داخله. وكان يتألم من الأوضاع الاجتماعية المتفكّكة المتأتية من الحروب والإنحلال الأخلاقي قي القرن الحادي والعشرين، لذا كان يخصص وقتاً اضافياً طويلاً للصلاة من أجلها.

محبسة مار بولا المشرفة على الدير لم تفرغ من الزوار مرة طوال مدة نسكه، بل ان رجل الله، بما له من حياة متلألئة بالنور والمحبة ووجه نقي صاف منوّر كان يرفعهم إلى مشاهدة الله لأن انوار الروح القدس كانت تشع من قلبه المفعم نعمة. قد يستغرب البعض كيف هو كان حبيساً ويستقبل الناس! كان يشقّ عليه ذلك، لأنه يعرف تمام المعرفة ان قانون الحبساء غير متساهل في الشأن، الاّ انه نظّم الزيارات عبر حصرها بساعات محدودة ما قبل الظهر ثم يعود إلى الهدوء والصمت، وخصوصاً خلال الليل الطويل حين يكون وحيداً منخطفاً في تأملاته.

حكايات الزوّار عن الحبيس عديدة، وأكثريتهم كانوا يتكلمون عن أثر غريب يتركه في داخلهم، وبعضهم يتكلم بعفوية وحماسة عن اعاجيب وشفاءات حصلت بشفاعته، الاّ ان هذا الأمر يتطلب من الكنيسة تأكيده او نفيه. بعدما كسر وركيه وساءت اوضاعه الصحيّة نقل بأمر الطاعة إلى دير مار انطونيوس قزحيا، لكن الأب شينا لم يتخلَّ عن نهجه النسكي حتى في قلاية الدير، وامتنع عن استقبال الاناث والنسوة حتى فارق الحياة السبت الفائت.

لم يأت الحبيس انطونيوس شينا مصادفة إلى المحبسة، كونه وريث تراث نسكي سحيق، ورثه عن شربل وجماهير النساك السابقين الذين ملأوا وادي قاديشا بصوامعه ومغاوره. وهو سيمهّد الطريق لآخرين يختزنون في قلوبهم توقاً دفيناً إلى حياة نسكيّة صارمة يستمر فيها حتى اليوم الحبيسان الأب يوحنا خوند في محبسة طاميش والأب الكولومبي الأصل داريو اسكوبار في محبسة سيدة حوقا، حيث يعطّران البراري والجبال والوديان برائحة القداسة كما عطّرها الأب انطونيوس شينا.

1 thought on “الأب الحبيس أنطونيوس شينا من سماء قاديشا إلى يمين الله

Comments are closed.