حلف 8 اذار: النشؤ والارتقاء

zoghby

بقلم/المحامي الياس الزغبي

 بعد مضي 4 سنوات على انطلاق “تجمّع 8 اذار” في الحشد الشعبي الكبير في ساحة رياض الصلح، بات من المفيد القاء الضؤ على جذور هذا التجمّع وعلى حقيقة نشأته والظروف التي أدت الى تشكّله.

ومن السذاجة النظر الى هذه الحركة المؤثرة عميقا في مصير لبنان، كيانا ودولة ودورا ومعنى، وكأنها مجرد لقاء عفوي طارىء للقول “شكرا لسوريا” قبل شهر ونصف من انسحاب جيشها من لبنان، أو أنها فقط ترجمة شعبية لـ “لقاء عين التينة” وتعبير أوسع عن “اللقاء التشاوري” و”خلية حمد” وكل الخلايا التي أنتجها النظام السوري في السنة الأخيرة لعهده اللبناني.

ان “تجمّع 8 اذار” هو نتاج خطة سورية محكمة تضرب جذورها الى سنة 2000-2001، وهي سنة التحولات المفصلية: لبنانيا، الانتخابات النيابية ذات الدلالات التغييرية، اقليميا الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان ما أربك الشريك السوري الذي سارع الى نفض الغبار عن ملف مزارع شبعا لتعليق الورقة اللبنانية على مشجبه، ودوليا، الحدث التاريخي في نيويورك (11 أيلول 2001) وتردّداته الخطيرة.

 واذا كان لـ “8 اذار” وظيفة اقليمية ودولية عبر سلاح “حزب الله” ، فان وظيفتها الداخلية هي محور هذا البحث، انطلاقا من الاساس السياسي الاتي: “8 اذار” هي رد فعل على “14 اذار” وليس العكس. انها معادلة واقعية تخالف الترتيب الزمني المألوف وتنسف المتعارف عليه في الخطاب السياسي اللبناني العام.

 لماذا ارجاع نشؤ “8 اذار” الى 8 سنوات وليس 4 فقط، وكيف بدأ التأسيس لهذا الحلف بكل مكوّناته الراهنة بما فيها “التيار العوني” كعضو عامل وفاعل ومؤسس؟

 1 – دوافع قيام جبهة “8 اذار”

ابتداء من صيف العام 2000 بدأ مزاج لبناني جديد بالتشكّل: انتخابات نيابية أنبثقت منها حالة سياسية لرفيق الحريري أثارت حفيظة حسابات دمشق، تحوّل في موقف وليد جنبلاط نحو المطالبة باعادة تموضع الجيش السوري ما أدى الى تخوينه وهدر دمه، نداء تاريخي لبكركي أرسى أسس السيادة والاستقلال وأطلق جسما سياسيا حيويا تحت اسم “لقاء قرنة شهوان”.

 منذ ذلك الحين بدأ حلف ثلاثي لبناني يتكون بين المسيحيين والسنة والدروز (قرنة شهوان، جنبلاط  الحريري)، وكاد يصبح رباعيا مع نبيه بري الذي قمعت دمشق حركته نحو بكركي فصام شهرا وانكفأ. هذا الحلف غير المعلن شكّل في الواقع الأساس الاول لـ “ثورة الارز” وحركة 14 اذار 2005.

 توجّس النظام السوري شرا من الحالة اللبنانية الناشئة ومن تلاقي الطوائف والقوى السياسية، وهو الذي بنى حكمه المديد على تفريقها وتعميق التناقضات بينها، فقرر وضع خطة لضرب هذه الصحوة بسلاحها، أي انتاج “حلف  بين الطوائف والقوى السياسية لمواجهة وضرب الحالة الاستقلالية التي كانت في براعمها الاولى، اضافة الى السلاح التقليدي (القمع الامني) والذي تم استخدامه لاحقا “بجدارة”. 

2 – ” الشريك ” المسيحي

درس أهل الخطة السورية عوامل القوة والضعف لديهم، وتحققوا من قوتهم الاستثنائية في الطائفة الشيعية (“حزب الله” و”حركة أمل “)، وامكاناتهم الجيدة في أوساط السنّة (عمر كرامي، سليم الحص، أسامة سعد، عبدالرحيم مراد، ونواب – ودائع، وقوى متفرقة)، وقدرتهم على دعم مشاكسين في الوسط الدرزي (طلال ارسلان، القوميين، فيصل الداوود، مع استنباط مشاكسين جدد من صنع المخابرات).

لكنهم اصطدموا بضعف “الشريك” المسيحي في خطتهم: اذا كانت أوراقهم في الوسطين السنّي والدرزي كافية، وفق حساباتهم، لمواجهة الثنائي الحريري – جنبلاط، فان “الرموز” التي دعموها وراهنوا عليها في الوسط المسيحي (اميل لحود، الياس حبيقة، سليمان فرنجية، ونواب الحظوة، وبعض الودائع في الاحزاب المسيحية خصوصا حزبي الكتائب والقوات)، لم تكن مؤهلة لمواجهة الثنائي بكركي – قرنة شهوان، بسبب ضعفها الشعبي ومجافاتها للوجدان (السياسي) المسيحي.

 أمام هذه الفجوة المسيحية الكبيرة في “الجبهة” السورية المستحدثة، استنبط “العقل” المخابراتي في دمشق وعنجر فكرة استخدام الاحتياط المسيحي المتمثل بالعماد ميشال عون، والذي عمل السوريون سابقا على انتاجه، بالفعل أو برد الفعل، منذ دعمهم عون الى موقع قيادة الجيش، وحتى من خلال حربي “التحرير” و”الالغاء” وتصدّيه لاتفاق الطائف، وصفقة جلائه عن قصر بعبدا وترتيب منفاه المريح.

 لم تنقطع الاتصالات بين دمشق وعون طوال سنوات التسعينات، لكنها شهدت وتيرة متصاعدة بعد العام 2000 عملا بخطة المواجهة السورية للرباعي اللبناني ( بكركي، قرنة شهوان، جنبلاط ، الحريري ). سلكت هذه الاتصالات مسالك ثلاثة: الاول مباشر عبر لقاءات دورية في باريس بين عون وواصف شوكت (لم يكن بعد رئيسا للمخابرات) بترتيبات شارك فيها أكثر من شخص بينهم مراسل صحافي لصحيفة لبنانية، الثاني في حركة مكوكية لوزراء لبنانيين سابقين وموفدين بين دمشق وباريس، والثالث في التنسيق الدائم بين السفير السوري في واشنطن انذاك وليد المعلم وخليفته عماد مصطفى والفريق العوني هناك (طوني حداد وغابي عيسى الذي أصبح في نهاية العام 2004 مبعوثا لعون الى دمشق مع رسالة “صداقة” وتودد الى الرئيس بشار الاسد). وقد خضع التحالف السوري – العوني، في اطار 8 اذار الاصلية، لاختبارات ناجحة كان أبرزها حدث 7 و9 اب 2001 الذي كان منسقا بدقة بين عون والجهاز المخابراتي السوري اللبناني المشترك (عبر جميل السيد الذي كان على اتصال دوري بزعيم التيار العوني)، ثم اختبار الانتخابات الفرعية في بعبدا – عاليه سنة 2003 (حيث دعم الجهاز نفسه مرشح عون بشكل سافر)، وكان الاختبار الاقوى والحاسم في الانتخابات العامة في صيف 2005 والذي كان ثمرة 5  سنوات من التحالف والعمل الدؤوب، وتنفيذا أمينا لخطة (صفقة) عودة عون الى لبنان (تفاصيلها في بحثين نشرتهما “النهار” في 12- 2- 2007 و 4 – 11 – 2007). 

 3 –  مأزق الاباء المؤسسين

لم يكن احتفال 8 اذار 2005 سوى تتويج للجهود السورية على مدى خمس سنوات وتكريس النجاح الاستثنائي في استقطاب “الشريك” المسيحي القديم – الجديد المتمثل بالعماد عون عبر النفخ في طموحاته السياسية. وخلال هذه المرحلة كان الهم الاول للراعي السوري تقوية كل طرف من أطراف 8 اذار في بيئته، سياسيا وشعبيا، وأمنيا لبعضهم، طالما انه كان مدركا لحتمية خروجه من لبنان.

 وقد أولى عناية مركزة للحالة الشعبية لشريكه المسيحي الاثير، ولم يترك منشّطا الا واستخدمه لمضاعفة هذه الشعبية، من قمع واعتقالات وأحكام مدروسة وتضييق وتصريحات حادة واحداث مدبرة (7 اب) واستحقاقات (فرعيتي المتن وبعبدا- عاليه)، وكل ذلك بعيار مدوزن يعطي مفاعيله الشعبية بدون ايذاء كبير، ولم يكن انخراط عون في المرحلة الاولى من “ثورة الارز” الا للحفاظ على الزخم الشعبي لئلا تفلت الارض منه قبل أخذها الى ساحتها الاخيرة، ساحة 8 اذار.

 وهنا يمكن تسجيل ملاحظتين معبّرتين: الاولى عدم سقوط شهيد عوني واحد أو جريح رغم المواجهات الطلابية المتكررة طوال سنوات، بينما سقط لناشطين سياديين اخرين (قوات وكتائب…) شهداء وجرحى. والثانية تمتع دعاة” العونية” في الاعلام والتوعية السياسية والتعبئة والمحاضرات والندوات بنوع من الحصانة المكتومة برغم حركتهم القوية ضد النظام السوري ليلا ونهارا من عكار الى جزين وزحلة وكل مدينة وبلدة وقرية وعلى منابر كل الجامعات والمعاهد، فهل كانت المخابرات السورية ذات مستوى ديمقراطي رفيع وصدر سياسي رحب فلم تمسهم بضغط أو تهديد أو حتى تهويل؟ الحقيقة أنها عاملتهم بسياسة “تسمين الخواريف” ليوم المرفع! ونحن اليوم في زمن القطاف.

 وليس هناك ما يثير دهشة المراقبين، بل ابتسامتهم، اكثر من اصرار العماد عون وفريقه، حتى اليوم، على رفض تصنيفه في حلف 8 اذار بدون ان يثبت ما يميزه عنه، مع أنه من ابائه المؤسسين ومن غلاته في معظم الاحيان، تماما كما فعل ثلاث سنوات بمحاولة ايهام نفسه والناس أنه “متفاهم” مع “حزب الله” وليس متحالفا معه.

فهل هناك في القاموس السياسي تعريف لهذا الخطاب، وهل هو الديماغوجيا أم تعبير اخر؟

في الواقع، ان حلف 8 اذار قديم التكوين، وقد نجح مؤسسوه، خصوصا السوريين والعماد عون، في التستر على حقيقته خمس سنوات، وقد ذهبت ضحية هذا التخفي شرائح واسعة من اللبنانيين وتحديدا المسيحيين، وما زال قسم منهم ضحايا التوهّم حتى الان. وكانت اخر مناورات التخفي البرنامج الانتخابي الذي خاض العونيون الانتخابات على أساس عناوينه السيادية والاصلاحية، وحصدوا 22 نائبا و 70% من المسيحيين.

وبعد انتهاء الانتخابات باسابيع معدودة ارتد عون على أوراق البرنامج وأحرقها ورقة ورقة بخورا على ثلاثة مذابح: مذبح كنيسة “حزب الله” في الشياح، ومذبح كنيسة الملالي في طهران، ومذبح كنيسة البعث في براد، وانتظم بذلك علنا ونهائيا في الحلف الذي شارك في وضعه سرا قبل ثماني سنوات، وقد تلاشت الان قدرته على التمويه والمناورة الاّ أمام من صادر قدرتهم على التمييز، وبات شفاؤهم من التوهّم شبه مستحيل.

 ان حقيقة مأزق مؤسسي حلف 8 اذار تكمن في انكشاف “شريكهم” المسيحي القديم وفقدانه وسائل لعبة الايهام والهروب الى الامام. والمأزق يزداد صعوبة مع اقتراب الانتخابات النيابية، فكيف يتفادونه بدون تعطيلها؟ هل لديهم حل اخر؟

 **إعلامي وكاتب ومحلل سياسي

 بيروت في 8 آذار/2008