كم هو طريف الوزير وليد المعلّم!

d988d984d98ad8af-d8a7d984d985d987d8b6d988d985

 بقلم خيرالله خيرالله

من أطرف ما ورد في مقابلة أجراها السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري مع قناة “الجزيرة” مساء السبت الماضي وصف دولته بأنها “دولة مواجهة”. لم يخفِ ان بلاده “تسعى دائماً الى اوراق قوة” مشيراً الى ان “المقاومة حقّ مشروع للشعوب”. ما لم يقله الوزير المعلّم، الذي لم يجد من يوجه اليه سؤالاً مناسباً، لماذا جبهة الجولان مغلقة منذ العام 1974 ولماذا لم تطلق منها رصاصة واحدة ما دام الجولان محتلاً منذ العام 1967 ولماذا لا تقاوم سوريا من اجل استعادة ارضها ما دامت مؤمنة بالمقاومة. اكثر من ذلك، لماذا تفاوض سوريا اسرائيل من اجل استعادة الارض ولماذا هي على استعداد لخوض كل المعارك مع اسرائيل بأجساد اللبنانيين والفلسطينيين؟

 من يسمع الوزير المعلم يتحدث عن السياسة السورية، يظن ان بلاده حلت مكان الاتحاد السوفياتي، السعيد الذكر، الذي كان حتى اخر العام 1990 القوة العظمى الثانية في العالم. انه يعتقد بكل بساطة ان سوريا انتصرت على الولايات المتحدة وأن ذلك دفع بالاميركيين الى المجيء الى دمشق من اجل التكفير عن ذنوبهم. ذهب الوزير المعلّم الى حد التأكيد ان جيفري فيلتمان رئيس الوفد الاميركي حرص في العاصمة السورية على ايضاح انه لم يأتِ الى دمشق بصفة كونه السفير الاميركي السابق في لبنان الذي لعب دوراً مهماً في دعم “ثورة الارز”، بل بصفة كونه ممثلاً لإدارة جديدة ذات سياسة مختلفة عن الإدارة السابقة.

 نسي الوزير السوري امراً في غاية الاهمية. نسي ان اللبنانيين صنعوا “ثورة الارز” وأن اللبنانيين من كل الطوائف والمذاهب والمناطق، على رأسهم أهل السنّة، وليس الولايات المتحدة هم الذين أخرجوا الجيش السوري من لبنان. نسي بين ما نسي ان الولايات المتحدة كانت من اعطى الضوء الاخضر كي يدخل الجيش السوري الى لبنان في العام 1976 من اجل “وضع اليد على قوات منظمة التحرير الفلسطينية” حسب تعبير الدكتور هنري كيسينجر وزير الخارجية الاميركي وقتذاك. كيسينجر نفسه الذي كان مهندس اتفاق فك الارتباط بين سوريا وإسرائيل الذي وقع في العام 1974. انه الاتفاق الذي اصرت سوريا بموجبه على ان مزارع شبعا تابعة لها وأنها ليست لبنانية وقدمت الى الامم المتحدة خرائط في هذا الشأن.

 يحاول وزير الخارجية السوري قول كلام موجه للإستهلاك الداخلي الهدف منه رفع معنويات السوريين بدل مواجهتهم بالحقيقة المرة. تتمثل الحقيقة في ان سوريا دولة من العالم الثالث تعاني من ازمة عميقة على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وهي غير قادرة لا على الحرب ولا على السلام. كل ما هي قادرة عليه هو تصدير الامن والسعي الى ابتزاز العرب وغير العرب عن طريق لعب دور سلبي على الصعيد الاقليمي مستعينة بحلفها، المقدّس، مع ايران. ما يفترض بالوزير السوري الاعتراف به ان الاسئلة التي لم تطرح عليه في المقابلة هي الاسئلة المهمة وأنه ليس كافياً ان يمتدح العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز كي لا يعود مكان للأسئلة المحورية. في مقدم الاسئلة المحورية كيف ستتصرف سوريا عندما سيتوجب عليها التعاطي مع المحكمة الدولية التي ستنظر في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه على رأسهم النائب باسل فليحان وفي الجرائم الاخرى التي ارتكبت في لبنان بدءاً بجريمة التمديد لإميل لحود على الرغم من صدور القرار الرقم 1559 عن مجلس الامن التابع للأمم المتحدة.؟ هل هناك سؤال اهم من سؤال المحكمة يجيب عنه الوزير السوري، علماً ان جوابه معروف من الان وملخصه ان لا علاقة لسوريا بالمحكمة ولن تسمح بمحاكمة اي من مواطنيها خارج الاراضي السورية! كان مفيدا طرح مثل هذا النوع من الاسئلة للتأكد من ان لا علاقة للنظام السوري بالواقع وبما يدور حقيقة على الارض أكان ذلك في لبنان او في لاهاي مقر المحكمة الدولية التي صارت حقيقة!

لا تكفي العنجهية والمزايدات والشعارات من نوع شعار العمل من اجل وحدة العراق وعروبته وقيام الدولة المركزية فيه لإخفاء الازدواجية في الموقف السوري. لو كان النظام السوري حريصاً بالفعل على وحدة العراق وعروبته، لكان أول ما فعله السيد المعلّم هو إدانة الدور الايراني الداعم للميليشيات والاحزاب المذهبية في العراق. انها احزاب وميليشيات لا همّ لها سوى جعل الغرائز المذهبية تخرج عن عقالها… بما يصب في نهاية المطاف في خدمة المشروع الاسرائيلي في المنطقة. هذا المشروع الذي يدعي وزير الخارجية السوري ان بلده يقاومه…

 يبقى ان الوزير المعلّم، المعروف بظرفه وبديهته، تفوّق على نفسه في لعبة التذاكي على الاخرين والذهاب في الطرافة الى ابعد حدود. تحدث عن ادارة الخلافات العربية بطريقة حضارية مستشهداً بالاوروبيين. قال في هذا المجال ان “الاوروبيين يختلفون بين بعضهم بعضاً، لكنهم يحضرون القمة”. نعم هناك خلافات اوروبية ـ اوروبية، ولكن لا وجود لدولة اوروبية تهرّب اسلحة الى دولة اخرى. لا توجد دولة اوروبية ترفض ترسيم حدودها مع دولة اخرى. لا توجد دولة اوروبية تدعم حزباً مذهبياً مسلحاً مثل “حزب الله” يعمل داخل دولة اخرى ويوجه سلاحه الى مواطني تلك الدولة بحجة انه “مقاومة”. لا توجد دولة اوروبية، مهما كانت صغيرة او كبيرة تمارس الارهاب داخل دولة اخرى فتتخلص من الشخصيات التي لا تعجبها فيها عن طريق القتل والتفجير… فات السيد المعلم التاريخ الحديث للعلاقات السورية ـ اللبنانية، بعيداً عن الكلام الممل ذي الطابع الفولكلوري عن الجغرافيا وعن كون لبنان لا يمتلك حدوداً برية مفتوحة سوى مع سوريا وأن لسوريا “أصدقاء” في لبنان. تصرف وكأن شيئاً لم يحصل في السنوات الثلاثين الماضية… وكأن كمال جنبلاط ذهب ضحية حادث سير وكأن بشير الجميل ورينيه معوض والمفتي حسن خالد اقدموا على الإنتحار وأن رفيق الحريري قاد سيارته بسرعة جنونية وفقد سيطرته عليها، فإرتطم بحائط فندق سان جورج!!