المطران عوده: لنكون مواطنين صالحين في دولة واحدة لا دويلات فيها ولا انقسامات ولا قطاع طرق

bishop-elias_audi المطران عوده ترأس قداس الفصح في كاتدرائية القديس جاورجيوس: لنكون مواطنين صالحين في دولة واحدة لا دويلات فيها ولا انقسامات ولا قطاع طرق

أدعو جميع المواطنين إلى تحكيم ضمائرهم والتفكير مليا قبل اختيار ممثليهم

أيها الحكام قوموا بواجباتكم التي تنص عليها القوانين دون مواربة أو استنسابية

الشباب مدعوون لإنهاض وطنهم وإنقاذه واتخاذ المواقف الجريئة الواعية غير المتهوّرة

 وطنية – 19/4/2009 ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الارثوذكس المطران الياس عوده خدمة الهجمة وقداس الفصح في كاتدرائية القديس جاورجيوس في ساحة النجمة، في حضور وزير الاعلام طارق متري، النائب ميشال فرعون وشخصيات رسمية وحزبية وحشد من المؤمنين.

بعد قراءة الإنجيل المقدس، ألقى المتروبوليت عوده عظة قال فيها: “المسيح قام ـ حقا قام، فلنسجد لقيامته ذات الثلاثة الأيام. المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور. أيها الأحبة،

اليوم نعيد لذكرى انبعاث النور من القبر الفارغ، ذكرى قيامة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح من الموت وغلبته على الجحيم وانتصاره على الشر والظلم والحقد وكل المفاسد التي تعيق خلاص الإنسان. إنه عيد الأعياد وموسم المواسم كما ننشد طيلة هذا الأسبوع متبعين قول الرسول إفرحوا بالرب كل حين وأقول أيضا إفرحوا، لأنه لا ملجأ آمنا لنا سوى الرب الإله الذي لا ينافسنا على شيء ولا يسابقنا على شيء ولا يحسدنا على شيء ولا يرشقنا بالإتهامات بل يفتح ذراعيه لنا منتظرا توبتنا وعودتنا إليه في أي حين.

 يوم القيامة هو اليوم الذي يفتح لنا زمن الأبدية، الزمن المرتبط بالرب يسوع الممجد. هذا اليوم يدعونا الى الاتحاد بالمسيح الرب الذي هو حاضر في الزمن لكنه فوق الزمن، يدعونا الى الانتقال من عالم الظلمات الى عالم النور.

 المؤمنون يعلمون ان المسيح حي وأن عليهم أن لا يبحثوا عنه بين الأموات. إنهم يعلمون أنه والآب في قلوبهم: “في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وأنتم في وأنا فيكم” (يو 14: 21). هذه حال من يحب الرب يسوع ويؤمن به: “إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً ” (يو14: 23).إن الموت أتى بآدم أما الحياة فبالمسيح اتت: “فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضا قيامة ألأموات، لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيحيا الجميع” (1كو 15: 21-22). الظلمة كانت بالانسان الأول وأما الانسان الثاني، يسوع المسيح، فقد جاء نورا الى العالم لينتشل الماكثين في الظلام، العائشين في الخطيئة، الى الحياة في الله. إن كان الانسان متحدا بالمسيح فهو ميت عن الخطيئة وحي لله، والخطيئة لن تسود عليه. المسيحي مات عن الخطيئة ولا علاقة له بها فيما بعد. إنه لتناقض أن يحيا في الخطيئة لأنه ليس هو الذي يحيا بل المسيح يحيا فيه: “مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في “(غلا 2: 20). لذلك يحيا المسيحي باتحاد مع المسيح القائم. قيامة المسيح قد انتشلته بالكلية من أعماق الخطيئة والموت ورفعته الى بهاء المجد.

 ولو أن المسيح ظهر “في شبه الخطيئة” (رو 8 :3 ) فقد دان الخطيئة في جسده وحطم مملكتها بموته وقيامته. هذا الانتصار هو قاعدة تحرر المسيحي. المسيح قام من بين الأموات ليدخل الانسان في حياة جديدة، في حياة قيامية. في هذه الحال يطلب ما هو فوق ويهتم بما هو فوق لا بما على الأرض لأن حياة المسيحي مستترة مع المسيح في الله (كو3 : 1- 3). لذلك يطلب بولس الرسول من المؤمنين بالمسيح أن ” أميتوا أعضاءكم التي على الأرض: الزنى، النجاسة، الهوى، الشهوة الرديئة، الطمع الذي هو عبادة الأوثان…إطرحوا عنكم…الغضب، السخط، الخبث، التجديف، الكلام القبيح من أفواهكم. لا تكذبوا بعضكم على بعض إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه.”(كو3 :5 -10 ).

 في موسم القيامة المبارك هذا نتساءل ألم يحن موعد قيامة وطننا لبنان من آلامه؟

وطننا جريح يئن منذ زمن ولم يشف كليا بعد، وإن داويت جرحا أصيب بجراح، وكأن نصيبه من الحياة تَحَمُّلُ تَبِعاتِ الجميع، دون أن يدرك أبناؤه أنهم إن خسروه فلن يجدوا لهم وطناً بديلاً.

 تمر السنون، وتمر الإستحقاقات، وفي كل مرة نقول لعلها آخر التجارب وآخر الآلام، لكننا نستفيق على مشكلة جديدة وجرح جديد ونزف جديد.

فبعد التطاول على القوانين ثم على المواطنين وحياتهم وسلسلة الإغتيالات جاء دور الجيش، رمز الوطن وحاميه. الجميع يستنكر، والتصاريح تتسابق لتدين الإعتداء على أمن الوطن وهيبة الجيش، ثم تتكرر المأساة. فما دام الجميع متفقين على الإدانة، لمَ لا يتكاتفون مع القيادة لكشف الفاعلين ومعاقبتهم؟ إن لم يُجمع اللبنانيون، كل اللبنانيين، على احترام وطنهم وجيشهم، وعدم المساس بأي من مقوّمات هذا الوطن الذي هو مبدئياً وطن الجميع، فلن تستوي الأمور وسنخسر وطننا المثخن بالجراح بسببنا، وإن سكتنا على ما يقوم به هؤلاء الخارجون على القانون، عوض أن نتلاحم حول جيشنا، فسندفع جميعُنا ثمنَ تقاعسنا.

 الأحداث الأخيرة زادت المواطن إحباطاً، هذا المواطن الذي يعاني الأمرّين لكي يستطيع الإستمرار في عيشٍ لم تعد صفةُ الكريمِ تنطبق عليه. صعوباتُ الحياة تزداد والبطالةُ تستشري يوماً بعد يوم قاضمةً ما تبقى من أملٍ في نفوس الشبان والشابات الذين أمضوا سنين طوالاً في التحصيل العلمي وتجميع الشهادات ليروا أنفسهم عاطلين عن العمل، لا يجدون فرصةَ عملٍ أو وظيفةً في وطنٍ يَقهَرون أنفسَهم للبقاءِ فيه وعدمِ هجرته كما فعل الكثيرون من رفاقهم. هؤلاء الشبان، أملُ المستقبل، هم أمانةٌ في أعناق المسؤولين، كل المسؤولين، وفي أعناقنا. علينا الإهتمامُ بمستقبلهم وفتحُ الآفاق أمامهم وإعطاؤهم الفرص لا استزلامُهم وجعلهم من الأتباع الذين لا صوت لهم. علينا تنميةُ الحس النقدي عندهم والإستماعُ إلى آرائهم لا فرضُ آرائنا عليهم، لأن الشباب عنصرُ تغييرِ في المجتمع وتجديدٍ لصورة الوطن. فبقدر ما نساعدهم على صقل أنفسهم وتهذيبها وبنيانها، بالقدر ذاته نساعدهم على تغيير صورة مجتمعهم وتجلّيها.

 قد تكون الإنتخاباتُ القادمة فرصةً لهؤلاء الشباب للتعبير عن أنفسهم، وأنا أشجعهم، وأشجع جميع المواطنين على القيام بواجبهم. إنّ فِعْلَ الإنتخاب ليس حقاً وحسب بل هو واجبٌ وطني. أن تنتخب نائباً عنك يعني أن تختار وكيلاً عنك ليقوم بما يجب أن يقوم به في مجلس النواب من أجل مصلحتك أنت، المواطن. فإن اخترتَ إنساناً كَفُوءاً، يتمتع بالعلم والنزاهة والأخلاق والمعرفة وبُعد النظر والرؤية، وقبل هذا كله بالحس الوطني الصادق والإنتماء الفعلي إلى الوطن دون سواه، إن اخترتَ إنساناً صادقاً، أميناً، مترفعاً عن الصغائر، نظيف الكف والجيب ليكون ممثلاً لك في المجلس النيابي، تكون قد خطوتَ الخطوةَ الأولى نحو إصلاح الوضع الذي تشتكي منه. لذلك أدعو جميع مواطنيَّ، الشبابَ منهم والأكبرَ سناً، إلى تحكيم ضمائرهم والتفكير ملياً قبل اختيار ممثليهم، وليختاروا بعدها مَن يشاؤون أو مَن يَرَوْنَه صالحاً لتمثيلهم. وليعلموا أنهم مسؤولون عن اختيارهم لأن من انتدبوهم لتمثيلهم سيكونون الناطقين باسمهم خلال السنوات الأربع القادمة وسيتخذون القراراتِ باسمهم ويسنّون القوانين باسمهم ويقومون بكل واجبات النائب باسمهم. لذلك على المواطنين أن يختاروا مَن يَرَوْنَهُم أكفاء للقيام بهذه الأعمال، بل الواجبات، لا من يدفعون لهم أكثر أو يُغدِقُون عليهم الوعود الأكبر. وليحاسبوهم بعد ذلك على أعمالهم، لأن من واجب المواطن أيضاً أن يحاسب مَن اختارهم لتمثيله. فإن أبلوا البَلاء الحسن يشكرهم بإعادة انتخابهم، وإن أساؤوا الأمانة يحجب عنهم ثقته وصوته يوم الإنتخاب.

 وبما أن “كل اللبنانيين سَواءٌ لدى القانون، وهم يتمتعون بالسَواءِ بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم” كما تنص المادة 7 من الدستور اللبناني، وبما انه يحق لمن بلغ الخامسة والعشرين من العمر أن يرشح نفسه للنيابة، فإن هذا الأمر ينطبق على كل اللبنانيين المتساوين أمام القانون، وليس حَكْراً على شخص دون الآخر أو فئةٍ دون الأخرى، ولا ضَيْرَ من فتح المجال أمام كل من شاء ترشيحَ نفسه وتمثيلَ مواطنيه، على أن نحاسبه بعد ذلك، إن حظي بتأييد المواطنين وثقتهم، على أعماله لا على عدد سنواته. وكما جاء على لسان أحد أبطال الأديب الفرنسي راسين فإنّ قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد سنيه بل بإنجازاته وعقله الراجح وكرامته وعنفوانه.

 فيا أحبائي الشبان والشابات، كونوا واعين لحقوقكم ولواجباتكم ولا تتهاونوا في فعل ما يجب عليكم فعله، ولا تقولوا ما زلنا صغاراً والأيام أمامنا. أنتم مدعوون لإنهاض وطنكم وإنقاذه. أنتم مدعوون لاتخاذ المواقف الجريئة الواعية غير المتهوّرة. حاذروا الجهل والغوغائية ولا تجعلوا أنفسكم مطية لأهوائكم أو لأهواء أحد، ولا تكونوا دُمى يحرّكونها متى شاؤوا. لا تكونوا تابعين بل قياديين وأصحاب مبادئ. وحاسبوا من اخترتموهم لتمثيلكم. حاسبوهم على ما وعدوكم به ولم ينفذوه.

 حاسبوهم على ما قد يكونون أساؤوا به إليكم كمواطنين. ساعدوهم على العمل الدؤوب من أجل الوطن وعافيته واستقلاله وحريته وازدهاره لا على تحجيم الوطن والإساءة إليه واستغلال مناصبهم من أجل مصالحهم الخاصة. طالبوا النواب أن يكونوا مشرّعين وساهرين على عمل الحكومة لا أن يكونوا معقبّي معاملات لكم أو وسطاء، لأن من كان أهلاً لشيء لا يحتاج إلى الوساطة. وحاذروا أن ترضوا بأن يقتصر عملهم كنواب على زيارات التعزية أو التهنئة بالمناسبات، لأن عمل نائب الأمة أعظم من هذه الأمور، على أهميتها. وعوض الإحتفاء بهم والتراكض لنيل رضاهم عليهم الإحتفاء بكم والعمل بجهد لنيل ثقتكم.

 وللأكبر سناً منكم أقول لا تتقاعسوا عن القيام بواجبكم الوطني في اختيار مَن سيمثلكم لمدة أربع سنوات، وحكّموا عقولكم والضمائر قبل الإختيار كي لا تعودوا بعد حين إلى التذمر ممن اخترتموهم، ولومهم على عدم القيام بواجباتهم، والخجل بهم لأنهم لم يكونوا على مستوى تمثيلكم.

 وإلى المرأة اللبنانية أقول كوني مواطنة كاملة وتحمّلي مسؤوليتكِ على أكمل وجه. فأنتِ نصف المجتمع، ومن رحمكِ تولد الأجيال، وعلى عاتقكِ تقع مسؤولية تربيتها، فلا تستهيني بنفسكِ بل كوني أمينة لما حباكِ الله من مواهب ووزنات. ثمّريها وضاعفيها. إقتحمي كل المجالات لأنّ لا شيء ينقصكِ عن الرجل. قد لا يسهّل لكِ الرجلُ الطريقَ وقد لا تُفتح أمامكِ أبوابُ اللوائح وغيرُها من الأبواب، لكنّ مَن ثابر وجاهد وصل. ومَن يدري، قد يكون خلاص لبنان عن طريقكِ.

وللمرشحين، وما أكثرهم، أقول حكّموا ضمائركم أنتم أيضاً واحترموا ناخبيكم. إحترموا عقلهم والكرامة ولا تظنوا أنّ الناخب سلعة تشترونها بالمال أو الهدايا أو الوعود. ولا تظنوا أنّ جميع المواطنين يُشرَون ويُباعون. قد يدفع العوزُ بعضَهم إلى قبول هباتكم أو وعودكم، وقد يدفع الجهلُ بعضَهم الآخر إلى قبولها، لكن هؤلاء ليسوا كلَّ الناخبين، لأن في لبنان بشراً يتبعون عقولهم لا جيوبهم، ويحكّمون العقل لا العاطفة، وينتخبون ممثليهم بحسب كفاءاتهم وبرامجهم وماضيهم وأعمالهم وإنجازاتهم لا بحسب مواهبهم الكلامية ووعودهم العرقوبية أو أموالهم. وهؤلاء هم الذين يجب أن تعوّلوا عليهم ويعوّل عليهم الوطن، لأنهم لا يضعون مصلحتهم في المقدمة بل مصلحة وطنهم. هؤلاء لا يمكنكم شراؤهم لا بالأموال والهبات والتقدمات ولا بالوعود. هؤلاء عليكم إقناعهم. ولا تنسوا أنّ من يبيعُكم نفسَه قد يبيعها لسواكم، وقد يبيعكم للسوى.

 فحذارِ، حذارِ حكمهم وحكم التاريخ لأن التاريخ لا يحفظ إلا الأسماء الكبيرة والأعمال العظيمة. لقد ترك لنا التاريخ اسم بيتهوفن مثلاً أو جان جاك روسو أو شكسبير أو غاندي أو ديغول أو شارل مالك وغيرهم من كبار المفكرين والأدباء والفنانين والحكماء، لكن مَن منكم يعرف أسماء النواب في أيامهم أو أسماء الحكام؟ التاريخ لا يحفظ إلا أسماء العظماء ممن قدّموا للإنسانية أفكاراً أو أعمالاً عظيمة كانت نافعة للإنسانية وأغنتها. التاريخ يحفظ أسماء الذين يلعبون دوراً عظيماً في تقدّم الإنسانية وبناء الأوطان، والذين يعملون من أجل كرامة الإنسان والأوطان لا من أجل كراماتهم ومصالحهم على حساب الإنسان والأوطان. هؤلاء يلفظهم التاريخ وتلعنهم الأجيال.

 أما المرشحون، فإن أرادوا القيام بأعمال خيرية أو بتقديم المساعدات للمحتاجين فهذا عمل مبارك لا بل واجب على مَن أنعم الله عليه. لكن هذه الأعمال تمتد على مدى السنوات، بل على مدى عمر الإنسان ولا تكون قبيل الإنتخابات، كما هي حال تزفيت الطرقات من قِبل بعض النواب الذين يتذكرون حال الطرق المزرية قبل موعد الإنتخابات من أجل إعادة انتخابهم، كما يتذكرون أموراً كثيرة كان بإمكانهم القيام بها طيلة مدة ولايتهم ولم يفعلوا. فالمطالبة بالإنماء المتوازن وتحديث القوانين ومنها قانون الإنتخاب والإهتمام بالبيئة وبالشباب والكهرباء، المعضلة الدائمة، وغيرها من الموضوعات التي تطفو على السطح قبيل الإنتخابات، كان يجب أن تكون الشغل الشاغل للحكام والنواب طيلة ولايتهم وكان عليهم معالجتها منذ توليهم المسؤولية لا عند تركهم لها. التسابق يجب أن يكون على خدمة الشعب لا على استخدامه، وعلى تطبيق القوانين لا على استباحتها، وعلى التحالف من أجل الوطن لا عليه.

 أما لحكامنا، لجميع حكامنا، إلى أية فئة انتموا فأقول من واجب الحاكم أن يكون أميناً، عادلاً، نزيهاً، محقاً، محباً لوطنه ومواطنيه، عاملاً من أجل عزّته وكرامتهم، واضعاً مصالحه جانباً، مقدّّماً المصلحة العامة على كل مصلحة مذهبية كانت أو طائفية أو عائلية أو فئوية أو عشائرية أو ما شابه، لأنه عندما يكون الوطن بخير نكون جميعنا بخير، أما إذا كانت العائلة أو الفئة أو الطائفة أو العشيرة بخير والوطن يعاني فما المنفعة؟

 عليكم أيها الحكام أن تقوموا بواجباتكم التي تنص عليها القوانين، دون مواربة أو استنسابية. وعليكم تسهيل أعمال المواطنين وحياتهم، وأن تؤمّنوا لهم حقوقهم كاملة، على أن يقوموا هم بواجباتهم كاملة. كما أن عليكم أن تحاسبوا المواطنين على أي تقصير كما يحاسبونكم. فلا نعود نسمع بالهدر مثلاً، وعدم قيام الموظفين بواجباتهم، أو بتقصير الحكام عن تعيين الموظف الصالح في المكان المناسب. أليس واجباً عليكم ملءُ الشواغر في الوظائف العامة مثلاً؟ ما الذي يؤخركم عن ذلك؟ المحاصصة؟ هل ينص القانون على المحاصصة وعلى وجوب انتماء الموظف إلى هذه الفئة أو تلك، أم ينص على ضرورة كون الإنسان الذي تختارونه لوظيفة ما إنساناً نزيهاً، متعلّماً، ذا خبرة ودراية وكفاءة، مراعين باختياركم أحكام القانون؟

 لنتعلّم من الماضي ومآسيه ولنستخلص العِبَر من أجل أن ننمو باتجاه مستقبل زاهر نعيش فيه إخوة في وطن يحتضن جميع أبنائه. لتكن هذه الإنتخابات القادمة محطةً يعبّر فيها المواطنون عن آرائهم بصدق وبضمير نقي، ويقبل بعدها الجميع النتائج ويتكاتفوا من أجل البنيان.

 ولأحبائي الإعلاميين أقول جاهدوا من أجل خدمة الحقيقة لا سواها. فعلى عاتقكم مسؤولية كبرى، خصوصاً في ايامنا هذه حيث أصبحت المعلومات مباحة للجميع. توخوا الصدق في كل ما تقولون وتتبّعوا الحقيقة ولا تنقلوا ما قد يؤذي بل كونوا دعاة سلام ووفاق. ركزوا على ما يجمع لا على ما يفرّق. لا تجعلوا الكلمة وسيلة للإسترزاق أو الإستزلام بل انطقوا بالصدق ولو على حساب مصالحكم. وتذكروا أن بعضاً من رفاقكم دفعوا دماءهم من أجل هذا الوطن، وأن الكثيرين منهم، منذ ما قبل الإستقلال حتى اليوم استشهدوا من أجل قول الحق.

إن الإعلام نعمة أُعطيت لنا لأن الإنسان متعطشٌ إلى المعرفة، وعلى وسائل الإعلام أن تؤمّن له المعلومات الصحيحة التي تبني وتُغني، لا المعلومات المشوّهة التي تؤذي. إن مبتغى من يسعى إلى المعرفة أن تكون معلوماته صحيحة، نقية من كل شائبة، موثوقة، لذلك مهمة الإعلامي دقيقة وصعبة وتتطلّب أحياناً كثيرة التضحية لأن الإعلامي الحقيقي الصادق والشفاف يقول الحقيقة ولو كانت عكس قناعاته.

فيا إخوتي الإعلاميين، كونوا على مستوى المسؤولية الملقاة على عواتقكم في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها وطننا، واعملوا بما تمليه عليكم ضمائركم، إعملوا من أجل خير وطنكم فتكسبوا ثقة مواطنيكم واحترامهم.

 دعائي في هذا العيد المبارك أن يبعث ربنا الناهض من القبر نوره في قلوبنا لكي تنقشع الغشاوة عنها وعن عيوننا فلا نعود نسعى إلا إلى الخير والحق والصدق والعدل. ليُبعد عنا كل ظلم وحقد وسوء ويُعِم سلامه في وطننا وفي العالم أجمع. ليُلهم حكامنا ما هو خيرٌ لنا ولوطننا، وليُعطنا جميعاً أن لا ننطق إلا بالحق وأن لا نفعل إلا ما يرضيه ويرضي ضمائرنا وأن نكون قدوة، مواطنين صالحين في دولة واحدة موحدة قوية حرة مستقلة لا دويلات فيها ولا انقسامات، ولا قطاع طرق وطرق مقطوعة، ولا تجار مخدرات او خارجون على القانون يعتدون على امن الدولة وحياة المواطنين وممتلكاتهم. ليعطنا أن نكون شعباً متراصاً حول رئيسه وجيشه وحكامه، ولاؤه الأوحد للبنان وعنوانه المحبة والانفتاح والديمقراطية والحرية. دعائي الى الرب القائم من بين الأموات أن يعطينا الحكمة والصبر والهدوء لنكون جماعة كثيرة العمل والانتاج، قليلة الكلام والزعيق، جماعة تعمل بصمت واندفاع لتعيد بناء وطنها على أساسات صلبة وتبهر العالم بانجازاتها الحضارية.

حفظكم الرب وأعاد الله عليكم هذا العيد المبارك الى سنين عديدة”.