بعد القضاء، جميل السيد يدّعي على شهداء الصحافة الأحياء

may2

  بقلم ميرفت سيوفي

 أسوأ ما قد يقرأه مواطن لبناني وهو يتصفح أخبار لبنان “الإغريقية” هذه الأيام في ملاهيها ومآسيها، والتي أصبحت كمن يستمع لأساطير “التنين” الذي يبتلع الناس أو حكايا الخرافات المذهلة، أسوأ ما قد يقرأه مواطن قرأته بالأمس، وشعرت برغبة شديدة في البكاء وأنا أصغي إلى خبر اخترق أذني كانفجار صاعقة في فضاء الخواء، الخبر زفّته لنا الإذاعات، فخامة رئيس البلاد استقبل اللواء المُخلى سبيله جميل السيد، حلّت النعمة والبركة على القصر الرئاسي، والسيّد “فرفح” قلبه عندما اشتم من جديد عبق السلطة في أروقة بعبدا.. ولوْ، يا فخامة الرئيس!! ونعرف الجواب سلفاً: إنه “مواطن”، والمواطنون في هذا البلد “مقامات”: ناس للدَّعْوسة، وناس للتقديس!!

 لم يغلب رغبتي الشديدة في البكاء لخبر استقبال الرئيس ميشال سليمان للواء السابق جميل السيد، سوى رغبتي في الضحك الشديد وأنا أقرأ خبراً آخر على أحد المواقع الألكترونية، لم تصدق عيناي ما أقرأه أولاً، بذلتُ جهدي، استجمعتُ تركيزي وتأكدتُ اني كنت أقرأ ما أقرأ وأنا في كامل قواي العقلية، بعدما خفتُ أن يكون الخبر الأول ذهب ببعض منها، لم ألبث أن تيقنت مما قرأت، وسأنقله إليكم كما قرأتُه: “تبلغت الإعلامية مي شدياق دعوى المحامي مالك جميل السيّد عليها بجرائم الافتراء والذم والقدح واختلاق الجرائم من خلال ما بدر منها في حلقة برنامجها «بكلّ جرأة». وعيّن قاضي التحقيق الأوّل في بيروت غسان عويدات يوم الخميس في 9 تموز المقبل موعداً لجلسة استجواب شدياق”!!

 بشرفكم، أليس الخبر مثيراً للضحك إلى حد طوفان الدموع، أكثر ما أضحكني “الجرائم” و”اختلاق الجرائم”!!! يا سلام، على الأطهار الأخيار الأبرار، أصحاب الجنة الذين يدخلون من يشاؤون بسطوة جبروتهم إلى النار، “السادة” أبناء “الأسياد”!!

  حديثاً اكتشفنا هذه الرغبة الجامحة عند اللواء السابق جميل السيد بالتفوق على الجميع لأن “جدّه” صاحب “النسب الطاهر المطهّر”، فأين ستفرّ منه زميلتنا المواطنة إبنة المواطن إبنة موريس الشدياق!!

 عندما يساق الشهداء الضحايا إلى القضاء، بل عندما يُهدد القضاء نفسه بسوقه إلى السجون، وعندما يُهدد جميل السيّد مدعي عام التمييز سعيد ميرزا علناً وعلى الشاشات وعلى مسمع العالم، ويُهدد معه قاضي التحقيق صقر صقر وعلى رؤوس الأشهاد، عندما يهدد السلطة القضائية بأنه سيحاكمها ـ على اعتبار أنه لم يتقبّل بعد أنه لم يعد يملك من سلطته القديمة سوى التهديد الذي أصبح علانية عبر الأثير بعدما كان عبر أسلكة الهاتف ـ ولا يجد من يطالب بمعاقبته على تهديداته،

أتساءل ماذا سيكون حال ابن منيف عويدات ابن العائلة العريقة في القضاء القاضي غسان عويدات وعائلته بعدما سمع “أكبر رؤوس” القضاء تهدد، ماذا سيفعل العزيز أبو منيف ودالية، وزوجته الغالية الدكتورة لينا ابنة أسعد عويدات، ماذا سيكون حال القاضي غسان عويدات وعائلته إذا ما استعاد شريط تصريحات جميل السيد وغضب المقاومة الذي سيحل عليه، إن خالف ادّعاء ضابطه “المقدّس” ؟!

  وماذا سيفعل أيضاً عندما يحدّق في وجه زميلتنا مي شدياق وينظر إلى يُسراها “الفخورة بها” والتي تشبه يدها التي كانت، وإلى ساقهاالتي تستند على عصا الشهيد جبران تويني وهي تقف عليها، هل سيستطيع أن يسألها حرفاً؟!

 نحن في زمن “حاكم” فيه جميل السيد منذ أيام قليلة وفي دقائق لبنان بأكمله، فضلل سعد الحريري واتهمه ببيع أبيه، وسامح وليد جنبلاط لأنه مهضوم، وحاكم القضاء وهدده بزجه في السجن، ولم يتبقَ له إلا محاكمة الشهداء الأحياء لأنه لا يملك محاكمة الأموات إلا بتشويه سيرتهم!!

 ماذا تبقى بعد من كل الشهداء؟ أي وجه وأي صوت ما زال يذكّر بدماء رفيق الحريري ورفاقه ويصرخ من أجل حرية لبنان واستقلاله؟ هل سيلمح القاضي غسان عويدات في العينين العسليتين اللتين بكتا على الشاشة طيف جسد سمير قصير الذي طارده تهديد جميل السيد حتى الاستشهاد؟! هل سيلمح طيفه وهو متكىء على مقود سيارته مفارقاً حياته وربيعه بعدما اعتقد خاطئاً مثلنا كلنا أن لبنان انتصر في  14 آذار الـ 2005 وعلينا أن نرتاح قليلاً!! هل سيلمح في عينيها طيف جورج حاوي مضرجاً بشهادته وصورة هسام هسام، أم جسد الياس المر على قارعة الطريق، وهل سيلمح بقايا يدها وساقها التي نسوها في السيارة!! أم مواضع البتر ومباضع الجراحين التي مزقت من جسدها ما لم يمزقه الانفجار؟! أم سيلمح تحت ثيابها ستر الحرائق الخجلى مما أصابته منها!!

 أليس هذا أمراً يستدعي الضحك حتى الموت من شدة الحزن أو الغضب لا فرق، عندما يُساق الشهيد إلى القضاء لأنه قال الحق والحقيقة التي من أجلها فجّروه، وما زال مصراً على قولها، وأتخيّل ـ وحاشا لعزة جلال الله ـ أتخيّل “القضاء الإلهي” لحظة نجاتها يمدّ لسانه شامتاً بالقتلة، يسخر منهم قائلاً “موتوا بغيظكم”، أنا أحيي وأميت…

 المفارقة المضحكة المبكية لكأنها توقيت متعمّد!! مي شدياق تساق الى القضاء في 9/7 وانفجارها حمل الرقم 14، يعني 7+7، وحصيلة 9+7 هي ايضاً 7 (6+1) والأسوأ ان الانفجار كان في يوم حمل تاريخ 25، يعني 7 (5+2)، ولوه… شو هالسبعات المقلقة والمنجية، يا اهل علم الارقام اغيثونا!!

 أما “أحبائي” الزملاء في مهنة الصحافة، الصامتون على اعتبار أنهم موضوعيون، ورؤوس نقاباتنا الغائبون عن كل ما يتعرض له الجسم الصحافي من اعتداءات وتطاولات وانتهاكات، وإن فعلوا شيئاً اكتفوا بإصدار بيان، “أكبر راس” فيكم ـ لأنها رمزكم الحي ـ سواءً “أعجبكم أم لم يعجبكم” هي زميلتكم مي شدياق، لقد بدأوا بالقضاء وإعلان بدء زمن معاقبته، والآن جاء دوركم أيها الأعزاء، حرية الصحافة السلطة الأخيرة المطلوب اغتيالها وإسكاتها، مي شدياق اغتيلت عنا جميعاً لنظل نكتب ونحكي ونصرخ ونطالب بالحقيقة ولبنان السيد الحر المستقل، إنهم يسوقوننا جميعاً إلى القضاء بعدما هددوا القضاء عن بكرة أبيه!!

 مي شدياق يحاولون اغتيالها للمرة الثالثة، “السيدة” ستساق إلى المحكمة، أتساءل فقط: أي قضاء سيجرؤ على النظر في وجهها والنطق في حضرة تضحياتها وشهادتها؟! تباً لزمنٍ ووطنٍ يقبل أن يُساق شهداء حريته إلى المحكمة!! أقول لكم: تباً لنا جميعاً، وبالمحكية اللبنانية الكلمة التي تناسب موقفنا أكثر: “تفو علينا كلنا.. قشّة لفّة”!!