المواجهات الأولى… للتاريخ، معارك سوريا في لبنان – الجزء الاوّل. (كتاب للصحافي كلوفيس الشويفاتي)

clovis-chouafati

منصور بوداغر

في نادي الصحافة يوم الخميس الواقع فيه 28/5/2009، وقّع الزميل كلوفيس الشويفاتي كتابه الثالث، وهو الجزء الاوّل لـ “قصّة 15 عاماً من المعارك السورية على لبنان”.

“…للتاريخ”، هذا ما حمله عنوان الكتاب… أو ان الكتاب واللقاء في نادي الصحافة كانا فقط للذكرى؟ أراد كلوفيس شويفاتي تقديم توثيق وعرض مفصّل لما فعله الجيش السوري في لبنان منذ تاريخ اختراقه الحدود اللبنانية عام 1975… ذلك الجيش الذي أصبح في ما بعد “ضروري، شرعي وموقّت”، كما ارادته لغة عملائه الخشبية… حتى تاريخ انسحابه غير المشرّف عام 2005 بُعيد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري…

هل هم قلّة الذين يستطيعون الاحاطة بالموضوع  او الاجابة عن سؤال الذاكرة الجماعية اللبنانية (وخصوصاً المسيحية)، لا سيّما بعد محاولات غسل الدماغ وتزوير التاريخ – تاريخ لبنان المجيد – ومقاومته البطلة (بنسختها الأصلية الأولى طبعا)… تحريف تمّ طيلة تاريخ او فترة الهيمنة السورية المطلقة على لبنان، وخاصة ما بعد انتهاء الحرب اللبنانية في التسعينات.

الصحافي كلوفيس الشويفاتي جرح حيّ شاهد لوجود العسكر السوري على أرضنا. والده خُطف وعُذّب على يد قوّات السوري المنتشرة في الشمال، وعائلته تفرّقت لفترة طويلة بعد معركة بلدتهم “بلاّ” (مسقط رأسه الذي هاجمته المسماة قوّات الردع العربية – تسمية مهذّبة – للقوات السوريّة الغاشمة التي فتكت بلبنان…) وإن ننسى – كلوفيس شويفاتي أرادنا ألاّ ننسى… وهذا ما حثّنا عليه من خلال كتابه الذي أراده شاهداً وذكرى…

يستعيد كلوفيس في كتابه المعارك التي خاضها، حتى لا نقول المجازر التي ارتكبها الجيش السوري في لبنان. يستعيدها بحسرة وقهر وبدقائقها، هو الذي استعان ليس فقط “بالمراجع” إنما أيضاً “بالمصادر الحيّة التي صنعت أو عايشت أو شاهدت الاحداث” التي رافقت التواجد السوري في بلاد الأرز، “وهذا الامر هو أهم ما يميّز الكتاب” على ما ذكر العميد الركن بول فارس في كلمته خلال حفل التوقيع.


تخلّل الحفل ندوة حول الكتاب شارك فيها كل من الاعلامي وليد عبود، العميد الركن بول فارس، مدير عام محطة “نورسات” ريمون ناضر الى جانب الكاتب كلوفيس الشويفاتي. وسنقف مع كلماتهم التي هي أبلغ من أيّ كلام آخر ناقدٍ أو شارحٍ لكتاب يروي مرحلة مأساويّة من تاريخ لبنان.

الكلمة الاولى كانت للاعلامي وليد عبود الذي استهلها بتوجيه “تحيّة إلى شهداء الامس الاحياء منهم والاموات لأنهم ضحوا عنا ومن أجلنا وفي سبيلنا ولم يسألوا ولم يشككوا… وتحيّة إلى أبطال الامس ومقاوميه لأنهم رسموا بمقاومتهم أفقاً آخر للبنان”. “فاليوم هو ثمرة الامس وصمود اليوم هو ثمرة مقاومة الامس واستقلال اليوم هو ثمرة دماء الامس”.

واستعرض عبود خمس “نقاط حقائق” استوقفته في الكتاب:
الحقيقة الاولى هي التحيّة التي وجهها كلوفيس الشويفاتي إلى “من كتبوا بالدم ملحمة الصمود اللبناني في الربع الاخير من القرن الفائت”. ووصف عبود الكتاب بنُصُبِ المقاوم المجهول في بلاّ والاشرفية وقنات وكور والارز والقاع وسواها من المناطق.

والحقيقة الثانية أنّ الكتاب يشكل إعادة اعتبار لأحزاب المقاومة اللبنانية وحركاتها وتنظيماتها المختلفة وإلى الاطار التنظيمي الذي وحّد بينها لاحقاً، أي القوات اللبنانية. هذه الاحزاب “هي من دافع عن الكيان حين صعب الدفاع عنه وحين جَبُنَ كثيرون وتخاذل كثيرون وهرب كثيرون واستسلم كثيرون”. وإعادة الاعتبار هذه ترفع اليوم إلى من يتشدق ليل نهار بالدفاع عن مصالح المسيحيين وحقوقهم ومن يتهم الاحزاب المسيحية التاريخية بالتفريط بمصالح المسيحيين، فالتراب خير شاهدٍ على أيّ شهيد والدم أصدق إنباءً بكثير من الشعارات الفارغة والاستعراضات الكلامية والديماغوجية القاتلة.
الحقيقة الثالثة أنّ الجيش اللبناني، وفي محطات كثيرة، كان في طليعة المقاومة اللبنانية دفاعاً عن سيادة منتقصة واستقلال منتهك. وهذا ما حصل في الفياضية والعاقورة وأماكن أخرى من لبنان.

الحقيقة الرابعة أنّ النظام السوري يتحمّل مسؤوليّة معظم الحوادث والمجازر التي حصلت وارتكبت في لبنان منذ العام 1975. فسرعان ما تحوّل الجيش السوري من “حلّ” في العام 1976 عبر قوات الردع العربية، إلى مشكلة مستمرّة لمدة 30 عاماً، ولم تنتهِ إلا بخروجه من لبنان في ربيع عام 2005.

الحقيقة الخامسة هي أنّ الكتاب يُذكّر بأنّ أحزاب المقاومة اللبنانية هي التي أشعلت الشرارة الاولى لثورة الارز وانتفاضة الاستقلال. فلولا هذه الانتفاضات المتنقلة منذ العام 1976 من الفياضية وعين الرمانة والاشرفية وغيرها لما كانت الشعلة وصلت إلى ساحة الشهداء في العام 2005 لترسم طريق الاستقلال الثاني للبنان واللبنانيين.
ولفت عبود إلى أنّ الصحافي لدى البعض هو مؤرّخ اللحظة، لكن هذا الكتاب يُثبت أنّ كلوفيس الشويفاتي ليس مؤرّخ لحظة فحسب، إنما هو مؤرّخ ما قبلها وحتى مؤرّخ مرحلة بأكملها.

لعميد الركن بول فارس تحدّث عن ظاهرة الحرب إجمالاً فقال إنّ الحروب ساهمت في تغيير مجرى التاريخ وشكّلت محطات حاسمة أصبح يؤرّخ لما قبلها وما بعدها. وكتاب كلوفيس الشويفاتي يطرح، ككل كتب التأريخ للحروب، إشكالية الحرب والتاريخ. فهناك حروب لأنّ هناك تاريخ، وهو  الذي بدونه لن نعرف بها. والتاريخ بدوره مرتبط بالكتابة، لذا فنحن نعرف عن الحروب منذ ثلاثة آلاف عام فقط. ولكن هل أرّخت هذه الحروب بشكلها الصحيح؟ فالحروب القديمة كتبها المنتصرون على طريقتهم، ولذا فهناك قسم من الحقيقة غائب. وحتى في الحروب الحديثة فالصحافي أو المؤرّخ لا يعلم كل ما جرى، ولذا فإنّ الحقائق التي تظهر هي أقل بكثير من الحقائق التي بقيت مخبأة في كواليس المخابرات والمؤامرات. هذا فضلاً على أنّ هناك تشويه متعمّد كون من يكتب يتأثر أحياناً برغباته أو بقضيّته فيذكر ما يوافق أهواءه ويخفي ما يُعارضها. وهناك التشويه غير المتعمّد إذا إنّ المؤرّخ غالباً ما يستند إلى المراجع ومنها ما يمكن أن يكون مغلوطاً.

والمهم في كتاب الشويفاتي، بحسب فارس، هو ما ورد في آخر صفحة المراجع المهمّة لديه ألا وهو “المقابلات والشهادات التي أُخذت من المقاتلين والاشخاص الذين كانوا في صلب الاحداث”. ففي ذلك قفزة من المراجع إلى المصادر التي هي أهم بكثير من المراجع…وإن تعرضت تلك المصادر بدورها للشك أحياناً، كونها تقوم على الانسان (على ذاكرته)، والذي غالبا ما ينسى بعض التفاصيل ودقائق الامور.

واعتبر فارس أنّ الكتاب سلّط الضوء على مرحلة هامّة وأنّه أثّر فيه كثيراً، فقد تذكّر أشخاصاً كان يعرفهم وغابوا، ودعا الشويفاتي إلى متابعة عمليّة التأريخ إذ لم يمض وقت طويل على الامور كي تُنسى. ودعا المؤرخين إلى التأريخ لمعاركنا مع الفلسطينيين ومع الاسرائيليين، وألاّ ينسوا تأريخ الحروب التي حصلت في ما بيننا على أمل أن نستخلص منها ومن أخطائها العبر والدروس وأن نسلّط الضوء على التعايش الذي قد يُساعدنا على العبور ليس إلى الدولة وإنما إلى الوطن الذي لم نبنه حتى حينه.

مدير عام محطة نورسات ريمون ناضر وصف الكتاب بـ”الموجع”، فما “تقرأه فيه هو شهادة حياة كنت أقرأها في الوجوه نفسها التي تروي القصّة نفسها التي كتبها كلوفيس في كتابه”.

أضاف: “ربما لا أحد يستطيع أن يحكي عن الحرب إلا من عاشها”، وجع الحرب تصفه كلمات أغنية تقول: (اللي عم يحكو اليوم/ هودي غير اللي ماتو/ المعتّر بكل الارض/ بضل دايماً هوي ذاتو/ نحنا عم نحكي بس اللي ماتو… ماتو/ نحنا عم نحكي عنون، بس لولا منون نحنا/ مش هون تنحكي).

وتابع: بعد الحرب كنا نسمع عدة صفات تطلق علينا: “زعران”، “حراميه”، “مخربين” … أسمعها فأضحك في الظاهر وأتوجع في الداخل. فهذه النعوت كانت تطلق على أشخاص سمعت آخر دقة قلب لهم بين يدي، كنت أسميها “دقة الاأدية”، أشخاص انهمرت دماؤهم على أيدينا.

رفاقي هؤلاء رأيت أهلهم مشرّدين وأولادهم “معترين” يفتشون عن وظائف، وسأل ناضر، كيف يمكن لشخص “أزعر” أن يبذل حياته في سبيل الاشخاص الذين خلفه؟ وتابع بوصفه المآسي التي عاشها المقاومون في حياتهم العسكرية والعائليّة على السواء، “فلماذا شوّه التاريخ بطولاتهم حتى هذه الدرجة؟ يجيب ناضر “بعض الحق يمكن إلقاؤه على الشر الكبير في هذا العالم الذي شغله الشاغل تحويل القداسة إلى نجاسة، وهناك جزء من الحق علينا نحن…، لذا أتمنى أن يُكتب ألف كتاب ككتاب كلوفيس وأن يقوم كل مسيحي عنده قلم يكتب بإعطاء شهادة حياة…

كلوفيس الشويفاتي ختم المداخلات وقال: “الحدث عند وقوعه يولّد مأساةً وجراحاً ودموعاً، ولكن لدى تأريخه يتحوّل فخراً وعزّةً والأهم عبرةً”. أضاف: “حقائق مرّة ومذهلة اكتشفتها أثناء التنقيب المضني عن أحداث هذا الكتاب”، أوّلها أنّ الذين واجهوا الجيش السوري كانوا في مُقتبل العمر، ومعظمهم لم يتجاوز العشرين، وأكبرهم سقط وهو ما دون الرابعة والعشرين. ثاني الحقائق أنّ موازين القوى لم تكن متكافئة، فكان ميزان القوى دائماً لمصلحة الجيش السوري وبفارق كبير جداً في العديد والعتاد.
ووصف الشويفاتي رحلة الحصول على الصور والمعلومات، فهي “كانت مرهقة جداً”، وكان هناك المفرطّون بالتعاون إلى الحذرين، إلى الذين راحوا يتحقّقون عني، “وقبل كلّ مقابلة كنت مجبراً على شرح ماذا أفعل ولماذا هذا الكتاب”، وأن أجيب عن عشرات الاسئلة. وأوضح الشويفاتي أنّه لم يكتف برواية واحدة بل سأل عدداً كبيراً من الاشخاص عن واقعة معيّنة، وجمع بالنتيجة المعلومات المشتركة لتكوين الحقيقة، وقابل أكثر من 170 شخصاً كانوا في صلب الاحداث.

وختم الشويفاتي بأنّ “الدقة والامانة التاريخيّتين تقتضيان البحث عن الحقائق لا طمسها. فهذه الاحداث وهذه الدماء هي التي أبقت نبض الحريّة في الصدور، فكانت المقاومة والمعارضة والممانعة ومن ثمّ الانتفاضة التي أسّست للاستقلال الثاني. حقائق هذا الكتاب هي معبر إلى حق وطن وأرض وشعب تعذّب وظلم واضطهد على مدى ثلاثة عقود. حقائق هذا الكتاب هي منعاً لتزوير التاريخ، هي منعاً لشطب الاسماء، هي منعاً لتبديل الوقائع…”