“الانسان الوطن الحريّة”… مذكرات الأباتي بولس نعمان

bachir-naaman

منصور بو داغر

 “لأن وراء هذه الكلمات السحرية الثلاث، الإنسان والأرض والحريّة، تاريخًا من النضال يرتقي إلى أكثر من ألف وخمس مئة سنة”.

يوم الخميس الواقع فيه 18 حزيران، وفي قاعة “يوحنا بولس الثاني” داخل حرم جامعة الكسليك، وقّع الأباتي بولس نعمان كتاب مذكراته “الانسان الوطن الحريّة”. حضر حفل التوقيع حشد كبير من الشخصيات الفكرية، وتخلّلته مداخلات لكل من الوزير السابق ميشال إده، رئيس تحرير جريدة الانوار رفيق خوري، الصحافي والكاتب أنطوان سعد الذي أعدّ مع الأباتي نعمان مذكراته، وقدّم لهم الاعلامي جورج غانم.

الوزير السابق ميشال إده استعرض أبرز مفاصل الكتاب مثنياً على غنى المعلومات فيه لشخص عاصر الاحداث اللبنانية بحلوها ومرّها. كما نوّه ببعض الذكريات المشتركة مع الأباتي نعمان، كمشاركتهما في ندوة عنوانها “الموارنة أرض وشعب” عام 1981 بمناسبة عيد مار مارون، بدعوة من “الباش” يومها، بشير الجميّل. وقد طلب إده وقتها من الأباتي تبادل الادوار، فتكلّم إده عن الشق الروحاني، وتكلّم الأباتي عن الشق الوطني والسياسي. وقد علّق الأباتي على الحادثة في مذكراته بقوله “أخذوا الدور الوعظي وتركوا لي الدور الصعب، السياسي”.

رئيس تحرير جريدة “الانوار” رفيق خوري تحدّث في الاهميّة التاريخية للكتاب واستعادتها لمختلف خيارات الموارنة السياسيّة والنتائج التي خلفتها عليهم. واستعاد قول توماس فريدمان “رجل واحد وحقيقة يشكلان أكثريّة”، وقال: “ها نحن في حضرة رجل واحد وحقيقة.. رجل قال الحقيقة وشهد للحق وهو الاهم من الحقيقة.. رجل عرف كيف يعيش في عالمين.. راهب ترهّب لمسيئيه من دون أن يترهّب عن قضايا الانسان، وامتلك الشجاعة لمواجهة كل ما يُلهم لبنان والانسان.. من هذا المنطلق والايمان لعب الأباتي نعمان دور المحاور والمحور.. حاور نخبة المسلمين والسوريين.. ولعب في الوقت نفسه دور المحور في الاحداث، فعمل في المقاومة.. وساهم في كل محاولات المصالحة بين الاطراف، ولم يكن العمل الفكري غائباً عن حياته، فأسّس مركز البحوث في الكسليك..”. وختم خوري بالقول: “أعطانا الأباتي نعمان في مسيرته وكتابه المثال الذي نطبق عليه قول فريدمان: «الاعتدال في المزاج هو دائماً فضيلة، لكنّ الاعتدال في المبدأ هو دائماً رذيلة»”.

الصحافي ومعدّ الكتاب انطوان سعد شدد على أنّ إنجاز الأباتي نعمان المميّز هو “في جعله «الانسان والوطن والحريّة» عنوان الكتاب بين أيديكم قيماً لبنانية عامة يتغنّى بها كل اللبنانيين”… ستجدون الأباتي نعمان في متن هذه المذكرات رجلاً مسؤولاً حاضراً في الشدائد والازمات، في أزمنة عجز فيها الرجال وتخاذل فيها المسؤولون أو نشدوا مصالحهم وتعزيز مواقعهم ونفوذهم… سوف تجدونه يُقوي ويعزّي ويعبر ويشد من عزيمة وأزر ويمد يد العون متجاوزاً كل الاخطار والمحاذير والتهديدات، متوسّلاً الطائرة والطوافة والسيارة… وحتى قدميه بين الحواجز والالغام والهوّات السحيقة التي فصلت بين اللبنانيين… سوف تجدون في هذه المذكرات أيضاً تخليداً لجيل رهباني إنتصر للفكرة اللبنانية… وتحمّل المسؤولية كاملة إلى جانب شعبه المعذّب والمستهدف في وجوده وقيمه وعلى رأسها كرامة الانسان والحريّة”…
وأشار سعد إلى الفترة والجهد اللذين استلزما إنجاز المذكرات، متوجهاً بالشكر إلى كل من ساهم وساعد في إنجازها مسمياً كلاً منهم باسمه.

الأباتي بولس نعمان استبق كلمته بالقول: “إنّ الرد على ما ورد في الكتاب ليس الآن وقته إنما كل كلمة مكتوبة فيه يمكن أن نُدافع عنها، أنطوان وأنا”.
ثمّ استهلّ كلمته بسؤالٍ: لماذا مذكراتٌ حول الإنسان والأرض والحرية؟

وأجاب: (في ما يلي الكلمة الكاملة للأباتي نعمان)

“لأنّها، بكلّ بساطة، ليست مذكّراتٍ شخصيّة وإن كُتِبَتْ بهذا القالب المذكراتي الشخصي. 

ولأن وراء هذه الكلمات السحرية الثلاث، الإنسان والأرض والحريّة، تاريخًا من النضال يرتقي إلى أكثر من ألف وخمس مئة سنة. تاريخ، لا بل مأساة إنسانية كنت أتحسّسها في فكري وفي ضميري، مع من عاشها بالفعل وعاناها بالحياة، وأنا لا أزال أدرس تاريخ تكوّن لبنان وطنًا حرًّا سيّدًا مستقلاًّ. وكنت أتساءل: لماذا هذه الواحة من الحريّة في صحراء من الإذلال للإنسان، أيّ إنسان، وللحريّة، أيّة حريّة؟

سوء فهم هو؟ أم سوء حظٍّ ضرب إنسان شرقنا في عمق أعماقه وجعله يفتش بكلّ قواه عن الحريّة، وعن بقعة من الأرض تضمن عيش الحريّة بكلّ أبعادها؟، وكما كتبت في المقدّمة: “هذه القيم، أو هذه الثروة، كما دعاها الأب ميشال الحايك، كانت قد تضعضعت وتبدّدت لو لم تلتقِ بلبنان وتتحصَّن فيه. فالأرض اللبنانية، لولا الإنسانُ اللبناني لأصابها القحط والبوار والتصحُّر ما أصاب غيرها من بقاع الشرق، وهذا الإنسان المميّز التوّاق إلى الحريّة، لو لم يلتقِ بدوره بهذه الأرض لظلَّ هائمًا على وجهه حتى الضياع كما ضاع العديد من أمم الشرق.

ملحمة الأجداد كنت أعيشها قبل الأحداث وفيها وبعدها، ولمّا بدأَتِ الحربُ على لبنان وهدَّدَتِ الوجودَ والثروة معًا، ازدَدْتُ قناعة بأنّ علينا أن نفعل شيئًا غير الدفاع، شيئًا يُذكِّرُ الأجيال القادمة بواجب تحصين هذا الوطن القيمة، هذا الحلم الذي حوّله الآباء والأجداد إلى واقع نُحسَدُ عليه اليوم. فكانت فكرة الكتابة، وكم كنت جبانًا في عينيّ نفسي وفي أعين الأجيال القادمة لو لم أكتب هذه الخبرة الأليمة، وكم كنت غير وفيٍّ للتعب والضنا والقهر التراكميّ منذ أجيال، وكم كنت أسأت تقدير العذابات المحتملة والدماء المهدورة والشهادات الحياتيّة الصافية النقيّة التي أهرقت على مذبح الدفاع عن هذا الوطن القيمة، لو لم أكتب.

كتبت وسأكمل الكتابة لأرتاح ويرتاح ضميري، لأفرغ ذاتي من حلم قديم قد بدأ يٌقلقني. ما بديل لبنان حصنًا للحرية، وقد تطوّرت تقنيّات الشرّ؟ وكنت أظنّ أنّني وحدي أعاني هذا القلق، وإذ بي أفاجأ بأنّ جيلاً من الشباب والشابات يعاني القلق ذاتَهُ، ومنهم أحد تلاميذي وجيران بلدتي الكاتب والصحفي الأستاذ أنطوان سعد، وقد أصابته محنة الأدب والصحافة، كما كان يرددّ أمين نخله، يعرض عليّ المساعدة وله الطاقات الثقافية والأدبية الفضلى كما له الأسلوب الإخباري الجذّاب، بدل الأسلوب التاريخي الجاف، فقبلت، وعهدت إليه بأوراقي ووثائقي، وقد كنت كتبت الفصول الأولى ووضعت التصاميم، وَسَويّةً بدأنا العمل: يكتب ويحقّق في المعلومات مع المعايشين للأحداث، ويرجع إليَّ فأقرأ وأزيد وأنقّص وأصحّح مرات، حتى اتهمني بأنّني قد اقتطعت رجولة المذكرّات، وإنّي أُقرُّ بأنّه قد اعتصرني عصرًا، أو كما قال لي الدكتور الياس قطّار في غير مناسبة، “قد قطّرني تقطيرًا” ودخل إلى عمق أفكاري فله كلّ الشكر والمحبّة والتقدير.
كما إنّي أشكر أصدقائي المحاضرين:

– معالي الأستاذ ميشال إدّه رئيس المؤسسة المارونية للإنتشار، الوزير الأكثر قربًا من الرئيس سركيس آنذاك، الذي كنت أرجع إليه في صعوباتٍ كثيرة خلال تحرّكي، وقد جعلت من بيته العامر ديرًا ألجأ اليه، وفيه المكتبة العامرة والمذابح والأدراج المزينة بأجمل الأيقونات والكتب المقدّسة الفنيّة، وفيه أيضًا ما لذَّ وطاب للراحة بعد العناء.

– كما إني أسوق شكرًا الى الأستاذ رفيق خوري رئيس تحرير جريدة الأنوار الذي أخذته، منذ بدأت العمل في الشأن العام، مُلهِمًا لي في فهم الأحداث والأشخاص، أقرأه هو، كما أقرأ المرحوم ميشال أبو جوده، كلّ صباح قبل أن أتوجّه إلى العمل، أستعين بأرائه الحكيمة ولا أخشى إنتقاداتِهِ لأنّها تصدر عن قلبٍ كبير وفكرٍ نيّر.
كما أتوجّه بالشكرِ إلى الصديق مدير هذه الندوة الأستاذ جورج غانم رئيس تحرير نشرة أخبار المؤسسة اللبنانية للإرسال الوجه المُشرق والفكر النيّر الذي يَزِنُ الأخبار والأحداث بميزانه الذهبي.

ولطالما تمنيّت عليه ألاّ يسمح للتشاؤم بأن يتسلَّل إلى أفكاره.
ولنا جميعًا أقول: إنَّ الوجودَ المسيحيّ في لبنان لم يكن ولن يكون يومًا لوحةً معلّقةً على جدار التاريخ.
فإذا نظرنا إلى المآسي التي خلّفها المماليك والعثمانيون في جبل لبنان، لمّا صدَّقنا كيف قُيِّض للمسيحيين الرازحين تحت مصائب التاريخ أن يولدوا مجدّدًا من رمادهم ويستعيدوا دورَهم الريادي في الأنسنة والمثاقفة الذي وصل إلى أوجه في القرن العشرين.
إنّ من يصنعُ التاريخَ ليس الإنسانُ وحدَهُ، في محدوديّتهِ وتطلّعاتِهِ الخيِّرة أو وفي سعيه المجنون إلى التسلّط وإذلال الآخر وتهميشهِ وإلغائه، بل مَن هو في أصل الوجود ومَصَبِّه، أللهُ المحبّةُ والمصالحةُ والخلاص”.


1 thought on ““الانسان الوطن الحريّة”… مذكرات الأباتي بولس نعمان

  1. سلام على ضحايا قتلة هذا الوطن. ضحايا “الانسان الوطن الحريّة” الذي لا تعرفون ماهية “الانسانييّة” يا حثالة الوطن يا أتباع الشيطان يا قوات ابليس

    Like

Comments are closed.