اللبنانيون في إسرائيل

freedom1

 عملاء أم ضحايا لعنة الجغرافيا وإهمال الدولة؟

 كبريال مراد

 
يعيش اليوم حوالى 2700 لبناني في إسرائيل، في إنتظار حل “عادل” لقضيتهم. وهم يتوزعون على الشكل الآتي: 60% من المسيحيين و40% من الشيعة والدروز. أكثرية هؤلاء اللبنانيين تقطن في نهاريا وكريات شمونة وطبرية خصوصا، فيما يتوزع الباقون على الخضيرة وحيفا. ويعيش قسم آخر في كريات شمونة، في شمال إسرائيل. 
بعض المبعدين يعمل موظفا، في حين افتتح اخرون مطاعم تقدم المأكولات اللبنانية، فيما لجأ آخرون الى مؤسسات تجارية لتأمين العيش الكريم. وفي كل يوم ينتظرون أن تتغيّر الأحوال وتصدق الوعود التي قطعت في السر وفي العلن لتأمين عودتهم الى قراهم.

لم يعلم أهالي المناطق الحدودية أن وضعهم بين سندان تخلي الدولة اللبنانية عنهم، ومطرقة الأطماع الإسرائيلية، ستحوّلهم الى عملاء. ففي صباح العاشر من آذار عام 1976 عندما اجتاحت المنظمات الفلسطينية المسلحة وما يسمى “جيش لبنان العربي” مدينة مرجعيون، ووجهت إنذاراً إلى قائد الموقع المقدم نايف كلاس بتسليم ثكنة الجيش اللبناني، إتصل قائد الموقع ببيروت، وطلبت القيادة منه إخلاء الثكنة والتحصن في المرتفع 608 الملاصق للحدود الإسرائيلية وإنشاء خط دفاعي لحماية بلدة القليعة. وهكذا، لم تنجح القوى الفلسطينية في إجتياح الموقع، لكنها تمكّنت من فرض حصار كامل على القرى والبلدات التي لم تسمح للتنظيمات الفلسطينية بالعبور اليها، أو القرى والبلدات التي رفضت تسليم سلاحها، وهي  قرى القليعة ورميش وعين ابل ودبل.
وما لم ينجح بقوة السلاح، حاولوا ترسيخه بالحصار، فقطعت الإمدادات الغذائية والمياه والكهرباء عن البلدات بهدف إخضاعها.

في تلك الفترة، لم تكن الأمور على ما يرام في بيروت الغارقة في أتون الحرب. ورغم ذلك، كرّست المذكرة رقم 3860 الصادرة عن قيادة الجيش في أيلول من ذلك العام شرعية التواجد العسكري اللبناني في المناطق الجنوبية الحدودية. وقضت هذه المذكرة بانشاء “تجمع كتيبة القليعة” و”تجمع كتيبة رميش”. وبعد شهر من ذلك، تمكّنت “كتيبة القليعة” من إعادة السيطرة على  ثكنة مرجعيون تنفيذاً لأوامر القيادة في بيروت. وفي خطوة رسمية اخرى، تولى الرائد سعد حداد قيادة القطاع الشرقي في الجنوب بموجب مذكرة صادرة عن القيادة في بيروت. وتتابعت الخطوات بتعيين الرائد سامي الشدياق قائداً لكتيبة رميش. ثم صدر قرار آخر عن وزير الداخلية الرئيس الراحل كميل شمعون قضى بتعيين قائمقام لقضاء مرجعيون، في خطوة هدفت الى تثبيت حضور مؤسسات الدولة في المنطقة الحدودية.

ومع تدهور الأوضاع في لبنان وتقاعس الدولة عن القيام بواجباتها تجاه مواطنيها، وجد سكان المناطق الحدودية انفسهم أمام الخيار الصعب بعدما قطعت الرواتب عنهم وحرموا كل مستحقاتهم. وسط كل هذه العوامل، وبعدما رفضوا الإستسلام للتنظيمات الفلسطينية المسلّحة، متمسكين بخيار الدولة ومؤسساتها، لم يبق من أمل أمام الأهالي  بعد تخلّي الدولة عنهم إلاّ في “جيش لبنان الحر” والعمل في إسرائيل. وبعدما صار كل طرف لبناني يستقوي بمجموعة خارجية، سياسية أو طائفية، وجد أهالي الشريط الحدودي أنفسم وحيدين، ترافقهم صفة العمالة.

في بندها السادس، وتحت عنوان” اللبنانيون في إسرائيل” جاء في وثيقة التفاهم بين “التيار الوطني الحر” و”حزب الله” ما يأتي: “انطلاقاً من قناعتنا ان وجود أي لبناني على أرضه هو أفضل من رؤيته على أرض العدو فإن حل مشكلة اللبنانيين الموجودين لدى إسرائيل تتطلّب عملاً حثيثاً من أجل عودتهم الى وطنهم آخذين بعين الاعتبار كل الظروف السياسية والأمنية والمعيشية المحيطة بالموضوع؛ لذلك نوجه نداء لهم بالعودة السريعة الى وطنهم استرشاداً بنداء سماحة السيد حسن نصر الله بعد الانسحاب “الإسرائيلي” من جنوب لبنان واستلهاماً لكلمة العماد عون في أول جلسة لمجلس النواب”.

ولكن، وبعد ثلاث سنوات على ذلك، لم تكتمل خطوة العودة، في وقت يرى المتابعون للملف من الطرفين، “أن الظرف السياسي لم يكن ملائما لطرح مثل هذا الموضوع الذي يحتاج الى اجواء هادئة، وان لا يستغل في إطار المزايدات والبازار السياسي الذي يضر ولا ينفع”. ومع بدء اعمال المجلس النيابي، يتحضّر عدد من النواب الى إعادة تعويم هذا الموضوع والعمل على كل ملف من ملفات الذين ابدوا رغبتهم في العودة الى لبنان، والتعامل مع الموضوع من منظاره القانوني، والنظر إليه بأبعاده الإنسانية. “فالأطفال كبروا وتربوا في غير بيئتهم، وهم يدفعون أثمان ما لم يرتكبوه، كمثل شانتال، إبنة القيادي في “جيش لبنان الجنوبي” عقل هاشم التي دخلت الى إسرائيل في عمر الثامنة وصدر حكم في حقها عن القضاء اللبناني، في أمر ليست مسؤولة عنه”. قضية شانتال تشبه ملفات عدة لقضية يصح وصفها بالمأساة.

واليوم، عشية تشكيل الحكومة العتيدة ومع بدء ولاية المجلس النيابي الجديد، يأمل المبعدون الى إسرائيل في العودة الى لبنان، وهم يعوّلون على ما قاله رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في خطاب القسم “إن صدر الوطن يتّسع للجميع”.

.. كثيرون منهم ينتظرون أن يقول ميزان العدل كلمته. لكن قضيتهم تحتاج الى الظرف السياسي الملائم والمناخ الإيجابي الذي لم يتوافر في السنوات الماضية بسبب الأزمات السياسية والدستورية المتعاقبة التي طالت مجلسي النواب والوزراء على حد سواء.