“لبنان أولاً” وأخيراً.. حتى لا تهبّ “العروبة” مرتين !!

18500044_38fc1d187b1

ميرفت سيوفي

 بموجب القانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/9/1990، أضيفت إلى الدستور اللبناني مقدّمة، جاءت في الباب الأوّل منه تحت عنوان أحكام أساسيّة، وهي في عشر فقرات كل واحدة منها لا تقل أهمية عن الأخرى، إلا أن الفقرتين أ و ب حدّدتا وبشكل نهائي “هويّة” لبنان، وبنص واضح لا يحتاج لا إلى اجتهاد ولا تأويل، وهو نصّ بليغ فصيح لا ينتابه الحنين إلى أيام “الهوى والشباب” ولا تهبّ عليه “عاصفة ليلة صيف” لترمي به في مكبّ شعارات “بائدة” من حقبة “الخمسينيات” و”الستينيات” في لحظة كان “لفظ” العروبة مصطلحاً إجبارياً لدرءِ شبهات “الشيوعية” أو “اليسارية” أو تهمة “الإلحاد”، كان “مصطلح العروبة” غطاء سميكاً يلتحفه أهل المعسكر السوفياتي ليجتازوا به حافة تناقض الإلحاد في معسكره كأساس لبناء الدول الثورية، في مجتمع عربي ومسلم، فالإيديولوجيات أحياناً “تستغبي” الشعوب الطيبة، فكيف إذا اجتمعت “الطيبة” مع “الجهل” لا بدّ عندها من “لعلعة” الشعارات لهزّ مشاعر البسطاء، هذا مشروع انتهى بانتهاء كل مفاعيله بدءاً من النزعة “العرقية” العربية التي تناقض الإسلام بحسب النصوص التشريعيّة القرآنية والنبويّة، فالدعوة إلى العصبيات العرقية في الإسلام مرفوضة، وانتهت مع انتهاء المدّ الثوري الناصري وكل مفاعيله “الثورية الخطابية” وصولاً إلى “كسرته” الكبرى عام 1967، وانتهائه بوفاة داعيه الأكبر “جمال عبد الناصر” عام 1970، بموت الشخص مات المصطلح السياسي “العروبة” في أوجه استخدامه التوسعيّة، وانتهت كل مفاعيل هذه الحقبة في العالم العربي بسقوط الاتحاد السوفياتي..

ونصت الفقرة (أ) من مقدّمة الدستور اللبناني على أن: “لبنان وطن سيد حرّ مستقلّ، وطن نهائي لجميع أبنائه، واحداً أرضاً وشعباً…”.. ووضعت “وثيقة اتفاق الطائف” في الفقرة (ب) من مقدمة الدستور، نقطة نهائية على سطر “شبهات” الأهواء و”فذلكة” الشعارات، ونوبات “الحنين” التي تحتاج إلى علاج لا إلى سجال..وتنصّ الفقرة (ب) على أن: “لبنان عربي الهوية والانتماء، وهو عنصر مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسّس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان . وتجسّد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات من دون استثناء”.و”نقطة على سطر” كل نوبات المصالح والأهواء الشخصيّة، فلبنان عربي الهوية والانتماء وعنصر مؤسّس وعامل من ضمن منظومة ارتضاها كلّ العرب جامعة لهم، فلا يُخيل لأي سياسي أنه يستطيع أن ينزاح بلبنان من إطاره العربي الجامع ضمن منظومة جامعة الدول العربية – حتى وإن كانت تحتضر – وكل انزياح إلى شعار يطرحه طرف أو دولة وكل محاولة لزج لبنان منفرداً في قضايا تخصّ كل العالم العربي، لن تجد لها مكاناً بين اللبنانيين، لأنها استخدام لهذا الوطن وشعبه من أجل مآرب آنية وشخصية، وقد لا تتجاوز في بعض الأحيان رغبة في وزارة بعينها أو زيادة في حجم قطعة الجبن اللبنانية المشتهاة..

“لبنان أولاً”، ليس شعاراً، وليس شعاراً سخيفاً، ولا انعزالياً، فالدستور اللبناني نص على هذا الشعار، عندما حدّد في الفقرة أ منه أن “لبنان وطن سيد حر مستقلّ”، اللبنانيون لم يخترعوا شعاراً مناقضاً للدستور اللبناني وكل انزياح عن “حرية وسيادة واستقلال” لبنان هو انزياح إلى محور وضد الدستور اللبناني ومخالف له..

أما “موّال” العروبة الذي “يعنّ” كمنجيرة هذه الأيام في موسم “يوليو” الذي صادف تشكيل الحكومة وتوزيع حقائبها، فقد أبانه الدستور، وحدد مفهومه وطبيعته وبنص رسمي فلا يترجمنّه أحد على هوى مصلحته الآنية، “لبنان عربي الهوية والانتماء”، وترجمة هذه الهوية وهذا الانتماء “شغلة” الدولة، ومن ضمن ما نصّ عليه الدستور اللبناني..

منذ الخمسينيات ربح “المتعوْربون” المنابر والخطابات والشعارات التي صارت متهرئة و”مجنزرة”، وأدخلوا لبنان في جهنم الولاءات “المدفوعة” الثمن، هذه الحرب والشعارات كان لها “ممولون”، وذاكرة اللبنانيين ليست قصيرة “مات الشباب” على اسم قضايا، وقبضت الأحزاب أثمان موتهم تمويلاً متدفّقاً إلى جيوب أصحابها.. حتى الجرحى كانوا يُسجلون في كشوفات الحساب لقبض الفواتير على أنهم شهداء..

اليوم يحتفل اللبنانيون بعيد الجيش اللبناني، إنها مناسبة عظيمة تذكرنا بشهداء الجيش اللبناني الذين سقطوا دفاعاً عن لبنان، وآخر قوافلهم أبناؤنا وإخوتنا الذين سقطوا في مخيم نهر البارد، “شاكر العبسي” أيضاً عندما ذبح جنود الجيش اللبناني قتلهم وقاتلهم بإرهابييه على اسم “العروبة” و”الإسلام”و”تحرير فلسطين”.. ولن يجدّن سياسي بعد العام 2005 وإن انتابته حال “نوستالجيا” من يعيره أذناً صاغية عندما يقرر إلغاء أكثر من نصف قرن من عمر الشعب اللبناني سقط فيها أجيال منه على مدى ثلاثين عاماً، لمجرد أن عاصفة “العروبة” تهبّ عليه مرتين بحسب ما تقتضيه ظروف هبوب الرياح!!

“لبنان أولا.. وأخيراً” وما بين هذين الحدين يستطيع كل السياسيين أن يتذاكوا ويتفذلكوا على الشعب اللبناني، لأنه وحده دفع الثمن، والذين “هوبروا” على المنابر “قبضوا” ثمن موته..أما أي “عروبة” – مع تحفظي على المصطلح – نريد؟ نحن نريد لبنان العربي الذي قدم لنا الرئيس الشهيد رفيق الحريري نموذجاً مشرقاً ومشرّفاً له، يوم كان رفيق الحريري في خدمة كل ما يفيد لبنان والعرب، ويوم قدّم رفيق الحريري لبنان على كل مصالحه حتى استشهاده، بعدما وظف كل علاقاته العربية والدولية لمصلحة لبنان!!

أما من يريد أن يضع لبنان تحت إبطه ويدور به في دوّيخة مصالحه ومآربه، فهذه عروبة أغنيات قديماً ضحكت بالشعارات على عقول السذّج، ونستطيع أن ندلّ كل هؤلاء على شاعر عملاق لا يستطيع سياسي أن يزايد على عروبته لأنه كان منظراً شعرياً لها جعلها على كل شفة ولسان، فالراحل “صلاح جاهين” الذي رفع صوته عالياً بعد هزيمة 1967 قال: كفاية طوال هذه السنوات كنا نكذب على الشعب ونخدعه!! وقد نقترح عليهم أيضاً إذا كانوا “مهتاجين” بمشاعرهم في هذه الفترة وبشدّة على “العروبة” ونكساتها المحزنة – لأنهم ينسون أن حزيران يأتي قبل تموز – فنقترح أن يستعيدوا واحدة من أغنيات صلاح جاهين وحليم وأن يطبقوا ما تقول وبعدها، فليسخروا من “لبنان” ومن منزلته “أولاً” عند شعبه: “فدائي.. أهدي العروبة دمائي.. أموت أعيش.. ميهمنيش.. وكفاية شوف علم العروبة باقي…”.. ولا نريد من هؤلاء إلا أحد أمرين: إما أن يُهدي العروبة دماءه لنصدّق مقولته.. وإما أن يدلنا على علم العروبة أين يُرفرف، حتى نعرف شكله وموقع ارتفاعه لأنه حتى اليوم مازال معلّقاً على سارية أوهام الشعارات..

 

1 thought on ““لبنان أولاً” وأخيراً.. حتى لا تهبّ “العروبة” مرتين !!

  1. العروبة أولاً وأخيراً شئتم أم أبيتم يا من ناصر وحازب وتعامل مع العدو الصهيوني.
    لعنتم فب حياتكم كما ستلعنون في اخرتكم

    Like

Comments are closed.