في رسالة مصطفى جحا إلى المسيحيين

Mostafa Geha

عن موقع  لبنان الآن

 في المسائل الحاسمة والنهائيّة، كحريّة الضمير والحقيقة وأولويّة الفرد على العشيرة والأمّة والمجتمع والدّين، أو أيّة صيغة “جماعويّة” أخرى من أيّ نوع كان، والتي قد تجتمع كلّها في حياة انسان كـ”مصطفى جحا”، فتصيّره علامة من علامات الأزمنة وفعل اعتراض على السائد والمعروف عند أهله… وقد ظنّ من أصَمَتَهُ أنّ القضيّة قد طُويت وتمّ ما تمّ وانتهى كلّ شيء. وأمام هذا الحدث تستحضرني فوراً كلمات المطران “بولس عقل” في تأبينه رئيس الجمهوريّة اميل إدّه : “انت ميّت حيّ… وهم أحياء أموات… نعشُك عرشك… وعروشهم نعوشهم…”

آثرنا اماطة النقاب عن كتابه “رسالتي إلى المسحيين” لما فيه من كنز ثمين اكتشفه الكاتب واستشهد في سبيله، عنيتُ ما يلامس الحلقة الثانية من الوجود، ما هو دائر في فلك الدائم والمستمرّ، الحاضر أبداً، الكائن في ذاته: الله محبّة ومرادفه “محبّة الغير”: “… واذا ما استطاع المرء اكتشاف هذا السلاح، فإنّما يكون قد اكتشف ذاته أو عرف مكانته… فمن عرف أحبّ، ومتى أحبّ أعطى…” ص ٢٦٥. وكأنّي به صدى يردّد كلمات اغوسطينيوس ملفان Docteur الكنيسة:” أحبب وافعل ما تشاء” مضيفاً إليها: آمن كي تفهم، وافهم كي تُؤمن”. Crede ut Intelligas Intellege ut Credas.

يتوجه الكتاب إلى المسيحيين من باب الحرص عليهم، ليكونوا أصحاب كنيسة جامعة ومسيحيّة موحّدة في شرق لا معنى له من دون المسيحيّة. وبعد استعراضه لأخطار الداخل والخارج (انشقاقات، مذاهب، خطر الأديان الأخرى والفلسفات الماديّة…)،
نراه ينتهي إلى ما يشبه الرؤية بقيام مسيحيّة موحّدة صافية يبعثها مسيحيّو لبنان إلى العالم. فالمسيح فوق الفلسفة واللاهوت، وهذه وسيلة جمع لا قهر.

لن ندخل بالطبع في عمق الحوار المسكوني le dialogue oecuménique الدائر اليوم والذي لا يرى وحدة الكنائس في مؤسّسات جامدة هرميّة وآحاديّة Uniformité كما يُفضّل الكاتب، ربّما، وإنّما في شهادتها المشتركة للإنجيل ومساهمتها الفعّالة في مجال حقوق الإنسان وتحقيق العدالة الإجتماعيّة والتربية والمساواة ورفع الظلم.

 كما لن ندخل في الإلتباس الّذي وقع به الكتاب عرضيّاً في الخلط بين المسيحيّة والنصرانيّة (النصارى هم جماعة يهودية مضطهدة لجأت الى الحجاز إثر خراب هيكل أورشليم العام 70 ميلادي – على يد الامبراطور الروماني تيتوس – لإيمانها ان يسوع الناصري هو نبيّ، ما اثار غضب اليهود. من اعلام النصارى القس ورقة بن نوفل، عمّ خديجة زوجة النبي). إنّما ما نودّ أن نشير إليه أنّه خلق هذا التحقيق الواسع لأعلام ووجوه غابت وقد عملت في خدمة الدين والوطن والادب كالأب “يوسف الشدياق” مؤسّس المعهد الأنطوني ومجلّة “كوكب البرّيّة” التي عُنيت بالعلم والفلسفة والأدب والتاريخ ونشر المقالات الدينيّة وأخبار الرهبانيّة الأنطونيّة والمجامع الكنسيّة، والأباتي عمانوئيل بعبداتي رائد النهضة علماً وثقافة وتربية، والمطران يوحنا حبيب مؤسّس جمعيّة المرسلين اللبنانيين الموارنة. وخلف هذا التأريخ لعلاقة الكنيسة المارونيّة والكرسي الرسولي ودورها تجاه المسيحيين غير الكاثوليك، من سريان وكلدان وملكيين، أو المسيحيين الكاثوليك من كبّوشيين وكرمليين ويسوعيين وفرنسيسكان واللعازاريين والأرمن وغيرهم… ناهيك عن تأريخ النظام الاقطاعي في الجبل وأخبار الإمارة المعنيّة والشهابيّة، وعلاقة الأمير بشير الشهابي بآل جنبلاط، وأخبار مدرسة عين ورقة وتاريخ العائلات والأسر اللبنانيّة كالرزري والدحداح ومخلوف والبستاني… وتاريخ الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة ومؤسّسوها عبدالله قراعلي وجبرائيل حوّا ويوسف البتن، ومن ثمّ انشقاق الرهبانيّة إلى مريميّة وبلديّة… وسِيَر (جمع سيرة) المحسنين كإميلي سرسق.

خلف كلّ ذلك، ما يهمّني ويهمّك عزيزي القارئ، ما يُلهمني ويُلهمك في حضور وغياب مصطفى جحا انسانيّاً، فلسفيّاً ولاهوتيّاً في ما قامت عليه شرعة حقوق الإنسان:

أوّلاً: إنّ ما هو مرادف للحياة مساوٍ للوجود، ما يجعلني ويجعلك كائناً موجوداً حيّاً “هو حقّ الإختيار”، يعني حقّي وحقّك في اختيار الحقيقة أو حتّى رفضها بمنأى عن أيّ تأثير خارجي، حزبي أو عشائري أو أممي أو ديني من أيّ نوع كان.

ثانيّا: إنّ الشخص البشريّ الفرد بحكم كونه غاية قائمة بذاتها، لا بل غاية الغايات، لا بل غاية الله، متقدّم بذاته على أيّ فكرة أو عقيدة أو حزب أو عشيرة أو أمّة أو دين أو وطن، وأنا وأنت عزيزي القارئ مدعوّين إلى تعزيز ثقافة حقوق الإنسان “لأنّ من يقتل إنساناً يقتل الله نفسه” (يوحنا بولس الثاني).

ثالثاً: إنّ قدس أقداس الإنسان “ضميره” وإنّ أيّ جماعة أو حزب أو أمّة معرّضين للخطأ.

رابعاً: “إنّ زماننا لم يكتمل بناؤه بعد” (البابا بيندكتوس السادس عشر) والله هو سيّد التاريخ، تاريخي وتاريخك الشخصي وتاريخ البشريّة العام، ولن يتمكّن الزمنيّون والأرضيّون والدهريّون وقتلة مصطفى جحا من تحييد التاريخ عن مساره الآيل إلى السمّو والتألّه.

خامساً: من غرائب الحقيقة أنّها تجذب وتخلق الأعداء في آن. وقد ذهب مصطفى جحا وأمثاله ضحيّة هؤلاء الأعداء.

سادساً: في موضوعات الحقيقة قلّما يهمّ العدد.

وأخيراً، في جدليّة الموت والحياة والمعنى واللامعنى والحقيقة والضلال والقوّة والضعف، وقد عرفتها جميعها أعنف المحاكمات في التاريخ دلالة ومعنى، من محاكمة سقراط مروراً بمحاكمة جان دارك إلى محاكمة يسوع واديت شتاين وماكسيمليان كولبه و… مصطفى جحا وغيرهم كثر، تنقلب المفاهيم والأدوار، فتطأ الحياة الموت، ويغلب المعنى اللامعنى، وتمحو الحقيقة الضلال، ويسحق الضعف القوّة، هنا ترى الجلاّد قلقاً مذعوراً مرتعباً، فيما الضحيّة مطمئنّة واثقة ثابتة. وأنت يا مصطفى وكلّ من مات ميتتك، غيابكم في الحضور، أما هم فحضورهم إلى حين.