“سجان يمسك سجان”

torture in Syria prisons

إيلي فواز

عن موقع لبنان الآن

“النظام اللبناني بصفته الراهنة غير قابل للحياة”، هكذا كتبت صحيفة تشرين نقلاً عن “شريحة كبيرة” من اللبنانيين. طبعاً لم تتكلف الصحيفة عناء استطلاع رأي هذه الشريحة، و لكن هكذا جزم كاتب المقال الذي تخضع جريدته يومياً كما كل الصحف في سوريا الشقيقة للتفتيش والتدقيق والتحميض والرقابة الصارمة عن كل كلمة تكتب أو رأي.

وبالطبع عزيزي القارئ لم يكن النظام اللبناني نفسه يعاني من عوارض “الموت السريري” ايام “حكم القناصل” من غازي كنعان إلى رستم غزالي وبالطبع لم تكن الطبقة السياسية انذاك تتقاسم “مغانم هذا الوطن” ولم تكن الطائفية تحول دون “ترسيخ المواطنة” في لبنان. أم تراه لم يكن نزع اللجام عن قلم هذا الكاتب للخوض في هذي المواضيع؟

من دون ادنى شك هناك في لبنان أزمة، سمّها ما شئت أزمة نظام أو أزمة حكم. وهناك من يعارض في الحياة السياسية في لبنان نهجًا معينًا وهناك من يوالي، وهناك من ينزل إلى الشارع بمئات الآلاف ليناصر جهة سياسية وهناك من يقابله في الشارع الاخر ليختلف معه. ولكن أليست هذه هي سمة الأنظمة الحيّة؟

نحن كلبنانيين لا ننكر أن النظام بحاجة إلى مراجعة وتطوير وربما أيضاً الى التطبيق في مرحلة اولى، ولو تصور كاتب هذه المقال من كان يحول ويمنع تطبيق النظام والدستور؟ ولو يعلم من كان يشعل الحرائق في لبنان و غير لبنان، ليوهم العالم من بعدها انه الوحيد المخول اطفاءها؟

نعم هناك سجال حاد في لبنان حول النظام ولكن اليس هذا الضجيج أفضل من صمت غرف الاستجواب والتعذيب المظلمة والباردة؟ اليس هذا الصراخ أفضل من انين المساجين البريئة القابعة في سجون الحقد؟

ثم دعني أقول لك ما أنتجه هذا النظام الذي يعاني من “موت سريري”.

هذا النظام أنتج حرية الرأي والتعبير وحمى قدسية الكلمة من طغاة ازمان نتمنى لو تزول، فكان لنا صحافة حرّة، وكتّاب جريئون، وشعراء متمردون وسياسييون منفييون من كل الاجناس والاقطار العربية يحتمون في بيروت من سطوة الديكتاتوريات القاتلة التي لا تحتمل النقد والاختلاف.

كما اعطى هذا النظام شموعاً تضيء ظلمة الجهل درباً لأجيال وأجيال لبنانية وعربية جلست على مقاعد الدراسة تنهل علماً منذ القرن التاسع عشر علّهم يغيرون مجرى التاريخ المنحدر في مدننا وقرانا العربية وعلهم يتسلحون بالعقل ويقاومون بالفكر والمنطق قروناً من الجهل والعنف و التخلف.

نعم هذا ما انتجه هذا “النظام المهترئ”، هل أخطأ اللبنانيون؟ أكان أجدر بهم أن يبنوا بدل المدارس والجامعات سجوناً واسعة؟ وبدل أن يخرجوا أطباء ومهندسين وشعراء ورجال أعمال لامعين.. هل كان أفضل لو أنهم خرّجوا جلّادين؟

من تراه تراءى للشاعر الكبير مظفر النواب عندما قال:

“سبحانك كل الاشياء رضيت سوى الذل
وأن يوضع قلبي في قفص في بيت السلطان
وقنعت ان يكون نصيبي في الدنيا كنصيب الطير
ولكن سبحانك حتى الطير لها أوطان
و تعود اليها و انا ما زلت أطير
فهذا الوطن الممتد من البحر الى البحر
سجون متلاصقة سجان يمسك سجان”.