بشارة أبو مراد “قديس” آخر من لبنان

Bechara Abou Mrad

الأب ميلاد الجاويش المخلّصيّ     

“عاشرتُه، رحمه الله، في دير القمر احدى وعشرين سنة ونيّف إذ كنتُ مدبّراً للرهبانيّة الحلبيّة اللبنانيّة المارونيّة ورئيس رسالتها في دير القمر. وفي كلّ تلك المدّة لم أسمع، إلاّ الثناء العاطر على صفاته والتحدّث بكرم محامده… هو مثال التُقى والورع، مثال الطهارة والعفاف، مثال الغيرة الدينيّة والفضائل السامية… كان على جانب عظيم من التقشّف والزهد… وقدوة حسنة للجميع بسلوكه الحسن. وإنّي أسأل الله أن يعدّه في عداد أبراره وقدّيسيه الصدّيقين”. هذه شهادة في الأب بشارة أبو مراد، الراهب المخلّصيّ، قالها فيه الأب إفرام حنين الديرانيّ، الراهب المريميّ، في 22 تشرين الثاني 1930.

من هو “أبونا بشارة” هذا؟

زحلة منبت الرجال والقدّيسين

هو سليم جبّور أبو مراد، أبصر النور في زحلة، عام 1853، في بيت قديم من حارة مار الياس المخلّصيّة، التي تسمّت باسم الآباء المخلّصيّين الذين تعاقبوا على خدمتها وما زالوا. أبوه جبّور أبو مراد، مزارع مكتفٍ، وأمّه أليصابات القشّ، سيّدة فاضلة وتقيّة، سعت إلى أن تغرس في نفوس أبنائها بذور التقوى والفضيلة منذ نعومة أظافرهم. عن هذه المرحلة من حياة الفتى سليم، كتب الأب قسطنطين باشا، مؤرّخ الرهبانيّة المخلّصيّة وكاتب سيرة الأب بشارة، “كان عمرُه حينئذٍ سبعَ سنوات، قضاها في البيت عند والدتِه حتّى شَبِعَ من حليبِ تقواها. وقد علَّمتْه الصلاةَ في البيت معها، وعوَّدتْه حضورَ الصلواتِ الطَقسيّة في الكنيسة، إذ كانت تَصحبُه معها إليها حتّى إنّه كان (وفق روايةِ صهرِه ورفيقِه يوسف عبد الله) إذا حَلَّ وقتُ اللعب للأولاد، يُخاتِلُ رفاقَه في المدرسة ويدخلُ إلى الكنيسةِ ليصلّيَ ولا يَدَع أحداً يدري به، إلاّ إذا دخلَ أحدُهم إليها اتّفاقاً أو ليفتّشَ عنه، فيخرجُ منها إلى البيت أو إلى المدرسة”. (الأب قسطنطين باشا، سيرة الأب بشارة أبو مراد المخلّصيّ).

إلى دير المخلّص

وصل سليم إلى دير المخلّص في جون الشوف، مساء 7 أيلول 1874، وكان له من العمر 21 سنة، فلبس ثوب الابتداء في الحال في 19 أيلول من السنة نفسها، ودُعي باسم بشارة (…).

إرتسم الشمّاس بشارة كاهنًا في اليوم الثاني لعيد الميلاد، في 26 كانون الأوّل 1883، واتّخذ شعاراً لكهنوته آية من النبيّ حزقيال: “إنّي أقمتك رقيباً لهذا الشعب، فكلّ نفس تهلك بسببك، فمن يدك أطلبها” (حز 3: 17) (…).
في 8 تشرين الثاني من السنة 1891، صدر أمر انتقال الأب بشارة إلى دير القمر، فما كان منه إلاّ أن “حمل فراشه ومشى” إلى قرى ودايا دير القمر: سرجبال، وادي بنحليه، بنويتي، وادي الدير، وادي دير دوريت… وطالت خدمته أيضاً قرى أخرى امتدّت من المختارة جبلاً حتّى الدامور ساحلاً. يكفي بأن نقول إنّ ذكراه لا تزال حتّى اليوم راسخة في أذهان أهل تلك المنطقة وفي قلوبهم. إذا كان القدّيس شربل قد تقدّس في النسك، فالأب بشارة تقدّس في الخدمة الرعويّة التي لم تعرف تعباً ولا كللاً.

في 26 شباط 1923، نُقل الأب بشارة نهائيًّا إلى دير المخلّص للاستراحة الأخيرة، فعاد إلى الدير الذي اشتاقت إليه نفسه وذابت. تركه شابًّا، فعاد إليه شيخًا جليلاً، كلّل بياضُ الشعر رأسَه ونقاوةُ السيرة قلبَه. انتقى له في الدير غرفة قرب الكنيسة، كي يظلّ قريبًا من حبيبه الإلهيّ، وكانت حجّته في ذلك أن يبقى ساهراً على زيت القنديل الذي أمام القربان المقدّس. فإذ به أضحى هو نفسه قنديلاً حيًّا أنارت نفسه كل سكّان الدير وزائريه، الذين توافدوا بكثرة جاعلين من غرفته محجّة للصلاة والتبرّك.

وفي صباح سبت الأموات الواقع في 22 شباط من السنة 1922، حانت ساعة اللقاء بربّه، فطارت روحه إلى السماء نقيّة بارّة. وحالاً قرّرت السلطة الرهبانيّة أن يُدفن، ليس مع باقي الرهبان، بل في مدفن خاصّ، نظراً لبرارة حياته وبطولة فضائله. فحُفر حائط كنيسة دير المخلّص الجنوبيّ، ووُرِي جثمانه فيه، وثُبِّتت بلاطة فوق ضريحه كُتب عليها: “هنا يرقد على رجاء القيامة الأخيرة خادم الله الأب بشارة أبو مراد المخلّصي (1853 – 1930)، مثال الحياة الرهبانيّة العالية والكمال الكهنوتيّ السامي”.

ومن ذلك الحين، صار ضريحه محجّة للمؤمنين، ومقصدًا لكلّ طالب معونة، وتسجّلت في سجّل الضريح أشفية عدّة جرت بشفاعة الأب بشارة. واقتناعًا منها بقداسة حياته، رفعت السلطة الرهبانيّة دعواه إلى مجمع القدّيسين في روما كي يُعلَن، إن شاء الله، مكرَّماً، فطوباويّاً فقدّيساً، على مذابح الكنيسة جمعاء. فأُجريت كلّ الإجراءات القانونيّة اللاّزمة، على الصعيد المحلّي، وجُمعت الشهادات، وتكوّن ملفّ هو الآن قيد الدرس من قبل الاختصاصيّين اللاّهوتيّين في دوائر الفاتيكان المختّصة. وفي السنة 2005، احتفلت الرهبانيّة المخلّصيّة بذكرى مرور 75 سنة على وفاة الأب بشارة، وبالمناسبة قرّرت السلطة فيها إنتاج فيلم ضخم عن سيرة حياته، سيُعرَض في صالات السينما اللبنانيّة أوائل شهر تشرين الثاني المقبل (…).

 

2 thoughts on “بشارة أبو مراد “قديس” آخر من لبنان

  1. ارجو رايك في الاية الكريمة على لسان نبي الله عيسى عليه السلام:
    ( ان الله ربي وربكم فاعبدوه. هذا صراط مستقيم’- فلما احس عيسى منهم الكفر قال من انصاري الى الله
    قال الحواريون : نحن انصار الله–امنا بالله واشهد بانا مسلمون)
    واستمع الى دعاء الحواريين:
    (ربنا امنا بما انزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين)واقراء وتدبر هداك الله
    (اذ قال الله يا عيسى اني متوفيك ورافعك الي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا الى يوم القيامة ثم الي مرجعكم فاحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون)—صدق الله العظيم ياشيخي الفاضل لان يهدي الله بك احب اليك من الدنيا وما فيها

    Like

  2. الى السيد ابو مراد بشارة رجل الدين الذي فوضه الله تعالى لنشر دين التوحبد كما جاء على لسان رسوله ونبيه عيسى عليه السلام الذي قال وهو في المهد–وكان معجزة لبني اسرائيل ولادته من العذراء البتول مريم سيدة نساء اهل الدنيا في زمانها—وكلامه في المهد مبرئا امه الطاهرة مما ينسب اليها–
    اقراء بتدبر فلك في القران الكريم الذي لاياتيه الباطل علما كثيرا دع الكتب التي سطرها اليهود فهم المغضوب عليهم الى يوم الدين امن بالله وكتبه ورسله تسلم باذن الله
    اسلم تسلم ولك الجنة مع الابرار–والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    Like

Comments are closed.