.. إلى أن جاء الضوء الأخضر من إيران

Iran as octopus

خيرالله خيرالله 

أنقذ الرئيس سعد الدين رفيق الحريري ما يمكن انقاذه من مؤسسات الدولة اللبنانية التي تتعرض لهجمة شرسة تستهدف القضاء عليها. استطاع زعيم الأكثرية النيابية والشعبية في لبنان تشكيل حكومته بعد مماحكات استمرت مئة وخمسة وثلاثين يومًا تولت خلالها ادوات الأدوات تنفيذ مهمة العرقلة على نحو مباشر بعد صدور تعليمات واضحة لها في هذا الشأن. لمّا جاء الضوء الأخضر من طهران، تشكلت الحكومة من دون ان يعني ذلك انها ليست حكومة مقبولة الى حد ما، علما ان ثمة من يعتبرها حكومة سيئة ما فيه الكفاية نظرا الى تجاوزات كثيرة رافقت عملية التشكيل. لا شك ان الحكومة ضمت شخصيات تبعث على التفاؤل مثل الشيخ بطرس حرب وغيره من الوطنيين. لكنها ضمت في المقابل شخصيات اقل ما يمكن ان توصف به انها تمثل الفشل بحد ذاته وتجسده من كل ناحية من النواحي!

لعلّ افضل من لخص السلبيات التي تخللت مرحلة ما قبل ولادة الحكومة الرئيس نجيب ميقاتي الذي ابدى خوفه على مستقبل النظام الديموقراطي في لبنان وعلى الصيغة اللبنانية التي سعى اتفاق الطائف إلى المحافظة عليها قدر الإمكان عن طريق حفظ التوازن بين المسلمين والمسيحيين بعيدا عن لغة السلاح والميليشيات والكلام عن الأكثرية العددية وما شابه ذلك.

لمح رئيس الوزراء السابق ونائب طرابلس حاليا الى ان المطلوب، في ما يبدو،  تكريس بدء العمل بنظام جديد في لبنان يحل مكان المعمول به حاليا، او اقله فرض طريقة جديدة تتشكل بموجبها الحكومات بعيدا عن الأصول الديموقراطية. قال بالحرف الواحد: ” كثير من التجاوزات رافق تشكيل الحكومة، لا سيما في ما يتعلق بصلاحيات الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية في اختيار الوزراء والحقائب واعلان الحكومة وذهاب الأفرقاء السياسيين المعنيين بعيدا في التمسك بمطالبهم ما حوّل عملية تشكيل الحكومة الى بازار مفتوح على المزايدات وعمليات العرض والطلب”. أمل ميقاتي، ويبدو انه يدرك مغزى فرض وزراء بقوة السلاح والأبعاد المترتبة على تركيب اطراف اصطناعية لسياسيين لبنانيين بهدف تضخيم احجامهم ليس إلاّ، ان تكون هذه التجاوزات “مرحلية وان لا تكرس اعرافا عند تشكيل الحكومات مستقبلا”. ما الذي يضمن ذلك في ظل وجود السلاح لدى فئة محددة من اللبنانيين؟

المؤسف ان هناك بين اللبنانيين من قبل لعب دور الأداة لدى الأدوات. كانت النتيجة المناورات والتهديدات التي سبقت تشكيل الحكومة الحالية بما يعكس رغبة واضحة في احلال السلاح مكان نتائج الإنتخابات والديموقراطية. الهدف بكل وضوح فرض امر واقع على اللبنانيين يقبلون بموجبه الرضوخ لما يطالب به “حزب الله” الذي ليس في نهاية المطاف سوى لواء في “الحرس الثوري” الإيراني بعناصر لبنانية. هناك، بين المسيحيين، من قبل ان يكون لديه وزراء في الحكومة بفضل سلاح “حزب الله” والتهديد اليومي بضرب السلم الإجتماعي وأخذ البلد الى مغامرة جديدة تصب في خدمة المحور الإيراني- السوري وإسرائيل في الوقت ذاته، على غرار مغامرة حرب صيف العام 2006 واستكمال الحرب الإسرائيلية بالإعتصام في وسط بيروت… ثم غزو العاصمة والجبل الدرزي.

المخيف، وسط كل الكلام عن دور ايجابي لدمشق، انه خلافا لكل ما يقال عن استعداد لدى النظام السوري للعمل من اجل ايجاد مكان له في اطار الأسرة الدولية، ليس ما يشير الى وجود اي نية لديه للتخلي عن ممارسات شب عليها. على رأس هذه الممارسات تهريب السلاح والمسلحين الى لبنان والتظاهر في النهاية بأنه قادر على لعب دور الإطفائي… والدعوة الى الوفاق بين اللبنانيين. يرفض هذا النظام الإعتراف بأزمته العميقة التي تبدأ بضمور اقتصاده والنمو السكاني الهائل والهجرة المستمرة الى المدن وتنتهي بنمو ظاهرة التطرف الديني. ليس امام هذا النظام، العاجز عن مواجهة ازمته التي تجعله غير قادر لا على الحرب ولا على السلام، سوى العبث بلبنان والإرتماء في احضان ايران ومسايرة تركيا الى ابعد حدود المسايرة. انها عملية هروب مستمرة الى امام، كانت العراقيل في وجه تشكيل حكومة سعد الدين الحريري جزءا لا يتجزأ منها.

ما ينطبق على النظام السوري، ينطبق بشكل أكبر على النظام الإيراني الذي اثبت انه صار اللاعب الأول في لبنان وان لديه الأداة التي تمكنه من السيطرة على المعارضة اللبنانية باستثناء التنظيمات التابعة مباشرة للأجهزة السورية. لم تبصر الحكومة النور إلاّ بعد تدخلات قام بها غير طرف لدى طهران. كان المسؤولون الإيرانيون الكبار يرددون امام الوسطاء انهم ليسوا على عجلة من امرهم وان ولادة الحكومة اللبنانية تستطيع ان تنتظر وان الأمر يتعلق بتصفية حسابات بين ايران واطراف عربية معينة! بالنسبة الى النظام في ايران، لبنان ليس سوى “ساحة” وبيروت ليست سوى مدينة على المتوسط تسيطر عليها ميليشيا تأخذ تعليماتها من طهران.

غدا او بعد غد، سيتبين ان الرئيس الحريري كان على حق عندما تسلح بالصبر والحكمة التي فرضت عليه التحول الى طبيب نفساني احيانا. كشفت مرحلة ما قبل تشكيل الحكومة نوع التحديات الذي يواجه الإستقلاليين في لبنان. انها تحديات من العيار الثقيل مرتبطة الى حد كبير بمستقبل البلد. هل لبنان بلد مستقل ام انه رأس حربة للمحور الإيراني- السوري؟ هل هو بلد يحترم قرارات الشرعية الدولية، على رأسها القرار 1701 ام يسعى الى التحايل عليها ارضاء للرغبات السورية- الإيرانية؟ هل يمكن ان يكون لبنان ضد القرارات الدولية ومعها في الوقت ذاته؟ هل يمكن العودة الى المؤسسات الديموقراطية… ام ان الكلمة النهائية للسلاح الموجه الى صدور المواطنين؟

في حال كان مطلوبا اختصار الوضع اللبناني بكلمات قليلة، يمكن القول ان لبنان يقاوم. تشكيل الحكومة تعبير عن هذه المقاومة لا اكثر ولا اقل. ثقافة الحياة في لبنان لا تزال تقاوم. ثقافة الحياة هي التي مكنت اللبنانيين من الإنتصار على نظام الوصاية وإخراجه عسكريا وهي التي جاءت بالمحكمة الدولية… ثمة في الحكومة الجديدة من لا يريد السماع بالمحكمة. أوليس ذلك كافيا للخوف عليها وعلى مؤسسات الدولة اللبنانية التي يعمل سعد الحريري على المحافظة عليها وحمايتها وتطويرها؟