“السلاح والديمقراطية لا يتفقان”: لماذا تعود بكركي والبطريرك الى دقّ ناقوس الخطر

Patriarch sfeir7

رياض طوق

“الشفاف” – بيروت

لم يخف البطريرك الماروني امتعاضه من السكوت الذي يترافق مع التطورات السياسية الجديدة التي عادت لتحكم قواعد اللعبة في لبنان. اذ قبل أسبوعين، لدى استقباله بعض أركان قوى 14 آذار أظهر عتبه قائلاً بأن لوليد جنبلاط ظروفه وكلنا بات يعرفها، وسعد الحريري يشكل حكومته الاولى، أما أنتم أي مسيحيو 14آذار فما من مبرر لالتزامكم الصمت ازاء ما يحصل في لبنان…

وجّه البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير انتقاداً علنياً لسلاح حزب الله في مجلة “المسيرة” في الاسابيع الماضية الاخيرة معتبراً أن هذا الحزب “يعمل لمصلحة ايران أكثر مما يعمل لمصلحة لبنان”، وأضاف أن “السلاح والديمقراطية لا يتفقان”. هذا الانتقاد المباشر والخالي من الايحاءات والتشابيه التي يعتمدها البطريرك عادةً هو تعبير صارخ عن موقف الكنيسة المارونية الحاسم من السلاح غير الشرعي في لبنان. اعتبر البعض ان هذا الوضوح هو استشعار الكنيسة الخطر الذي بدأ يتهدد النظام اللبناني. فالبطريرك كان قد أكد في غير من نداء وتصريح أنه ضدّ الحكم القائم على المشاركة ما بين الاكثرية والاقلية أو بين الموالاة والمعارضة مشبهاً هذا الوضع بـ”عربة يجرّها حصانان في اتجاهين معاكسين”. وكالعادة لم يسلم البطريرك من الحملات الاعلامية الشرسة التي أصبحت روتينية عند كل موقف لرأس الكنيسة المارونية. وربما هناك خطوط حمر تمنع أخصام البطريرك من غير طائفته من انتقاده نظراً الى التوازنات الطائفية الدقيقة التي تحكم العلاقات تاريخياً بين اللبنانيين والتي نجح في خرقها موارنة من جبل لبنان ينتمون دينياً وعقائديا الى الكنيسة المارونية.

المناخ الذي نجح هؤلاء في ايجاده توسّع كما انتشار بقعة الزيت لتصل آثاره الى داخل الكنيسة المارونية نفسها عبر بعض الكهنة ورجال الاكليروس الموارنة الذين ساهمت مواقف بعضهم المتمايزة عن موقف الكنيسة باظهار موقف الكنيسة ضعيفاً وغير قادرعلى حسم الامور وتوحيد الرأي داخل المؤسسة نفسها. وكان بعض التسريبات المتعلقة بمواقف البطريرك عشية الانتخابات النيابية، كتصريحه الذي اعتبر فيه أن نجاح قوى 8 آذار في الانتخابات يشكل خطراً على الكيان، قد ذهبت الى اعتبار هذا الموقف غير صادر عن مجلس المطارنة الموارنة بل عن البطريرك شخصيّاً، وهو بالتالي يعبر عن رأيه. فاستغل بعض السياسيين الموارنة المتحالفين مع النظامين السوري والايراني هذه الشائعات ليقولوا أن البطريرك يغرد خارج سرب كنيسته وليقوموا بهجوم عليه اعتبر سابقة في تعامل موارنة مع رأس كنيستهم.

ثوابت الكنيسة المارونية

وسط هذا المناخ عقد مجلس المطارنة الموارنة في أول اربعاء من شهر تشرين الثاني ضمّن بيانه ما يأتي: “البطريركية المارونية ذات دور معروف في قيام هذا الوطن، والمحافظة على ديمومته لا ينكره عليها أحد، وسواء صدرت توجيهات عن البطريرك شخصياً أو عنه مع مجمع الاساقفة، فهي تعبر عن رأيهم الواحد لمجرد استلهامها هذا الدور، وقبولها التضحيات بدلاً من المنافع الآنية من أجل المصلحة العامة”.

هذا البيان وفق أحد الاساقفة الموارنة جاء لينسف كل الشائعات التي تتحدث عن عدم رضى بعض المطارنة عن مواقف بطريركهم. الا أن اللافت في هذا الموقف الصادر عن آباء الكنيسة المارونية هو المصادفة التي جمعت ما بين زيارة السفير البابوي الجديد في لبنان المونسنيور غابريالي جوردانو الى بكركي اثر تصريحات البطريرك التي لم يتراجع عنها بل شدد عليها امام زواره، وبين ما تضمنه البيان. فالسفير البابوي الجديد الذي جدد دعم الفاتيكان لصفير كان سلّمه رسالة لم يكشف عن مضمونها. وهنا يؤكد أحد الاساقفة الموارنة أن مجلس المطارنة لا يتلو رسائل بابوية عند التعبير عن رأيه، بل يقول قناعاته وثوابته.

وبالرغم من أن تشديد المطارنة على أن مواقف البطريرك هي مواقفهم لا بدّ من التوقف عند الدعم الفاتيكاني الذي يُعتبر فوق العادة.

من عادات الكرسي الرسولي في روما دعم رأس الكنيسة المارونية في لبنان ومن يمثلها، وهذا الامر يتجلى في السينودوس وفي الارشاد الرسولي وفي مواقف السفراء البابويين. الا انه هذه المرة لم يكن دعماً فاتيكانياً عامّاً، بل جاء في الوقت الذي تعبّر الكنيسة بكل وضوح عن مواقفها من سلاح حزب الله، وفي مرحلة ينصّب فيها السوري نفسه لاعباً رئيسياً ومحورياً. فالسفير البابوي “كاتشيا” يحمل تعليمات فاتيكانية لدعم البطريركية برئاسة البطريرك نصرالله صفير. وقد جاء هذا الموقف بعدما كان الكرسي الرسولي أوفد الى لبنان رئيس المجمع المقدس للكنائس الشرقية “الكاردينال ليوناردو ساندري” للاطلاع على وضع البطريركية عن كثب، وذلك بعد تصاعد الكلام المعترض على اداء البطريرك وخروج اصوات تطالب بتنحيته عن كرسيّه.

وتقول بعض الاوساط الكنسية القريبة من دوائر الفاتيكان أن “ساندري” أبلغ روما الرسالة التالية: “البطريرك رجل حكيم، متوازن، يقول ما يؤمن به ويضع مصلحة بلاده فوق أي مصلحة. ووجوده على كرسي انطاكية وسائر المشرق ضمانة مسيحية ووطنية”.

فكان لهذه الرسالة وقعها نظراً الى مكانة ساندري الكنسية في روما. فمصادر الكرسي الرسولي تقول ان هناك مناخاً فاتيكانياً يبشر بتحرك الكرسي الرسولي على أعلى المستويات من أجل دعم بطريرك انطاكية وسائر المشرق في “المواجهة” التي بدأ يخوضها منفردأ من جديد يسانده بعض المسيحيين بعد “الستاتيكو” الاقليمي الذي فرض على لبنان بعد الانتخابات النيابية.

دفاع عن الدولة

النائب السابق سمير فرنجية الذي رافق البطريرك نصرالله صفير منذ أوائل التسعينات ليصبح من أقرب المقربين منه يملك قراءة لمواقف صفير القديمة- الجديدة والمدعومة من الفاتيكان في هذه المرحلة بالذات. فهو يعتبر أن معركة البطريرك لم تبدأ اليوم. فهو كان عبّر عنها بوضوح عشية الانتخابات النيابية عندما استشعر بخطر نقل البلاد من موقع الى آخر، وهو يعتبر اليوم ان الانقضاض على نتائج الانتخابات هو التحدي الاكبر للنظام اللبناني الديمقراطي ومن هنا جاء موقفه لمجلة “المسيرة” بأن الديمقراطية والسلاح لا يتفقان. ويشبّه فرنجيه بيان المطارنة الموارنة الاخير الذي تبنى في شكلٍ حاسمٍ ما يصدر عن سيد بكركي بالنداء التاريخي الذي صدر في ايلول من العام 2000 عندما طالب بخروج الجيش السوري من لبنان، لأن السلاح السوري الذي كان يمنع في السابق قيام الدولة استُبدِل بسلاح حزب الله الذي يمنع اليوم قيام الدولة ويهدد مقوّمات النظام اللبناني. ويضيف أن موقف البطريرك ليس دفاعاً عن فريق مسيحي في مواجهة فريق آخر، بل هو دفاع عن الدولة بالمطلق، وهو يحدد عملياً مضموناً واضحاً للحوار المطلوب الذي دعا اليه رئيس الجمهورية. فالكنيسة المارونية تتحرك عندما يعجز رجال السياسة والرأي العام اللبناني عن اتخاذ مواقف. فبكركي التي تحركت وأطلقت صرختها في أيلول 2000 عندما كان السواد الاعظم من اللبنانيين مغلوباً على امره وبعض اللبنانيين أضحى مدجّناً وراضخاً للامر الواقع، تعود اليوم لتدقّ ناقوس الخطر في وقت تمرّ فيه البلاد بمرحلة شبيهة لتلك المرحلة بدأت ملامحها ترتسم منذ بدأ تشكيل الحكومة اللبنانية التي كانت ستتشّكل منذ ايامها الاولى لولا ضغط السلاح والتي لما كانت تشكلت لولا رضا ومباركة سوريين.

وعن توقيت الموقف الفاتيكاني الداعم لبكركي، يؤكد فرنجيه انه ليس من قبيل المصادفة. ففي ظلّ اعادة رسم للمنطقة تحت وطأة التأثيرات الاقليمية، هناك دور مفقود لمسيحيّي الشرق بسبب ضعف مسيحيّي لبنان وهناك تعويل فاتيكاني على الكنيسة اللبنانية في الشرق لا سيما ان البطريرك صفير هو أحد أشد المؤمنين بالصيغة اللبنانية وبالعيش المشترك وبدور مسيحيي لبنان في احتضان القضايا العربية المحقّة.

الزيارة الى سوريا

قال البطريرك صفيرذات يوم: “سبقني على الكرسي الانطاكي خمسة وسبعون بطريركاً وسيأتي بعدي كثيرون ولن أكون الحلقة التي ستنكسر”.

انطلاقاً من هذا الموقف المبدئي أعلن البطريرك في حديثه الاخير امام زواره وامام وسائل الاعلام يوم الاثنين 16 تشرين الثاني من العام 2009 أن زيارة سوريا غير واردة في الوقت الحالي. هذا الموقف التاريخي للبطريرك ليس حديثاً او مرتبطاً بموقف أو تكتيك سياسي آني وظرفي.

وينقل الصحافي أنطوان سعد كاتب سيرة البطريرك السادس والسبعين عن صفير في الجزء الاول أن الدعوة الاولى شبه الرسمية التي تلقاها صفير لزيارة دمشق كانت من الرئيس الأسبق للجمهورية سليمان فرنجية. ويذكر الكاتب نقلاً عن البطريرك انه في الجلسات التي عقدها مع الرئيس فرنجيه شرح صفير الاسباب التي تحول دون زيارته الى الشام. “لم تدرج العادة، قال البطريرك للرئيس، ولا أرى أي موجب في الظروف الراهنة لبدء هكذا تقليد. في أي حال، ان بدت الحاجة يوماً ملحة الى القيام بهذه الخطوة فأنا مستعدّ، لكن ليس قبل ان نتفق على برنامج عمل واضح، أعود بنتيجته بشيء ما من دمشق. اذ لا رغبة لي بزيارة سياحية أياً كانت حفاوة الاستقبال. ان عدت خالي الوفاض من هناك، فان من شأن ذلك أن يشجع التيارات المعادية لسوريا”.

فالبطريرك ما زال يعتبر ان نظام الاسد، كما كل الانظمة السورية المتعاقبة، كائناً من كان على رأسها، لم ترد الاعتراف ضمناً بنهائية الكيان اللبناني وهذا ما يشكل عائقاً أمام علاقات جيدة بين دمشق وبكركي. فالتجربة الشخصية التي خاضها صفير مع السوريين قبل اعتلائه السدّة البطريركية عندما كان مطراناً غير مشجعة. المرة الاولى كانت عام 1962 في زيارة قام بها الى الشام حيث التقى الرئيس السوري السابق ناظم القدسي. ويقول البطريرك نقلاً عن المرجع نفسه: “كان سمح الخلق، ودمث الاخلاق، غير انه راح يقول كلاماُ فوقياً مفاده ان لبنان مصدر قلق لهم، وأنهم قادرون على اجتياحه ساعة يريدون، قائلاً ان ان سوريا كبيرة وقوية وقادرة على غزو لبنان”.

والمرة الثانية كانت يوم التقى الرئيس حافظ الاسد عندما قام وفد من المطارنة الموارنة كان المطران نصر الله صفير في عداده بزيارة الى دمشق لشكر الرئيس السوري على ايفاده من يعزّي باسمه في جنازة البطريرك المعوشي ولتهنئة البطريرك خريش بتنصيبه. وقال الأسد كلاماً لم يرق للمطران صفير ولم يبعث في نفسه الاطمئنان من النظرة السورية الى لبنان لا سيما عندما عرض الأسد لوجهة نظره عن كيفية ادارة النظام الاقتصادي والاجتماعي والضريبي في لبنان بالاضافة الى اثارته موضوع التربية.

هاتان الزيارتان الرسميتان الوحيدتان التي قام بهما صفير الى سوريا وسمع خلالهما محاضرتين في التاريخ والجغرافيا والاصلاحات لم تشجعانه كما يبدو على تكرار التجربة.

الكنيسة والسياسة

“لم ولن تتقاعس الكنيسة يوماً عن القيام بواجبها”|، يقول مسؤول كنسي. والحملات النارية التي تعرض لها البطريرك والتي تعتبر سابقة في تاريخ لبنان المعاصر خاصة انها صدرت عن شخصيات سياسية واعلامية مارونية دفعت آباء الكنيسة الى توحيد الكلمة حول سيد بكركي. فالمسيحيون القريبون من سوريا كالنائب سليمان فرنجيه بالاشتراك مع معظم نواب التيار الوطني الحر وعلى رأسهم النائب نبيل نقولا الذي يبدو أنه بات متخصصاً في الردّ على البطريرك لم يتوانوا عن فتح الباب امام اعداء البطريركية لتوجيه الشتائم والانتقادات الى بكركي. كما بعض الاعلاميين المرتبطين مادياً ومعنوياً بحزب الله اخذوا من منابر هذا الحزب حصناً لتوجيه الشتائم والسباب لسيد بكركي، مثل الصحافي جوزيف أبو فاضل الذي يتّخذ صفة مستشار سياسي لقناة “المنار” والصحافي جان عزيز مدير أخبار قناة “أو تي في” والكاتب في جريدة “الاخبار”.

ويبدو ان العماد ميشال عون بات يجد في البطريرك صفير عائقاً امام تنصيب نفسه بطريركاً زمنياً على موارنة لبنان ومسيحيي الشرق. فالمبالغة في حفاوة الاستقبال والاحتفالات الدينية التي ترافقت مع زيارته لسوريا كان الهدف منها ابلاغ من يجب ابلاغهم بان العماد عون بات هو مرجعية المسيحيين لا سيما الموارنة منهم في لبنان على طريقة “الممثل الشرعي والوحيد”.

هذا التبني المسيحي لعزل البطريركية لم يعد وقفاً على المسيحيين اللبنانيين، بل تخطاه الى مرجعيات دينية اساسية خرقت العرف السائد لذي يقوم على احترام المرجعيات لبعضها البعض. وربما كان خطاب المرجع الديني الشيعي العلامة محمد حسين فضل لله عندما قال ان “مجد لبنان لم يعط لبطريرك الموارنة” هو الذي أعاد اللحمة الى داخل الكنيسة المارونية. لان الاساقفة والمفكرين الموارنة اعتبروا ان هذا ليس هجوماً على شخص البطريرك بل على الاسس التي بني عليها الكيان اللبناني.

الكنيسة المارونية تتعاطى السياسة بغضّ النظر عن رأي أهل السياسة، هذا هو فحوى ما صدر عن المجمع البطريركي الماروني في العاشر من حزيران عام 2006 تحت عنوان الكنيسة المارونية والسياسة. وهذا أبرز ما جاء في المقدمة:

– “إنّ تجربة الموارنة في السياسة هي من أقدم وأكثر التجارب تنوّعًا واكتمالاً بين مسيحيّي الشرق. لقد تميّز دور الموارنة بتعاطيهم المباشر في السياسة، على مستوياتٍ ثلاثة: داخل الإطار الكنسيّ برعاية البطريركيّة المارونيّة، وعلى مستوى السياسيّين، ولا سيّما النافذين منهم، وعلى المستوى الشعبيّ العامّ. بدأ التعاطي المارونيّ في السياسة قبل نشوء دولة لبنان الكبير بعدّة قرون”.

 ” عندما نتكلّم عن الكنيسة والسياسة نعني: أوّلاً، الكنيسة كمرجعيّةٍ دينيّة تتعاطى الشأن السياسيّ؛ وثانيًا، أبناء الكنيسة الموارنة على مختلف انتماءاتهم واتّجاهاتهم في لبنان وبلدان الانتشار.

لقد تبلورت العلاقة المتبدّلة بين الكنيسة المارونيّة والسياسة، عبر حقبتين تاريخيّتين: حقبة الأنظمة الأمبراطوريّة التي استمرّت حتى الحرب العالميّة الأولى، وحقبة الدولة التي بدأت منذ مطلع القرن الماضي”.

ما صدر عن هذا المجمع يؤكد وبشكل قاطع مجاهرة الكنيسة المارونية بتعاطيها السياسي كائناً من كان على رأسها وفي أي حقبة كانت من الزمن. من هنا يأتي السؤال ما اذا كانت الكنيسة المارونية ستعود للعب دورها اليوم في ظل دقّة المرحلة الراهنة في وقت يحكى فيه عن اعادة رسم للمنطقة ولملامح السياسة اللبنانية؟ وهل يمكن تشبيه هذا الدور بالدور الذي اضطلعت به سابقاً خاصة بعد العام 2000 قبل ان تكرّ السبحة التي أوصلت الى انتفاضة الاستقلال وجلاء الجيش السوري عن لبنان؟