استباقاً لحوار فاشل !

نبيل بو منصف

بقلم نبيل بومنصف

مع أن الاثارة المبكرة لموضوع احياء طاولة الحوار في القصر الجمهوري قد تتسم بالتسرع قبل معرفة القواعد الاجرائية الجديدة وجدول اعمال هذا الحوار، فثمة وقائع سياسية تستبق هذا الاستحقاق لمصلحة المشككين اصلا في جدواه، وربما اكثر اي الجزم مسبقا بعقمه.

من المسلم به ان طاولة الحوار باتت العنوان لـ”مؤسسة” استراتيجية رديفة للسلطة التنفيذية تحت وطأة الخشية من تفجّر الخلافات والانقسامات السياسية العميقة حول سلاح “حزب الله” في مجلس الوزراء. حتى ان المفهوم العام الذي عمّمته هذه التجربة بشقيها عامي 2006 و2008، صار اشبه بتكريس قاعدة فوقية، بمعنى انه يترك لمجلس الوزراء التزام ما ورد في البيان الوزاري حول المقاومة كنص مكتسب لـ”حزب الله”، فيما ينزع من مجلس الوزراء صلاحيته الدستورية والاجرائية الاساسية في مناقشة ملف بهذا الطابع المصيري الخطير.

حصل هذا الانحراف الدستوري الجسيم تحت وطأة ظروف امنية وسياسية قاهرة بطبيعة الحال، ولكن تكريسه لم يعد يخفف مسؤولية القوى الرافضة له اصلا ما دامت تسلس القيادة للقوى المفيدة منه، على غرار ما يجري الآن في التحضيرات للجولة الثالثة او للطاولة الثالثة للحوار.

واذا كانت القوى المنخرطة في الحكومة والحكم سواء بسواء تتحمل بالتكافل والتضامن تبعة الاثر الدستوري والاجرائي والشكلي لهذا الانحراف، فسيتعين عليها ايضا ان تواجه من الآن حقيقة اخرى تتصل بالاقدام على استحقاق محفوف بنسبة ساحقة من الفشل والاخفاق اذا ما قيست بطلائع المواقف والتوجهات الجادة و”الوازنة” المتعلقة بسلاح “حزب الله”. وثمة ثلاثة نماذج متعاقبة في الآونة الاخيرة على الاقل تثبت هذه الحقيقة دونما حاجة الى الخوض في مجموعة مترامية اخرى من المعطيات الاقليمية والداخلية التي تؤسس اصلا لعقم التجربة.


النموذج الاول يتمثل في الوثيقة السياسية الثانية لـ”حزب الله” التي أعلنت غداة انجاز البيان الوزاري، والتي لا تترك ادنى شك في ان “حزب الله” يوازي وجوده وعقيدته ومساره ومقاومته بسلاحه وبحالته المستقلة التي تأبى اي اندماج مع الدولة كتنظيم مسلح حتى تحقيق “الدولة العادلة والقوية”، وهو هدف نظري اشبه بمبدأ “سوريالي” مستحيل التطبيق من الوجهة “الكمالية” التي تطرحها الوثيقة.

والنموذج الثاني يعكسه “نغم” متصاعد من بعض الجهات المحسوبة على الحكم و”المعارضة السابقة” لافتعال مواجهة بين لبنان والامم المتحدة حول القرار 1559، علما انه لا يمكن تجاهل اطلاق هذه الحملة، المرشحة للتصاعد تباعا، عشية بدء عضوية لبنان غير الدائمة في مجلس الامن لسنتي 2010 و2011. وفي هذا السياق لا بد من التساؤل بريبة شديدة عن صاحب المصلحة الفعلية والخفية في جعل لبنان يتحول في مجلس الامن رأس حربة “ممانعة” ضد قرار دولي ذات صلة بالوضع اللبناني نفسه، واي ثمن سيرتبه ذلك على الديبلوماسية اللبنانية بازاء استنفار المجتمع الدولي حيال اي محاولة مماثلة؟

اما النموذج الثالث فجاء محمولا على “سقف مسيحي” هذه المرة بذهاب العماد ميشال عون الى ربط سلاح “حزب الله” بعودة آخر فلسطيني في لبنان الى فلسطين. وهذا التطور يوازي تماما الشعار الايديولوجي الذي يسبغ مشروعية سياسية على السلاح ما دام النزاع العربي – الاسرائيلي مفتوحا، ويتجاوز المهمة المعلنة له في تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.

تبعا لذلك لن يكون اقل مشروعية من مختلف هذه النماذج التساؤل بجدية مطلقة لماذا الحوار؟ وعلى اي موضوع؟ ولماذا التعب والجهد في تغيير اجراءات الحوار وشكلياته وممثليه، ما دام الموضوع الجوهري الذي سيجري على اساسه إحياء الطاولة الثالثة، قضية مقضية ومحسومة ومبتوتة بحوار ومن دونه؟