الرئيس بري ومصارعة الحق

بقلم/الياس بجاني

 من المعروف منطقياً وعملانياً أن فاقد الشيء لا يعطيه، كما أن المعرى من عباءة المصداقية ليس بإمكانه ستر عورات غيره من الناس ولا التبشير بالعدل والإنصاف والمساواة.

من هنا فإن السيد بري الغارق حتى أذنيه والثمالة في أوحال وأفخاخ المذهبية والمحاصصة والمصالح والمنافع الذاتية ، إضافة إلى تبعيته المطلقة لدولتي محور الشر، سوريا وإيران، ولحزب سلاحهما في لبنان، حزب ولاية الفقيه، والمتميز بهرطقاته النمرودية للقوانين والشرائع والقيم والمبادئ والأعراف كافة، والبابلي في خطابه ولغته، والمستهزئ بعقول وذكاء وذاكرة وإيمان اللبنانيين، هذا الأستاذ النبيه لا يمكنه أن يكون لا صادقاً ولا جدياً ولا نقياً ولا تقياً في أي عمل وطني يقوم به، ولا في أي طرح يقدمه.

 الأستاذ النبيه مكشوف وطنياً لدرجة تفوق التعري بدرجات، وطرحه تشكيل هيئة إلغاء الطائفية السياسية هو تعدِ صارخ على كرامة اللبنانيين، وانتهاك فاضح للحق والحقيقة. فهو برزمة أفعاله وأقواله منذ أن أدخله العراب الشامي عالم المليشياويين والسياسيين وأكلة الجبنة في لبنان حتى يومنا هذا، لم يكن يوماً إلا ما أراده السوري له أن يكون، وهو لم يخالف ولا مرة واحدة أي فرمان لهذا العراب الشقيق الشقي والدموي.

 أما كيف يمكننا “إلهياً” وصف مصداقية طرحه تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية، وكل ممارساته من موقعه كرئيس لمجلس النواب، ومعه نوصف ممارسات وخطاب حزب السلاح وبنفس اللغة “الإلهية” التي يخاطبوننا بها، فنستعير ردنا من المزمور (140/1-14) الذي يحاكي أفعال وأقوال أهل الشر والعنف والاستكبار وناصبي الفخاخ، ويطلب من الرب معاقبتهم: “خلصني يا رب من أهل السوء ومن أهل العنف أحفظني، هؤلاء يفكرون بالسوء في قلوبهم، وكل يوم ينادون بالحرب. لقد سنوا ألسنتهم كالحية، وسم الأفعى تحت شفاههم. احرسني يا رب من أيدي الأشرار، ومن أهل العنف أحفظني، أولئك المصممون على وقوعي في فخاخ نصبوها لي. لقد نصب المتكبرون فخاً لي وبسطوا شبكة بجانب الطريق ومدوا له أشراكاً وحبائل. قلت للرب أنت إلهي، فأنصت يا رب لصوتِي. الرب السيد عزي وخلاصي، وظل لرأسي يوم القتال. لا تُعطِ الأشرار ما يشتهون، فهؤلاء يكيدون المكائد فلا توفقهم. بسموم المحيطين بي يا رب، وبفساد كلامهم غطهم. ليسقط عليهم جمر نار، وليلقوا في المهاوي فلا يقومون. الشرير لا يثبت في الأرض، والجانح للعنف يصطاده الشر فيهلك. أعرف أن الرب يحكم للمساكين ويعطي المحتاجين حقهم. الصديقون يحمدون اسمك، والمستقيمون يقيمون في حضرتك”)

 كما لا بد وأن نستعير ردوداً بليغة على طرح الأستاذ البري الهرطقي والفخ من مقابلة أجريناها في 20 كانون الأول/2009 مع العلامة المجتهد سماحة السيد على الأمين وهي موجودة على موقعنا وكانت نشرتها أيضاً جريدة السياسة الكويتية، في أسفل أسئلتنا المتعلقة بطرح الرئيس بري وأجوبة السيد الأمين عليها:

 سؤالنا: جاء في وثيقة حزب الله الجديدة أنه وحتى إلغاء الطائفية السياسة من خلال اللجنة التي ستشكل لهذه الغاية لا يستطيع أن يعيش لبنان إلا في ظل الديموقراطية التوافقية. برأيكم ما هي جدية ومصداقية هذا الطرح؟

جواب السيد الأمين: اعتقد أن الهدف من طرح إلغاء الطائفية السياسة هو دعائي بحت وليس هو هدفاً حقيقياً. فمن الواضح أن الذين دعوا إلى هذا الأمر تحت شعار تطبيق الدستور كانوا هم أكثر الناس الذين خرجوا على الدستور وخالفوه. وقد رأينا كيف ألغيت المهلة الدستورية لانتخاب رئيس للجمهورية وكيف عُطِل الانتخاب وأغلق المجلس النيابي وكلها كانت مخالفات دستورية هائلة أوصلت البلد إلى أحداث السابع من أيار وإلى سفك الدماء بالمجان وإلى إضعاف الدولة إن لم نقل إسقاطها. فمن هنا اعتقادي أن الغاية من الدعوة لإلغاء الطائفية السياسية هي التخلص من وصمة المذهبية التي وصم بها أصحاب هذا الطرح. فقبل الدعوة هذه كانت برزت سياسات مذهبية ضيقة أدت إلى 7 أيار وما بعده وهذه المسألة أدركها العالم العربي. فهناك صبغة مذهبية وصم بها أصحاب السابع من أيار وأدركها الوطن العربي وأيضاً الرأي العام اللبناني.

اعتقد أن البعض الذي يطرح الآن إلغاء الطائفية السياسية يريد أن يتخلص من تلك الوصمة المذهبية والقول أنه ليس مذهبياً وإنما هو يريد إلغاء الطائفية السياسية وهو قد تخلص من الحالة المذهبية مع أن آثار الحالة المذهبية لا تزال موجودة وقائمة حتى يومنا هذا. لقد رفض هؤلاء الرأي الآخر داخل طائفتهم وهو الذي كان يحاول أن يبقي على جسور التواصل بين الطوائف اللبنانية فكيف يكونون صادقين في قبول الآخر من خارج طائفتهم؟!.

 سؤالنا: هل هذا الرفض، رفض الرأي الآخر داخل الطائفة جاء على خلفية دينية ومذهبية أم على أسس سياسية؟

جواب السيد الأمين: لقد جاء على خلفية مذهبية صرفة حيث إنهم كانوا يقولون لقواعدهم الشعبية بأن (فلان) خرج عن الطائفة لأنه صلى خلف مفتي الجمهورية وزار البطرك صفير وشارك في 14 شباط وغيرها من الدعايات التي أطلقوها تبريراً للاصطفاف المذهبي الذي صنعوه داخل الطائفة الشيعية إمعانا منهم في قطع جسور التواصل بين الطوائف اللبنانية.

 سؤالنا: ولكن أليس الرئيس نبيه بري هو من طرح إنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية؟

جواب المفتي الأمين: صحيح، ولكن الرئيس بري كان مشاركاً في اجتياح بيروت في السابع من أيار السنة الماضية والاجتياح كانت دوافعه ومحركاته مذهبية صرف.ولو افترضنا أن الدوافع كانت سياسية فهي لا تبرر سفك الدّماء التي تفتح الأبواب على الحرب الأهلية والصراعات المذهبيّة.

سؤالنا: ألم يكن عنوان مشروع ما حدث في 7 أيار هو الوقوف في وجه من أرد الاستئثار بالسلطة؟

جواب السيد الأمين: عجيب هذا القول فهم تركوا السلطة (حركة أمل وحزب الله) ولم يخرجهم أحد منها، علماً أنه لم يكن هناك أي استئثار للسلطة من أحد. الثنائي أمل وحزب الله هما اللذين خرجا من السلطة بقرار منهما ولم يخرجهما أحد وكان الطرفان مشاركين فيها ولكنهم خرجوا منها لتعطيلها والانقلاب عليها.

سؤالنا: هل تعتقد أن القيادات السياسية اللبنانية فعلاً تريد إلغاء الطائفية السياسية، وهل هم حقيقة جادون في طرح موضوع تشكيل الهيئة الوطنية التي سيناط بها هذا الأمر؟

جواب السيد الأمين: ممكن أن نقول أنهم يريدون ذلك، ولكن ما أراه حقيقة أنهم يريدون أن يحافظوا بأي شكل من الأشكال على الواقع الحالي الشاذ كونهم أكثر الناس استفادة منه، وقد أعطوه عنواناً براقاً هو الديموقراطية التوافقية التي تعني بمفهومهم إلغاء منطق الأكثرية. هم يطرحون ما يطرحونه من أجل أن يقول الآخرون لهم دعونا نبقى على ما نحن عليه اليوم. وطبقاً لمفهومهم للديموقراطية التوافقية لا يمكن انتخاب رئيس للجمهورية دون موافقتهم، ولا يمكن الإتيان برئيس للوزراء دون رضاهم وشروطهم، وبالطبع هم مسيطرون على المجلس النيابي وبالتالي فهم يهيمنون على كل مفاصل الدولة، فلماذا إذا يريدون تغيير الوضع الحالي القائم!!.

سؤالنا: إذا أين هو مبدأ المناصفة، ودور النظام البرلماني الأكثري، ودور مؤسسات الدولة في وسط هذا الوضع المرتبك والفوضوي؟

جواب السيد الأمين: قوى الأمر الواقع ألغت بالقوة النظام البرلماني الأكثري وفرضت وأيضاً بالقوة مبدأ الديموقراطية التوافقية كما يناسبها وكما يخدم استمرارية هيمنتها على الأرض والدولة معاً، وبالتالي لا احترام ولا دور لمؤسسات الدولة والدولة لا يمكنها فرض تطبيق الدستور والقانون عليهم. إنه وفي ظل هكذا وضع لا يمكن انتخاب رئيس للجمهورية أو تعيين رئيس لتشكيل الحكومة دون مفهومهم للديموقراطية التوافقية. لقد ألغوا بالقوة النظام البرلماني الأكثري وعطلوا الدستور ولذلك لا تبقى قيمة عملياً للمناصفة.

سؤالنا: هل عملياً دخلنا في مبدأ المثالثة وليس المناصفة دون الإعلان رسمياً عن هذا الأمر الخطير؟

جواب المفتي الأمين: بالتأكيد المثالثة مطبقة عملياً وواقعياً، ولكن دون توازن لأن هناك ثلث له الأرجحية وهو الثلث الممثل بالثنائي أمل وحزب الله.

سؤالنا: هل تحول هذا الأمر الواقع، أي المثالثة إلى عرف ودستور؟

جواب السيد الأمين: يمكننا القول أن هناك مناصفة في الحكم، ولكن النصف الأول هو لكل الطوائف مجتمعة، بينما النصف الآخر هو فقط للثنائي الشيعي أمل وحزب الله. هذا واقع محزن ولكنه حقيقة معاشة للأسف. أو أقله قد نقول هناك ثلث راجح وفي الحالتين التوازن مفقود والأرجحية للثنائي. هذا الواقع المحزن ظاهر جلياً في الفوضى وفي غياب الدولة وتغييب مؤسساتها وبوجود سلاح غير سلاح الدولة يخيف الناس ويرعبهم، وسلطة أمنية وعسكرية غير سلطة الدولة.

 سؤالنا: البعض يسأل متى أخافكم هذا السلاح؟

جواب السيد الأمين: أنا أقول إن هذا السلاح يخيفنا في الجنوب، فهو أرعبني وأخرجني من بيتي ومنعني بالقوة من ممارسة واجباتي ومسؤولياتي وهجرني داخل وطني. وأنا خائف من هذا السلاح على شعبي ووطني لأنه قد يدخلنا في حروب غير متكافئة كما حصل في حرب تموز ودفع لبنان كلّه ثمن الحرب. إن أي سلاح خارج سلطة الدولة يخيفني ويخيف المواطنين كافة. نحن لا نطمئن إلا لسلاح الدولة الشرعي وسلاح حزب الله يجب أن يكون تحت سلطة الدولة وبأمرتها. لا نقول بنزعه الآن بل أن يكون له ضوابط بظل وإشراف الدولة اللبنانية.

 وإلاهياً أيضاً، عندما غضب الله على حفيد النبي نوح، نمرود، لأنه عصي تعاليمه وتعالى عليه واستكبر واعتز بقوته وتحداه، جعله الله هو وأتباعه من أهل بابل يتكلمون لغات لا يفهمونها ولا يفهمها كل من يتحدثون إليه، ولا هم أيضاً يفهمون على بعضهم البعض. ومن يومها سُمي كل كلام مرتبك وغير مفهوم ومشوش “باللغة البابلية”، أي اللغة التي لا يفهمها لا المتحدث بها ولا المستمع إليها.

 من هنا فإن طرح الرئيس بري إلغاء الطائفية السياسية هو بالواقع المحسوس والمنظور والمعلوم لسان حال حزب الله، وفرمان صادر عن الباب العالي في كل من سوريا وإيران، وبالتالي هو طرح بابلي وبابلي اللغة، وأما أهدافه فشيطانية تصارع الحق والحقيقة.

 إن مصير طرح الرئيس بري البابلي هو الطرح في غياهب الأدراج، لأن من “يصارع الحق يصرعه” (الإمام علي)، ونقطة على السطر