الذميون وثقافة حزب الله المدمرة

الياس بجاني

إن الصراع المصيري الحقيقي المعاش اليوم في لبنان هو بين ثقافتين متناقضتين لا يجمع بينهما أي شيء، ولا بد لواحدة منهما أن تسود على الأخرى عاجلاً أم أجلاً.

من الجهة الأولى ثقافة الحياة المتجذرة في إيمان وعقول وفكر وممارسات وعلاقات ورسالة وضمائر اللبنانيين منذ سبعة آلاف سنة وعناصرها هي الديموقراطية، والحريات، والانفتاح، والتعددية، والمحبة والسلام بدل الحقد والحروب، والتعلق بالقانون والشرائع والمجتمع المدني والصداقات الإقليمية والدولية.

ومن الجهة الثانية ثقافة الموت المدمرة التي يسعى حزب الله إلى فرضها على اللبنانيين جميعاً بالعنف والإرهاب والغزوات، وهي ثقافة همجية تقدس الموت والانتحار وترفض الآخر وتعمل للقضاء عليه، ونشر عقيدة ولاية الفقيه المذهبية بالفرض، والتجييش بالقوة والتخوين والعبودية في أطر مفاهيم الجهاد الإيراني العنفي الساعي لاستعادة حلم الإمبراطورية الفارسية تحت مسمى “الأمة” المذهبي.

ثقافة لا تمت للتاريخ اللبناني بصلة، ولا لقيم وأخلاق وطبيعة اللبنانيين، وهي لا تحاكي أمانيهم وتطلعاتهم لا حاضرا ولا ماضياً ولا مستقبلاً. ثقافة مستوردة من إيران الملالي تعمل على تفكيك الكيان اللبناني متعدد الحضارات والثقافات والأديان، وتخريب مؤسساته وتعطيلها، وضرب وتهديم كل مقومات وأسس القانون والمجتمع المدني، وفك كل الارتباطات اللبنانية بالمجتمعين الدولي والإقليمي، ورفض كل القرارات الدولية، واستعداء كل دول العالم الحر والجوار العربي، وجعل وطن الأرز ساحة قتال وقاعدة ومنطلقاً للمشروع الإيراني التوسعي والمذهبي.

ثقافة حزب الله الشيطانية هذه سلاحها آلاف المقاتلين، ومليارات بترو دولارات إيران، وآلاف الصواريخ، وترسانة من الأسلحة تفوق بمرات ما هو بحوزة الجيش اللبناني، إضافة إلى دويلة ميليشياوية وأصولية ببناها التحتية ومؤسساتها كافة وخصوصاً التعليمية منها، ومربعات أمنية هي بؤر للإرهاب والأصولية منتشرة في بيروت والبقاع والجنوب وجبل لبنان وصولاً حتى الشمال.

يجهد حزب الملالي ليلاً ونهاراً بواسطة السلاح وكل وسائل الإرهاب الفكري والديني والمالي والغزوات والفتن لاقتلاع ثقافة الحياة اللبنانية وإرهاب المؤمنين بها، وتهميش حاملي لوائها وشل قدراتهم وعزلهم ووضعهم في موقف دفاعي، وفرض الذمية والخوف على كل تحركاتهم وأقوالهم.

على المستوى الشعبي لم يحرز الحزب الإيراني تقدماً يذكر والناس تقاوم بشجاعة وإيمان وقد دلت نتائج الإنتخابات النيابية الأخيرة، كما نتائج كل الانتخابات النقابية في كل الحقول على رفض غالبية اللبنانيين لثقافة الموت والسلاح.

أما على مستوى السياسيين والأحزاب والمثقفين فالحال مختلفة تماماً حيث بات السواد الأعظم من هؤلاء وتحديداً في المجتمع المسيحي النخبوي ذمياً ودونياً بعد أن شح زيت قناديل إيمانهم وخاب رجاؤهم وماتت في وجدانهم كل مكونات المحبة والكرامة واحترام الذات.

بنتيجة الجهل أو الخوف أو الأنانية لا فرق يسوّق هؤلاء لثقافة حزب الله في كل إطلالاتهم الإعلامية، فهم ودون أن يسألهم أحد نراهم يقاربون قضايا الوطن المصيرية والهوية والتاريخ والثوابت والصداقات بخجل وجبن وصوت خافت.

باستمرار وعلى خلفية الشعور بالذنب وعقد النقص يجرون عمليات فحص دم لوطنيتهم ولبنانيتهم ومعتقداتهم من خلال التبجح الببغائي بشعارات ومفاهيم كاذبة وبالية من مثل: “ما حدا يزايد علينا بالعداء لإسرائيل”، و “حزب الله حرر الجنوب وقدم الشهداء”، و”حتى سنة الألفين كانت مقاومة حزب الله مشروعة وكل اللبنانيين معها”، و”ما حدا يزايد علينا بالعروبة، كلنا عرب والطائف حسم الأمر”، وتطول قائمة الدجل والنفاق,

الكارثة هنا تكمن في غياب شبه كلي للمنظومة الثقافية والسياسية والحزبية والوطنية القادرة علمياً وإيماناً وجرأةً ورجاءً على الوقوف في وجه هجمة ثقافة حزب الله الكاسحة. والخطير أن الطاقم السياسي المُفترض أن يدافع عن ثقافة لبنان ويحميها ويسوّق لها هو في معظمه فاقد الثقة بقدسية قضيته ووطنه وإنسانه، وجاهلاً للتاريخ والتضحيات، ودوني في فكره وممارساته وخطابه، وأولوياته تتمحور فقط في نطاق مصالح ومنافع ذاتية وحزبية ضيقة.

للأسف، لقد نجح حزب الله بفرض معايير ثقافته الأصولية في ما يخص العداء والخيانة والوطنية على فريق كبير من السياسيين اللبنانيين المسيحيين المنتمين إلى أحزاب تحمل شعارات الحرية والسيادة والاستقلال والهوية والتاريخ والتميز وترفض ثقافته وتعارض مشروعه. بنتيجة الجهل وعشق النفوذ ومركبات الكراهية والحقد وضعوا أنفسهم في مواقف دفاعية ليس إلا وفشلوا فشلاً مدوياً في حمل مشعل ثقافة لبنان التاريخية. إنهم عميان بصر وبصيرة وجهلة يقودون الوطن ومواطنيه نحو الهاوية. محزن جداً أن تصبح ثقافة لبنان يتيمة ومتروكة وفريسة سهلة لحيتان أصولية في النهاية لن توفر أحداً.

المطلوب من الأحزاب السيادية اللبنانية، ومنها المسيحية تحديداً مراجعة نقدية ذاتية معمقة ووجدانية لأولوياتها وأهدافها ولممارسات قادتها وسياسييها ونهج وسائل إعلامها، والعودة قبل فوات الأوان إلى خوابي الثوابث الوطنية اللبنانية التي يحمل لواءها دون كلل أو مساومة البطريرك صفير، وإلا سنبكي كالنساء وطناً سيضيع منا لأننا لم نحمه كالرجال.

ليعلم كل من يخجل بماضي نضال مجتمعنا وبتضحيات أبطالنا المشرِّف، وبتحالفاتنا الضرورية في محطات تاريخية ومصيرية كرمى لرفيق درب سياسي آني، ومواقع ومنافع مستجدة، وليعلم كل من يساوم على ثقافتنا وهويتنا وتاريخنا وجذورنا لأي سبب كان، ليعلم أنه ليس مؤهلاً لأن يتبوأ أي مسؤولية، كما أن من يتقلب ويتلون بمواقفه هو خطر ولعنة على مجتمعنا ومصير بقائنا، ومن عنده أذنان صاغيتان فليسمع ويتعظ.