كلام الأسد يؤكد تقويم صفير!

علي حماده 

النهار

التحولات التي أصابت العلاقات اللبنانية – السورية ولا سيما بعد قيام دمشق بعدد من الخطوات التي صنفت ايجابية، ومن بينها الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة سعد الحريري لدمشق وقيل انها اذنت بحلول مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين وخصوصا بين التيار الشعبي الاعرض في لبنان عنينا التيار الاستقلالي والجار الاقرب، هذه التحولات ارست مناخات مشجعة مع الحكم السوري، فأتت تصريحات الرئيس بشار الاسد قبل يومين لمجلة “نيويوركر” الاميركية لتبدد كل ايجابية، ولتعيد التأكيد بأن شيئا لم يتغير في ذهنية الحكم هناك حيث قال: “ان الحرب الاهلية في لبنان قد تبدأ في ايام ولا تحتاج الى اسابيع واشهر”. قد تبدأ هكذا فقط. لا يمكن الشعور بالاطمئنان حيال اي شيء في لبنان إلا اذا غيروا النظام بكامله”! والحال ان ما قيل انه وصف قدمه الرئيس السوري للواقع اللبناني ما كان ليعزز الشكوك لولا ان القائل هو نفسه الذي ينتظر منه لبنان خطوات حقيقية تعيد القليل من الثقة المفقودة، ولولا كل ما قيل عن صفحة جديدة في العلاقات تقوم على تراجع دمشق عن التدخل في الشأن اللبناني لمصلحة قيام علاقات بين المؤسسات الرسمية للبلدين.

بداية، يمثل كلام الرئيس الاسد خروجا على الاعراف الديبلوماسية بين الدول. وهو ما يستدعي من نظيره اللبناني موقفا كنا نتمنى ان يدلي به حتى لو كلفه الامر مواجهة مع بعض الداخل المتحالف مع الحكم السوري، لان رئيس لبنان لا يمكنه السكوت عن كلام من هذا النوع يعكس موقفا معاديا للنظام اللبناني واستدراجا لوظيفة “الاطفائي المهووس” الذي يشعل النار ثم يقدم نفسه اطفائيا قادراً على اطفائها. ثم هناك هذه اللهجة الاستعلائية التي ما تغيّرت حتى اليوم، وهذا ما يؤسف له. فمن يزعم انه يريد قلب الصفحة السوداء مع لبنان، لا يدلي بما ادلى به الى مجلة “نيويوركر”. اضعف الايمان ان يتحلى رئيس دولة بقدر معقول من التحفظ عندما يتناول بلدا آخر.

ومن نافل القول ان كلاما كالذي نحن في صدده يزيد مخاوف الاستقلاليين الذين يتابعون بقلق المناورات القائمة على مستوى طرح تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية المقدمة من رئيس مجلس النواب. والاستقلاليون قلقون اكثر من استمرار تنامي قدرات الدويلة المسلحة القائمة في رحم الدولة وعلى حسابها. ولا يقلل قلقهم هذا التغلغل المخيف للحالة الميليشيوية في مؤسسات الدولة بعدما جرى فرض الثلث المعطل في الحكومة فتعطّلت، وبعدما جرى تجويف نتائج الانتخابات النيابية فضربت اسس النظام الديموقراطي في البلد.

قد يكون الرئيس الاسد محقا في كلامه على النظام اللبناني. وقد يكون محقا في موضوع الحرب الاهلية في لبنان. ولكن “توصيفه” ناقص ما لم يرفده بالقول ان النظام اللبناني على علاته يبقى أقل النظم العربية ظلما للشعب واضطهادا للانسان، وقمعا للحريات. كما ان احتمالات نشوب الحرب الاهلية كانت لتكون معدومة لولا تمركز سلاح في يد فئة من خارج الدولة والشرعية، ولولا انخراطها في اجندات خارجية لم تأخذ مرة واحدة في اعتباراتها مصالح لبنان واللبنانيين. وكان توصيف الرئيس ليكون اكثر دقة لو انه أتبعه بالاعتراف الصريح بأن لحكمه تاريخاً وباعاً طويلين في اذكاء نار الخلافات بين ابناء الشعب الواحد في لبنان.

في الوقت الذي كنا ننتظر كلاما يعكس سياسة جديدة تجاه لبنان، اتانا كلام فأكد صحة مواقف البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير الذي تساءل في حديثه الاخير الى مجلة “المسيرة” عما تغير لكي يزور دمشق! فهل يحوّل بعضنا مساره الانبطاحي؟