نهضة لبنان من ثورة ضمير شعبه

طوني حدشيتي

يطالبني دوما معظم المتابعين، بتكثيف أعمالي الادبية بشكل منتظم، لاعتقادهم أنّي ذو باع طويل في حقلي الكتابة والصحافة. وكم تكون دهشتهم كبيرة حين يعلمون أني من مواليد أيلول 1986 ولا علاقة لي بالسلطة الرابعة، وإنّما النصوص التي يقرأونها بتوقيعي كلّما دعت الحاجة وسمح الوقت، ما هي إلّا ترجمة لأفكار تراودني مبنيّة على ايماني العميق بمصلحة وطني أولا، وعلى رؤيتي السياسية والأهداف التي أرجوها لبلد الأرز.

أفكارٌ هي ثمرة خبرتي المتواضعة في الحياة وفي الشأن العام، وعصارة تجارب عاشها أفراد عائلتي وأسلافي والمحيطين بي في مختلف الميادين، فترسّخت في وجداني أحداث مرّوا بها ومحطات صنعوها بحلوها ومرّها، وهي شبيهة بما يتلمّسه أبناء جيلي في يومياتهم. هذا الحِمل دفعني حتمًا للتعبير من خلال الكتابة، وسيلة من لا صوت لهم…

وممّا لا شك فيه أنّ القاسم المشترك بين مشاهداتي وتلك التي عرفتها من الآخرين، هو غلبة العاطفة على صوت العقل في تصرفات اللبنانيين على مرّ العصور، الأمر الذي يشكّل عائقًا كبيرًا أمام أخذ العبر والتعلّم من الماضي ويجعلُنا نعيد التاريخ مرارًا ونكرّر أخطاءنا. وبأعتباره وفق الدستور “مصدر السلطات”، فإنّ الشعب يتحمّل مسؤولية كبيرة في تحديد مصير وطنه وأوضاعه في مختلف المجالات وخاصة في إدارة شؤون البلاد، ذلك دون اغفال اثار التعددية والاطماع الخارجية والظروف اللا ارادية التي تطرأ عليه.

ولعلّ أسوأ سلوكيات العقلية اللبنانية يتلخّص بالمبادىء: ” أنصر أخاك/ رفيقك/زعيمك ظالمًا أو مظلومًا”، “الكحل أحلى من العمى” و”ارضى لنفسك ما لا تقبله لغيرك والعكس بالعكس”. فطالما أنّ اللبناني يترجم مفهوم “الصواب-الخطأ” بحسب الانتماء الجغرافي والروحي والعقائدي، فلن يتطوّر مجتمعنا من ساحة يسيطر عليها زعماء إقطاعيون إلى مجتمع حديث تسوده الديمقراطية الحقيقية. كما أنّ عدم الاعتراف بحسنات الآخر والاقرار بذنوب الذات يعارض مبدأ “الشهادة للحق والحقيقة” الذي تدعو إليه التشريعات السماوية، ويدّعي الكلّ ممارسته وفق الأصول، في حين يُطبّق في الواقع بكيدية واجتزاء وانتقائية بحسب المعايير السابق ذكرها.

وهنا لا بدّ من الاشارة إلى عادة خطيرة في اليوميات اللبنانية وهي اللجوء إلى المكالمات الهاتفية للتهرّب من التزام القوانين وتحمّل مخالفتها… وهذا ما يفسّر بشكل قاطع عدم محاسبة الطبقة السياسية الحاكمة على أدائها سواء أثناء الانتخابات أو داخل الأحزاب والتيارات، على أساس عقدة النقص “غطيني حتّى غطيك”… والسؤالان البديهيان هنا: كيف ستتحقق اهم مقوّمات الديمقراطية في الحياة العامة من محاسبة وتداول السلطة وحكم الاكثرية، ما دام لا يُسلّم بها على المستوى الخاص ؟! وكيف يمكن لمطْلَق اي فرد او جماعة توجيه للاخرين وابل من الاتهامات والتجاوزات، في حين ان تاريخ المدعي حافل بالاخطاء نفسها ؟!

قد يكون أصدق مثال على الازدواجية في الادبيات اللبنانية التي أحاول التعبير عنها، حديثٌ لرفيق لي من بلدة مجاورة لقريتي حدشيت، عقب مراسم دفن صديقي “جول”، تناول خلاله الإهمال الانمائي لنائب سابق من القضاء وعبّر عن استيائه من تقصير هذا الوريث السياسي بدوره طوال فترة تمثله في المجلس النيابي. الا ان هذا الصاحب لا يتردد ابداً بالدفاع عن النائب المذكور كلّما تناول امامه احدُ “غريب عن المنطقة” الاخطاء الفادحة للبرلماني الاسبق، حفاظا على سمعة “البيئة الاجتماعية” على حدّ تعبيره!!

وحده الشعب اللبناني يملك مفتاح فرج هذه الارض: فإمّا يضع حدّا لانتحال صفة التغيير والديمقراطية والتقيّد بأسمى القيم، وإمّا يستمرّ في الوضع الحالي ويلتزم بكشف الأوراق وتسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية والقاسية، فنهضة لبنان من ثورة ضمير شعبه.