صندوق لشراء الأراضي المعروضة مسيحياً للبيع في الأطراف و”المناطق الحساسة”… عندما يؤمن صفير بصناعة التاريخ.. و”إبقاء الشعلة متقدة”

كتبت دنيز عطالله حداد في “السفير”: لا يتأخر البطريرك الماروني نصر الله صفير عن التذكير مرة تلو اخرى بما يسميه “التدخل السوري والايراني في الشأن اللبناني”. تماما كما لا يتأخر عن الاشارة الى “سلاح حزب الله” والمخاوف التي يثيرها، وتناقضه مع فكرة “قيام الدولة” و”حصرية السلاح بيد القوى الامنية الشرعية”.

يطلق مواقفه على إيقاعه الخاص. وإيقاعه لا يخضع لحسابات سياسية آنية أو قراءة للحظة والظرف. “يستند الى تجربة يعتبرها ناجحة ويعتمدها اليوم سياسة بكركي الوطنية” كما يقول مصدر كنسي شارحا “ان صفير اختبر على امتداد حبريته ظروفا شديدة التعقيد والصعوبة وخلص الى قناعة بأن الساكت عن الحق شيطان أخرس. لذا لم يسكت يوما عما يراه خطأ وتجاوزا أو تدخلا في شؤون لبنان أو تهديدا لوجوده. كان يطالب بخروج الجيش السوري من لبنان يوم كان كل العالم يدعم هذا الوجود ويوسع من صلاحياته. وقف وحيدا كسنديانة في وجه العاصفة. رفض الانحناء كما كثير من السياسيين المتلوني الاوجه. وهو مقتنع بأن مطالبته بخروج الجيش السوري معطوفة على احتضان الشارع المسيحي عموما لهذه المطالبة جعلت الامر ممكنا في لحظة سياسية محلية ودولية مؤاتية”.

واليوم يكرر البطريرك صفير السياسة نفسها. يواصل الكلام عن التدخل في شؤون لبنان وعن “السلاح اللاشرعي” وينتظر. يكفيه “إبقاء الشعلة متقدة. فلا تسليم بالامر الواقع ولا استسلام له. فالسكوت عن هذه المواضيع يجعلها أمرا واقعا”، يقول المصدر الكنسي، ويضيف “ان البطريرك الماروني لا يريد ان يتحول أي تدخل في الشأن اللبناني أمرا بديهيا ومقبولا، لا بل مطلوبا، كما يصوّره بعض السياسيين. وهو لا يسحب من التداول موضوع السلاح كي لا يُعتبر واقعا يجب تناسيه والتأقلم معه. هذان موضوعان يشكلان خطرا حقيقيا على استقرار الدولة وبالتالي يجب التذكير المتواصل بذلك والعمل على الحد من تأثيرهما على الدولة ومسيرتها”.


وعن اسرائيل وتدخلها وسلاحها المهدد للبنان يجيب المسؤول الكنسي “ان اللبنانيين متفقون على عداوة اسرائيل.

ونحن لا ننكر ان منسوب الاحساس بالعداوة يرتفع عند البعض وقد ينخفض عند آخرين، لكنّ هناك إجماعا لبنانيا على اعتبار اسرائيل عدواً. وهي لا تريد إلا الشر بلبنان وأهله مسلمين ومسيحيين. وبالتالي الحذر من العدو والتحذير منه أمر بديهي. لكن تدخل سوريا وايران في الشأن الداخلي اللبناني أمر يخلق انقساما بين اللبنانيين أنفسهم. ويتحول الخارج الى شأن خلافي داخلي وهو ما يحذر منه البطريرك الذي يؤمن بأن اللبنانيين قادرون على صياغة عيشهم المشترك والاتفاق في ما بينهم شرط التخلي عن كل الاوراق والرهانات الخارجية ورغبات الدول التي لا تريد في النهاية إلا مصالحها.
والى جانب هذين الموضوعين الاساسيين على جدول أعمال بكركي السياسي تندرج مواضيع اخرى يضعها البطريرك صفير في المستوى نفسه من الاهمية.
تأتي في طليعتها إبقاء مسيحيي الاطراف في مناطقهم وتوفير السبل لذلك. وفي هذا الاطار تأتي زياراته الرعوية حيث يشدد على التمسك بالبقاء والحفاظ على العيش المشترك. بدأ زياراته بعكار حيث دشّن أيضا شركة لتطوير برامج الكمبيوتر وهي خطوة غير مألوفة كثيرا، لكنها حصلت لإعطاء الحافز للشبان على إقامة مثل هذه المشاريع وفتح آفاق العمل امام الجيل الشاب في اختصاصات متنوعة مما يحفزهم على البقاء في قراهم وعدم النزوح الى العاصمة وجوارها المسيحي أو الهجرة الى الخارج. وسيقوم البطريرك في 20 حزيران المقبل بزيارة زحلة وكنائسها و”دعوة أهلها الى التمسك بأرضهم وبالعيش المشترك والانفتاح على الجوار”.

وتحضر دوائر بكركي لزيارة اخرى فضلت التكتم عليها حتى إزالة كل العقبات أمامها.

وتتكثف حركة صفير في هذه الفترة نحو الخارج ايضا. لا تعيقها أعوامه التسعون بل يستثمر خبرة تلك الاعوام “ليخدم كنيسته ويفعّل حضورها وانتشارها”. وبعد زيارة الاردن مؤخرا يزور قبرص للقاء البابا ويتوجه في 15 و16 و17 حزيران الى فرنسا بدعوة من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قبل ان يعود الى الديمان ليتابع موضوعين عزيزين على قلبه.
الموضوع الاول قيام صندوق مالي “هدفه شراء الاراضي المعروضة للبيع من قبل مسيحيين لا سيما في مناطق حساسة لها خصوصية معينة أو في الاطراف التي تتعرض لتغيير ديموغرافي. وقد قطع هذا الصندوق مرحلة هامة ويساهم فيه كبار متمولي الطائفة المارونية”.

والموضوع الثاني “له طابع بيئي ثقافي يندرج في الحفاظ على التراث الديني والوطني الهام للبلد وللطائفة معا”.

يقول مصدر كنسي ان “البطريرك الماروني يؤمن بصناعة التاريخ وليس الاستسلام له وعلى ضوء هذا الايمان يجب قراءة الكثير من مواقفه في الشأن الوطني كما في شؤون الطائفة ودورها وحضورها“.