امتحان سوريا

بقلم/الياس الزغبي

بعد الامتحان العسير الذي تورّطت فيه اسرائيل بقمعها الدموي “أسطول الحرية”، وسعي حلفائها وأصدقائها في العالم الى احتواء تداعياته، انكشف المشهد الاقليمي عن سلسلة امتحانات أخرى لا تقلّ دقة وصعوبة:

– تركيا، بعقلها البراغماتي، لجمت اندفاعتها الأولى واحتوت موجة الغضب، وغلّبت سلّم مصالحها مع الغرب والعرب، ومقتضيات السباق مع ايران على زعامة المنطقة.

– دول “المبادرة العربية للسلام” وجدت مخرجها من المأزق بالاحتكام الى الشرعية الدولية، وتحميل المجتمع الدولي مسؤولية رفع الحصار عن غزّة، مع فتح معبر رفح والتلويح بسحب المبادرة.

– ايران ظنّت أنّ الفرصة سانحة لقيادة الجميع، عربا وأتراكا، الى سياستها الحربية لتدمير اسرائيل، وتحصين موقفها النووي في مواجهة الغرب وروسيا، فهبّت الرياح الاقليمية والتركية بما لا تشتهيه سفنها. عضّت على ارتباكها أمام الصعود التركي، ولم يكن أمامها سوى التبشير المزمن بالزوال الوشيك للدولة العبرية.

دولة عربية واحدة تجد نفسها أمام امتحان صعب، هي سوريا. والسبب يعود الى اضطرارها للاختيار بين نهجي حليفيها: ايران وتركيا.

في الاجتماع الطارىء لوزراء الخارجية العرب كان سهلا على وزير خارجية سوريا أن يحاول احراج مصر والاردن والسلطة الفلسطينية في علاقاتها باسرائيل، والمزايدة عليها في القضية الفلسطينية ومسألة الحصار.

وكان سهلا على الاعلام السوري تسجيل النقاط على العرب في ردح التصدّي والممانعة، وتصوير دمشق عاصمة للمجابهة وحاضنة للمقاومة. ولكن لا مجال للعبة الاحراج السورية وتسجيل النقاط بين تركيا وايران.

نجح النظام السوري سنوات في تحريك قدميه على ملعبين منفصلين: ملعب ايران وملعب الغرب (أوروبا والولايات المتحدة)، ساحة القطيعة وساحة المفاوضات. استخدم لغتين وجمع في كفّه النار والماء.

اليوم، تبدو هذه اللعبة المزدوجة أمام اختبار جدّي. دمشق تعاني تجربة الانخراط في احدى الاستراتيجيتين التركية والايرانية، وهي مرتبطة باتفاقات استراتيجية ثنائية مع كلّ من طهران وأنقره، ولم يعد سرّا أنّ أردوغان ليس أحمدي نجاد، وبين الجارين اللدودين اللذين يطمحان الى خلافة النفوذ الأميركي مسافة في النهج والرؤية والمصالح: واحد يريد ازالة اسرائيل واخضاع العرب، وآخر يسعى الى عقلنة السياسة الاسرائيلية وادخال اسرائيل في نسيج المنطقة على خلفية الحقوق الفلسطينية والعربية.

كما لم يعد سرّا أن العرب يفضّلون الحصافة التركية على الصلافة الايرانية، وليس في الدبلوماسية التركية ما يتناقض مع مضمون المبادرة العربية للسلام التي أطلقتها قمّة بيروت قبل 8 سنوات.

لا يتوقّع أحد أن تغيّر تركيا سيرتها التاريخية وتصبح “ثورة اسلامية” على النهج الايراني، أو تسفح مصالحها على مذبح الملف النووي وفي مواجهة العقوبات على ايران.

وايران لن تغيّر جلدها الثوري بين ليلة وضحاها، ولن تكفّ عن استخدام أوراقها العربية، على الأقل في مواقع ثلاثة هي غزّة ولبنان والعراق، برغم مؤشّرات التراجع في هذه المواقع.

فأين ستقف سوريا بين المدّ التركي والجزر الايراني؟

الأرجح أنّها تميل الى النهج التركي، ولا بأس أن تطلق قنابل دخانية كثيرة، سياسية واعلامية، لتمويه استدارتها، كما فعلت في اجتماع القاهرة. والاشارة الاولى لم تصدرعن دمشق مباشرة، بل جاءت على لسان أحد أصفيائها القدامى الجدد، وليد جنبلاط. لم يأت رفض جنبلاط تصويت لبنان ضد العقوبات ونقده أحمدي نجاد، من فراغ، بل من السياق السوري الذي أشرنا اليه في مقال الأحد الفائت بعنوان “المأزومان”، وقد اشترطت العاصمة السورية على التائبين اليها التزامه: واحد التزم (جنبلاط)، وآخر يتعثّر (ميشال عون).

والواضح أنّ التمايز السوري لا يقتصر على ايران بل يشمل فروعها، وهذا بالتأكيد ما يعنيه نقد جنبلاط أيضا للسيّد حسن نصرالله في اقتصار المقاومة على المواجهة العسكرية فقط ووجوب سدّ الذرائع لاسرائيل، برغم وصفه سلاح “حزب الله” بأنّه “سلاح ممتاز”، فيما لم تصدر عن عون كلمة نقد واحدة برغم اخفاقات “التفاهم” والسقطات البلدية. (ألا نلاحظ تقاطعا واضحا بين جنبلاط وجعجع حول أولوية النهج السياسي قبل العسكري، وتفضيل دبلوماسية أردوغان على إلغائيّة خامنئي ونجاد؟).

كل مظاهر الاصطفافات السورية في السياسة الاقليمية تؤكّد منحى دمشق الجديد: من التزامها التنسيق المميّز مع السعودية، الى ملفات العراق وغزّة ولبنان، الى مقتضيات التحالف مع تركيا، الى الانخراط في العلاقات المفتوحة مع أوروبا وأميركا، الى المفاوضات الموعودة مع اسرائيل.

وهذا لا يعني أنّ سوريا ستناصب ايران العداء، أو أنّها ستتبرّع بمكافحة الفروع الايرانية في محيطها الجيوسياسي، وتحديدا “حزب الله” و”حركة حماس”، لكنّه امتحان يحاول بشار الأسد عبوره بأقل كلفة ممكنة، الى خارج المشروع الايراني.

على أمل ألاّ يتم تحويل الفاتورة الى لبنان، حيث درجت عادة دفع الأثمان.