فخر الطائفة ومجد الرهبانية

بقلم المطران فرنسيس البيسري

إنّنا، نحن أبناء هذا الزمان، لَمَحظوظون. إذ في أيامنا غزرت نِعَم الربّ علينا، فشهدنا بأمّ العين تقديس رهبان من عندنا “قديس من عندنا”، من ضيعتنا “رهبان ضيعتنا”، وعلى رأسهم شربل. فشكراً لله الذي أغدق علينا نِعَمه وشكراً للعذراء مريم التي استمدّت لنا هذه النِعَم. “إذ تعظّم نفسي الربّ وتبتهج روحي بالله مخلصي”. وكأنّي بالرب الاله كان ينتظر أن تعلن الكنيسة قداسة شربل حتى تكرّ السلسلة من شربل الى رفقة، ومن نعمة الله الى اسطفان الى يعقوب. ونحن نأمل أن يُرْفَع البطريرك الدويهي بدوره على المذابح، والى البطريرك اسطفان الدويهي تُعْلَن قداسة الشهداء المسابكيين وهكذا تكتمل القافلة من البطريرك العلاّمة الى شربل الناسك، ومن رفقة المتألّمة الى الحرديني الإداري، ومن اسطفان الأخ العامل الى يعقوب الكبوشي الرسول البنّاء، والى العلمانيين الشهداء. وهؤلاء القديسون الذين رفعتهم الكنيسة على المذابح، ليسوا وحدهم قديسين، بل هناك قافلة من النسّاك والرهبان الموارنة الذين عاشوا كما عاش هؤلاء، فتقدّسوا بالصلاة والعمل وبالحياة النسكية. وفي هذا فخر للكنيسة المارونية واكليل غار على رأس الرهبانية اللبنانية المارونية.

مار مارون

تكوكبت الكنيسة المارونية حول مؤسّسها القديس مارون. وعنه أخذت الحياة النسكية بجميع أفرادها أكانوا كهنة أم رهباناً، رجالاً أم نساءً. وكما عاش هو متوحّداً هكذا عاش الرهبان في بداياتهم، وتأثّرت بهم العائلات وأخذت عنهم أشياء كثيرة، وتشبّهت بهم في صلواتها وصومها وإماتاتها والقيام بواجباتها.

لقد عاش الرهبان في بادئ الأمر حياة توحدية “لباسهم جلود الغنم وشعر الماعز… تاهوا في البراري والجبال والمغاور وكهوف الأرض” (عبر 11/ 37 – 38). وتشهد على هذه الحياة مغاور وادي قاديشا وكهوفه. فلمّا احتمى الموارنة بالشمال اللبناني، وسكنوا منطقة جبة بشري ووادي قنوبين وقزحيا، ازداد عدد الرهبان والنسّاك وبالتالي ازدهرت في هذه النواحي الحياة الرهبانية والنسكية. ولكن ما عتّم الأمر حتى تحوّل الكثيرون من الحياة النسكية الفردية الى الحياة الجماعية يوحّدهم دير، كما كان بالنسبة الى رهبان وادي قاديشا دير سيدة قنوبين.

الاصلاح الرهباني

دامت الحياة الرهبانية على هذا النمط من العيش الى أن أتى ثلاثة شبّان من حلب، فشهدت الحياة الرهبانية اصلاحاً جدّد حياة الرهبان ونظّمها. فتمحورت حياتهم على ثلاثة محاور: الدير وكنيسة الدير وحقل الدير. فتقدّسوا في عيش الزهد والقيام بالصلاة والعمل اليدوي.

وهكذا أصبح الرهبان كما الراهبات يعيشون في أديرة. ولكلّ راهب غرفته التي يغادرها في الصباح ولا يعود اليها إلاّ في المساء. إذ الصلاة والعمل هما حياة الراهب. والصلاة متواصلة في الحياة الرهبانية. فيوم الراهب بكلّ ساعاته، ولا سيّما في الأيّام الماضية، مملوء بالصلوات. ينهض الراهب من نومه فيصلّي راكعاً حذاء فراشه ويغادر قلايته الى الكنيسة مصلّياً. وفي الكنيسة يشارك أخوته في صلاة الصباح وفي الذبيحة الالهية، ويتناول فيها جسد الرب. ولا ينسى أن يشكر الرب على هاتين النعمتين، نعمة حضور القداس ونعمة المناولة. هو لا يقول، إنّ الصلوات التي نتلوها في آخر النافور هي كافية لنشكر الله. بل هو يجسد لبرهة بعد القداس ليشكر الله على جميع نِعَمه، ويسأله أن يكون حافظاً له في هذا النهار ولا سيّما من كلّ ما يبعده عنه، ويضعه في عداد الذين هم حصّة الشرير.

ويكون الراهب قد هيّأ عدّة الحقل عند باب الكنيسة من مِعْوَل ورفش ومقصّ ومنجل. فيحمل المعول والرفش على كتفه، ويشكّ المنجل في ظهره، والمقصّ في خصره، والمسبحة في يده، ويروح يُسابق العصافير، وغالب الأحيان هي تزقزق وهو يرنّم ويرتّل. وما ان يصل الى الحقل حتى يروح يعمل فيه نكشاً وزرعاً أحياناً، وتقضيباً وتكويماً للقضبان أحياناً أخرى. مترِّباً هنا ومكوّماً الحصى هناك. قبل شروق الشمس يعمل، وبعد غروبها يعمل. ويُتْقِن عمله “شغل رهبان”. وإنّ كلّ الفصول هي صالحة للعمل ولكلّ فصل عمله. وهو يشتغل النهار كلّه، إذ لا ساعة في اليد ينظر اليها من حين الى حين. فنهاره ينتهي مع قرع الجرس مساءً يدعو المؤمنين لمشاركة الرهبان في الصلاة. وإذا ما غابت الشمس وحلّ الظلام، ها هو يعود الى الدير مارّاً بالكنيسة مشاركاً في الصلاة شاكراً الله على نهار مضى بأمان وسلام، ضارعاً اليه أن يبارك ليله كما بارك نهاره فاحصاً ضميره. فالانجيل يقول: “كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماوي كامل هو”. فالراهب هو في صلاةٍ دائمة في قلاّيته وفي الكنيسة وفي الحقل. وأحياناً إذا كان هناك قمرٌ مضيء، كان الرهبان يحصدون في ضوء القمر، ويصلّون وهم يحصدون، من صلاة المسبحة الى طلبة العذراء الى زيّاحها. الرهبان يعملون لتغزر الخيرات، ليس للدير وحده بل لكلّ طارئ. فالدير هو الملاذ لا سيّما في الأيّام الصعبة.

في غالب الأيام يصوم الراهب. والى عدّة العمل لا ينسى أن يحمل في ما يحمل زوّادته، وفيها من منتوجات الأرض حسب الفصول، وما تعطيه بقرات الدير وعنزاته. فيفلش زوّادته عند الظهر أمامه ويأكل ويأكل معه مساعدوه. ولا يمدّ يداً الى الطعام إلاّ بعد أن يركع هو ومَن معه ليتلوا صلاة التبشير، وقد قُرِعَ الجرس لهذه الغاية. لهذا مغبوطة الأبرشية التي فيها أديرة، ومحظوظة الرعية التي فيها أديرة، إذ أيدي الرهبان ترتفع للصلاة مستمطرةً النِعَم، ومشكّلة حراباً تردّ الويلات.

شغل رهبان

لهذا إذا ما رأينا جبالاً مجلّلة، وسهولاً محصّاة، ومنحدرات مستصلحة ومدرّجات صالحة لزراعة الكرمة والزيتون والتوت، ووقعت أعيننا على جنائن غنّاء نقول هذا عمل رهبان، أو عمل جماعة تدرّبت على أيدي الرهبان المباركة. وهكذا فتّتوا الصخور، وحوّلوا الأرض الوعر الى جنائن سقوها بعرق جبينهم، فدرّت عليهم الخيرات، فاكتفوا منها بالقوت والكسوة، وما تبقّى كانوا يوزّعونه على الفقراء والمحتاجين.

والعمل اليدوي عند الرهبان كان له هدف مزدوج: من ناحية هم كانوا يعملون ليكوِّنوا ذاتهم بذاتهم، لهذا كان في دير قزحيا اثنا عشر ممشى، كلّ منها خصِّص لمهنة من المهن. فكان هناك ممشى للحياكة، وممشى للخياطة، وللسكافة، والطباعة، وعرم الكتب، والدباغة، والبناء. وكانوا يدرّبون الرهبان الطلبة، كلّ واحد حسب مؤهلاته. فإذا ثبت في دعوته الرهبانية يساعد على كسب الخبز اليومي، وإذا لم يثبت يكونون قد سلّحوه ضد مهالك العالم. والراهب، كلُّ ذي مهنة يعلّمها الى كلّ مَن يعمل معه، لهذا يسمّيه الأخير “معلّمي” وهو على حقّ، إذ يكون قد علّمه صنعة تضمن له أسباب العيش، ولا تكون السنون التي امضاها في الدير ذهبت عليه ضياعاً وسدىً.

الرهبان يخرجون على المجتمع دون أن يخرجوا منه. فأعداد كثيرة من النسّاك والرهبان تركوا العالم، لا بغضاً به، وابتعدوا عن الناس ليلتقوهم في قلب الله. ابتعد الرهبان عن الناس فلحقوا بهم. لقد كانوا مثل المغناطيس الذي يجذب، إذ جذبوهم بأن كانوا مثالاً وقدوة لهم. لقد عاشوا مع الشعب، إذ هم أبناء هذا الشعب، مصيرهم مصيره وما يتعرّضون له يتعرّض له أفراده. ما يفرحهم يفرحه، وما يحزنهم يحزنه.

قد تكونت قُرانا بعد وجود الدير. وكان سكّانها يتردّدون على الرهبان ويعتبرونهم المثال، فيأخذون عنهم كلّ تصرّفاتهم. فيسمعون القداس وراءهم، ويصنعون المطانيات على مثالهم، ويصومون ويصلّون على غرارهم.

وقرانا مرّت بأيّام صعبة، ولولا الرهبان لَغَدَتْ فارغة من أبنائها. لقد أثقلت الضرائب كواهلهم، ولم تعد الأرض ربما تنتج لدفع هذه الضرائب، لهذا قرّر بعضهم وهم كثر أن يهجروا الأرض. وكانوا يلجأون الى الرهبان ويستودعونهم أسرارهم، فكانت الرهبانية تدفع ما توجّب، وتتقاسم والأهالي منتوجات الأرض، إذ يبقى الناس في بيوتهم وأرزاقهم يستثمرونها.

في هذه المحاور الثلاثة: القلاّية والكنيسة والحقل تقدّس الأخ اسطفان نعمة. لقد كان في كلّ منها وفي كلّها رجل الله. وفي هذه الثلاثة كان الراهب الذي يصلّي. كان يعيش في جوّ صلاة دائم، إذ كان عمله اليومي صلاة دائمة. ألا يقول قانون الرهبان، أيّ رهبان، شرقاً وغرباً: “صلِّ واعمل”، “واعمل وصلِّ”.

كان اسطفان يعيش نهاره كلّه تحت نظر الله، إذ كان يردّد: “الله يراني”. فالله يراه في قلاّيته، وفي الكنيسة وفي الحقل. فهو في الصباح مع أخوته الرهبان يصلّي ويتأمّل ويسمع القداس، وهو في طريقه الى الحقل يصلّي سبحته، وفي الحقل كان يصلّي، “فإذا أكلتم وشربتم ومهما صنعتم فاصنعوا ذلك تمجيداً لله”.

يُقال إنّ بهلوانيّاً دخل ديراً ليترهّب. فرأى أنّ كلّ راهب يكرّم العذراء مريم بالموهبة التي له. فهذا يكرّمها بآلته الموسيقية، وذلك بصوته الرخيم، مَن بقراءته ومَن بتأمّلاته، مَن بريشته، ومَن بقلمه… ولاحظ الأب الرئيس أنّ البهلوان يتغيّب عن الجماعة في ساعة معيّنة. راح يفتّش عليه فوجده أخيراً في الكنيسة يقوم بحركات بهلوانية أمام مذبح العذراء. ولمّا سأله الأب الرئيس عمّا يفعل؟ أجابه البهلوان: رأيت أنّ كلّ رفيقٍ من رفاقي يكرّم العذراء بموهبته الخاصّة، ورأيت أنّ أكرّمها بموهبتي الخاصّة.

وهكذا كان اسطفان يكرّم العذراء مريم “بنجارته وكان نجّاراً ماهراً، وببنيانه وكان بنّاءً مميّزاً. إنّه ريّس حقلة. ويكّرم العذراء بصلاته الدائمة ويكرّم الله بالعيش الدائم في حضرته”.

هناك تقليد يقول:

لمّا أتى الموارنة منطقة الجبة، وكانت آنذاك ملأى بالوحوش المفترسة، فشكّلت خطراً عليهم وعلى حيواناتهم، ألّفوا وفداً منهم وذهبوا يستفتون مار سمعان فقال لهم انصبوا أربعة صلبان على حدود المنطقة فترتدّ عنكم الوحوش. وهكذا كان.

اليوم الصلبان غدت قديسينا. فلننصب شربل في الشرق، ورفقة في الشمال، ونعمة الله في الغرب واسطفان في الجنوب. ولنوسّعهم حتى حدود لبنان ولا نخف على لبنان. ألا أغزَر الله القديسين في بلاد الأرز، في لبنان.