لهذا تتبخّر أحلامنا في لبنان

فارس خشّان

ثمة سؤال طالما ضجّ في وجداني: لماذا يُمنى لبنان، دائما، بخسارة أحلامه ؟

فتشتُ طويلا عن الجواب، وطالما أخفقت في التوصل إليه!

تساءلتُ إذا كانت العلّة تكمن في القيادات السياسية، ولكن سرعان ما حذفتُ هذا الاحتمال،على أساس أن ميزة القيادة السياسية هي التمتع بليونة تسمح لها بالسعي الى تسوية شريفة، مع أعتى خصومها!

في الأيام القليلة الماضية، بدا الجواب في متناولي، عندما تمكنتُ من تحديد الصفة الحقيقية للبنان، فهو بصريح العبارة بلد الرهانات وليس المبادئ!
أصحاب المبادئ يقبلون الخسارة ويعلنون هزيمتهم، ولكنهم لا يمزقون شعاراتهم!

وهؤلاء قلة في لبنان!

أما أصحاب الرهانات،فهم في بحث دائم عن “كلمة سر”أو عن “تعليمة”،من أجل أن يحققوا ربحا صافيا،وهم على استعداد لنقل البارودة من كتف إلى كتف،ولتفسير مواقفهم
السابقة في خدمة رهاناتهم الراهنة!

أصحاب الرهانات،هم كخنازير “مزرعة الحيوانات”التي تُقدم في ليل،وفق توصيف جورج أورويل، على تغيير معاني الشعارات التي كتبتها في نهار!

وهؤلاء كثر في لبنان!

تذكرتُ هنا حالة العونيين،كيف أنهم بين ليلة وضحاها تحوّلوا من أشرس أعداء النظام السوري إلى أعنف مدافعين عنه،وكيف أنهم من يوم إلى يوم ،انتقلوا من رجم النظام الإيراني إلى مدحه،وكيف أنهم بين ورقة وورقة أصبحوا “عبدة” حزب الله ،بعدما كان بالنسبة لهم الشيطان الرجيم!

وتذكرتُ هنا ،كل متابعاتي للعظات التي يسبغها سياسيون ومفكرون وصحافيون لجمهور “تيار المستقبل”، إذ ينصحونه بالتوجه إلى دمشق بسرعة لان الرئيس سعد الحريري توجه إلى هناك،وبالإقلاع عن مهاجمة “حزب الله”لأن الرئيس سعد الحريري توقف عن ذلك، وبفتح خطوط خلفية مع “مفاتيح” 8 آذار ليجدوا لهم موقعا في المعادلة اللبنانية!

وتذكرتُ هنا،مفهوم الدعاية السياسية التي يتم اعتمادها في لبنان،ومحورها الآتي: إن كنتَ فعلا تريد أن تربح فأوهم العامة بأنك رابح، فيتهافتون عليك لإرضائك، علّك تنعم عليهم ببعض مما يطمحون إليه من غنائم!

وراقبتُ هنا كل ما يحصل في لبنان!

بدأ محسوبون على قوى 14 آذار، يرجمون الصامدين في قوى الرابع عشر من آذار، على اعتبار أنهم “عاجزون”و”خاسرون”و”فاقدو الحيل”!

وبدأ المنادون بالحرية يتجاهلون مخاطر ما يتعرّض له مقاتلو الصف الأول من عمليات تستهدف اغتيال شخصيتهم المعنوية،حتى لا يضعوا أنفسهم في خانة الخاسرين!

وبدأ صحافيون وإعلاميون وسياسيون وأمنيون وموظفون يزحفون على أبواب من كانوا يصفونهم بالنكرات السياسية،من أجل أن يفتحوا لهم أبواب الرهان الرابح!

بلد مثل هذا تستحيل فيه التسوية، لأن ما يسمى بالنخب،تمنع القيادات من الإمساك بناصية الأمور لتحقيق المصلحة العامة!

عندما يذهب الرئيس سعد الحريري إلى دمشق،يكون في وضعية من يقوم بواجبه تجاه بلده، فكل خصومة تنتهي بمحاولة التوصل إلى تسوية!

ولكن الجميع، بما أن الحريري اتخذ قراره الكبير، تهافت لاسترضاء دمشق حفاظا على مكانة مستقبلية له، فضعفت أوراق الحريري، ومعها ضعف حق لبنان !

ويروى عن الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي محسن إبراهيم، أنه طلب إليه يوما أن يزور مدير المخابرات في الجيش اللبناني آنذاك جوني عبدو لتخفيف حدة الخصومة بين الطرفين، فرد محسن إبراهيم: أنا لا مانع لديّ في القيام بزيارة مماثلة، ولكن مشكلتي تكمن في أن الشباب، بمجرد أن يعرفوا بهذا الأمر،يسبقونني الى هناك!

في الواقع، لقد بتُ مقتنعا بأن لبنان لن يتمكن من تحقيق أي حلم من أحلامه، طالما بقيت أكثريتنا تفتش عن رهانات رابحة، وتهرب من مبادئ صحيحة أصابتها النكسات أو لحقت بها هزائم!

وحتى تستوي أحوال نخبتنا اللبنانية…تصبحون على ألف حلم

!