ذكرى مجزرة تدمر: هل إلى فك الحصار عن مَوتانا من سبيل..؟

بدر الدين حسن قربي

• كاتب سوري

تذكّرنا نهايات حزيران/يونيو من كل عام أنه كانت هناك مذبحة ما زال الحصار مفروضاً عليها رغم عشرات السنين على جريمتها. وكل ما يقال عنها أنه قُتل فيها ما لا يقل عن ألفٍ من مواطنين سجناء عزْلٍ أسرى، وذلك في أقل من ساعةٍ من زمن قبل الشمس، ودون أية محاكمات حتى صورية أوغير ذلك من الإجراءات التي تعارف عليها بنو الإنسان، حدثت في يومٍ شاميٍ تدمريٍ، كان عنواناً لكل ما هو شنار ودناءة وعار، فكانت في البشاعة آخرها، وفي الوحشية والدموية واللاإنسانية منتهاها.

ولئن كان الناس كل على طريقته يستطيع الحديث بأقصى طول من لسانه عن مجازر دير ياسين والبريح وقبية القدس وخان يونس وقلقيلية وكفرقاسم والسمّوع، وقانا 1 وقانا 2، والحرب على لبنان، والحرب على غزّة..و..و…و…..الخ مما لم يعد فيه شيء مستورا كشفاً عن الجريمة والتوحش، فإن الحديث عن “مجزرة تدمر” لمختلف. ولئن كان منفذو هذه المذابح معروفين بأسمائهم ورتبهم ومناصبهم، فإن منفذي مجزرة تدمر ما زالت أسماؤهم مخفيةً طيّ الكتمان، وإن كانت الأصابع تشير إلى المتورطين أمراً وتنفيذاً. ولئن كان أهل الضحايا في المجازر الصهيونية يعرفون أسماء شهدائهم وضحاياهم وأماكن دفنهم وقبورهم، وحتى أن بعضها أقاموا لها النصب والجداريات التي تدل عليها وتذكّر العالم بها، فإن أهلنا لا يعلمون عن شهداء تدمر ولا عن مقابر حشاشات قلوبهم الجماعية شيئاً، ولا حتى أسماءهم. ورغم السعي الدؤوب الخيّر لكل الخيّرين من أصحاب الحق وأنصاره لفك الحصار الإسرائيلي عن أحبائنا وأحيائنا في غزّة، فإن موتانا المحاصرين لا بواكي لهم، وأصحاب تدمر في عموم أمرهم يسرحون ويمرحون ممانعين ومقاومين لفك الحصار عن أمواتنا ممن فُقدوا في تدمر وفي غيرها أيضاً ممن بلغوا الآلاف من المفقودين.

17 ألف مفقود سوري ومليون مجرّد من الحقوق السياسية

في تقرير دولي شامل قارب المئة وخمسين صفحة، صدر منذ أسبوعين للمرة الأولى وأنجزه باحثون وخبراء سوريون في حقوق الإنسان بالتعاون مع جهات حقوقية دولية مختلفة عن قضية المفقودين في السجون السورية، ذُكر أن عدد المفقودين حوالي سبعة عشر ألف مواطن، وهو عدد يمتد ليشمل قرابة مليون مواطن سوري ممن جردوا من حقوقهم السياسية، والكثير من حقوقهم المدنية، فضلاً عن التدمير النفسي والاجتماعي والاقتصادي، على مدى أكثر من ثلاثين عاماً لأسر المفقودين وأقربائهم. ويخلص التقرير إلى أن قضية المفقودين أصبحت كارثة وطنية تداخل فيها الجانب الإنساني مع الحقوقي والسياسي، وما تزال آلاف الأسر التي فجعت باختفاء أبنائها لا تعلم مصيرهم، وفي ترقب مستمر. ولم ينس التقرير الإشارة إلى أن الإخفاء القسري الرسمي لم يقتصر على السوريين من الإسلاميين وبعض الأحزاب الشيوعية وغيرهم، بل امتد الضرّ ليشمل أيضاً فلسطينين وأردنيين ولبنانيين وعراقيين. أما الجانب الأهم في التقرير لمن يهمه الأمر توصيته بضرورة تدويل قضية المفقودين ورفعها إلى المحاكم الدولية في ظل انعدام الأمل بالتعامل الحكومي والرسمي مع هذه القضية ومعالجتها.

ومن ثمّ فإن قضية المفقودين عندما تخلّى عنها أو عجز من عجز بعذرٍ أو دونه عن تقديم شيء فيها ممن يعتبرون أنفسهم معنيين بمصالح الأمة من مثل اتحاد المحامين العرب أو مؤتمر الأحزاب العربية والإسلامية إلى جبهات العمل القومي والإسلامي أو الإخوان المسلمين بتنظيمهم الدولي والإقليمي والأردني والفلسطيني أيضاً، وحتى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أو مما قيل عن وسطاء أتراك، فإنه لمن الطبيعي والإنساني أن تتقدم الجهات الاقليمية والدولية المعنية بحقوق الانسان وحريته وتهتمّ بهذه المأساة الكارثة لنقلها إلى المجتمع الدولي للمعاونة في حلها رغم اتهام البعض لها. وعليه، فإننا نستدعي سؤالاً طالما قلناه مراراً لكل المعنيين من أصحاب الضمير نتمنى ألا يؤاخذونا عليه، ونؤكده أيضاً قبل فوات الأوان: هل إلى فكّ الحصار عن موتانا من سبيل؟ أم أن الأمر متروك حتى تقع الفاس بالراس ويُنادى: محكمة. وعندئذ يبدأ اللطم والندب والنواح والشتم، وهات ياردح، وإنما بعد فوات الأوان.

هناك الآلاف من مواطنينا كانوا ضحايا مذابح وتغييب وقتل، تأكدت مفقوديتهم بعد تأكيدات توالت عن رجالات النظام من أنه لم يعد في السجون السورية معتقلو رأي أو فكر بل متجاوزو القانون فقط. وعليه، فإن لم يتبق أحد منهم حسب كلام المسؤولين، فأين هم إذاً..!؟ هل جاءهم أجلهم بياتاً..؟ هل قَضَوا تعذيباً أوتقطيعاً..؟ أم هل قُتّلوا فرادى أم ذُبّحوا جماعات..؟ أم دفنوا أحياءً !؟ إننا قد نتفهم بأنه قد يكون للسلطة مبرراتها في الاعتقال والاحتجاز، ولكن ما لا يفهم البتة في هذه القضية الإخفاء والتعتيم والسكوت المطلق فضلاً عن العناد والمشاكسة في التعاون مع الجهات المعنية لحل هذا الموضوع كلياً أو حتى التخفيف منه جزئياً. ونتفهم أيضاً أنها مشكلة حقيقة بل ومخجلة لهم، ومن ثمّ فهم يهربون منها، وإنما هي على الطرف الآخر أيضاً معاناة أليمة لأصحابها مما لا يعقل تصوره في بلاد غير بلادنا وعند خلق من غير خلقنا عنوانها آلاف المواطنين مفقودون في بلدهم، وآلاف الموتى محاصرون في وطنهم، أو اسمها أسرى العرب الأحياء والأموات في أرض العرب، وهي كارثة يقيناً لن تبقى دون حل وإن تهرّبوا منها ومضى عليها الزمن لأن استحقاقاتها قادمة لاريب. ومن ثم يكون تدخل المنظمات الإنسانية المحلية والإقليمية والدولية على مراراتها الطريقَ الوحيدة على أية حال للمساعدة في الكشف عن مصير مواطنينا المفقودين أحياءً وأمواتاً، فُرادى وجماعات، رُفاتاً وعظاماً، من غير معروفي المصير ولا أماكن الدفن، ولم يُسلَّموا لذويهم على يد من لايوجد في سجونهم أحد من أصحاب الرأي الآخر ولا مكان في معتقلاتهم لمواطني التوجه المخالف أو المعاكس.

إن الدعوة إلى فك الحصار عن الآلاف من موتانا قبل فوات الأوان هي دعوة إنسانية كريمة محدّدة وواضحة، هدفها حل قضايا إنسانية أخلاقية ووطنية عالقة، لانريد لأحدٍ من العرب والعجم ومسلمين وغيرهم، أو مقاومين ومستسلمين، أو يمينيين ويساريين، أو ملحدين ومؤمنين في عموم أوطاننا أن يفهم مرادها والعياذ بالله أنه نيل من صمود الحكومة أو ممانعة النظام، أوإنقاص هيبته أو إضعاف الشعور القومي لدى المواطنين أو تفشيل عزمهم أو تعطيل تحرير فلسطين أو استرجاع الجولان أو توقيف مفاوضات أو تفشيل سلام، أو حتى تثبيت معاهدة سايكس بيكو أو إلغائها، أو تغطية لاسمح الله على مشاكل الأمة مما نراه من القتل اليومي والذبح في أماكن مختلفة فضلاً عن الاستبداد والنهب والفساد.

قال من اسمه رجب: أن يحقق البعض اختراقاً في قضية فك الحصار عن أهلنا في غزّة، ويعجز من يعجز بمن فيهم إسلاميو مصر والأردن وفلسطين تحديداً في تحقيق ولو بعض اختراق في فك الحصار ليس عن أحياء بل عن موتى، أليس هذا من العجب..؟

أجابه: ويحكَ، كيف تعجب يا رجب..!! خذها واكتب بماء الذهب، يوم يستطيع اللبنانييون تحقيق إنجازات باهرة على صعيد أسراهم ومعتقليهم ومفقوديهم عند جارتهم العدوة والمغتصبة، ويكونون عاجزين عن فعل قليلها عند جارتهم الشقيقة، فلا عجيب ولا عجب. وعليه، فلا تسألنْ عن الأسباب أو سبب، في عجز من عجز أمام ممانعة ومقاومة لفكّ الحصار عن موتى الوطن، أو فَشَلِ من فشل أمام مقاومة وممانعة لفكّ الحصار عن مفقوديه.

cbc@hotmailme.com

 *

مجزرة تدمر
تعرّض الرئيس حافظ الأسد لمحاولة اغتيال فاشلة يوم السادس والعشرين من شهر تموز/يونيو 1980 من قبل أحد عناصر حرسه الجمهوري الخاص، فحمل المسئولية مباشرة لجماعة الإخوان المسلمين ، وبأمر صريح من رفعت الأسد شقيق حافظ ورئيس سرايا الدفاع جرى رد فعل انتقامي استهدف نزلاء سجن تدمر، الذين اعتقلتهم السلطات الأمنية في سورية من كل المدن والمناطق السورية. وأحالتهم إلى سجن تدمر الصحراوي في بادية الشام شرقي سورية. كان معظم السجناء من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين ومن أنصار التيار الإسلامي الذي أبدى معارضته للسياسة القمعية والديكتاتورية والطائفية لنظام الحكم في سورية. وفي فجر اليوم التالي السابع والعشرين من شهر تموز/يونيو 1980 قام حوالي 200 عنصراً من اللواء 40 واللواء 138 من مرتبات سرايا الدفاع التابعة مباشرة لرفعت الأسد بالانتقال بالطائرات المروحية من مناطق تمركزهم قرب دمشق إلى تدمر، حيث أقدموا على فتح النار على السجناء، وهم في زنزاناتهم ، غير مدركين لما يدبر لهم ، ورموهم بالقنابل والمتفجرات حتى ماتوا عن آخرهم خلال نصف ساعة من الزمن. ثم قامت شاحنات كبيرة بنقل جثثهم ، ورمتها في حفر أعدتها مسبقاً لرمي الجثث فيها في وادِ شرقي بلدة تدمر. عاد العناصر المنفذون إلى قواعدهم في دمشق ، واستقبلهم الرائد معين ناصيف صهر رفعت الأسد وهنأهم على إبادة الأبرياء ، ووزع على كل واحد منهم مكافأة مالية .

اللجنة السورية لحقوق الإنسان