قبل نهاية الطريق

الياس الزغبي

فاصل قصير وتنتهي الطريق.

لم تعد المسافة طويلة أمام المشروع المُلقى تنفيذه على عاتق “حزب الله”، والموزّعة أدواره بعناية على القوى الملحقة، مع أنّ هذه العناية لم تُنقذ أحد الممثّلين من الانكشاف والاسفاف في أداء دوره.

ماراتون المشروع دخل الـ”سبرنت” الأخير، وهو في حال اعياء، ويأس من بلوغ الهدف. وتبيّن لعدّائيه أنّ نقطة الوصول التي ظنّوها قريبة، أصبحت بعيدة المنال، بل مستحيلة.

حتّى الآن انتهى المشروع في ظاهره وعنوانه، وظلّ في باطنه وبنيانه.

الظاهر والعنوان: قتل القرار الاتّهامي واسقاط المحكمة. والباطن والبنيان: تغيير النظام وقتل لبنان، في سياق مشروع “تغيير وجه المنطقة”.

أمّا “التهدئة” الراهنة، فما هي الاّ لمراجعة فشل الظاهر والعنوان، والبحث عن رافعة أخرى أو عنوان جديد، لاكمال الانقلاب. وحين يقول أهل الانقلاب انّه مجرّد وهم في أذهان الناس تزرعه قوى 14 آذار، يعني ذلك أنّ التسويق قد تعثّر، أمّا هو فباق باق، يبحث عن وسائل ترويج جديدة. وليس خافيا أنّ الترويج رفَعَ شعارات كثيرة منذ 4 سنوات الى الآن، في محاولات فشلت تباعا، ولم تُسفر الاّ عن نتائج محدودة في السياسة وموازين القوى، بدون أن تكسر النظام أو تنسف هوّية لبنان.

الآن، دخل المشروع في سباقه الأخير مع نفسه، بين أن يُقرّ بالاستحالة فيبحث عن مخارج التراجع، ويعترف بسقوط عنوانه الانقلابي: انهاء المحكمة، وبين أن يندفع، وبدون عنوان مقنع، في تجربة قوّة وغلبة قتاليّة ستلتهم ضحاياها وجلاّديها معا.

لقد أحرق “حزب الله” كلّ أوراقه، وآخرها المحكمة الدوليّة وقرارها الاتّهامي المتقدّم. ولا يستطيع أيّ مراقب أن يفترض هدفا أو عنوانا اضافيا. تهاوت العناوين والشعارات، وبلغ ذرّ الرماد في العيون ذروته، ولا عمى أفظع ممّا حصل! أمّا الآن فالعيون كلّها مفتوحة: العين اللبنانيّة، والعينان العربيّة والدوليّة، وعين لاهاي، وعين التاريخ وحقيقة لبنان. أمّا العين العوراء التي لا ترى الاّ مشهد الدماء
والدموع وهوس السلاح، فسلامة عورها غير مضمونة، ومن أين لها أن تشفى؟
 
ومع وصول الأزمة الى خواتيمها الحاسمة،  ليس لها أن تمطّ أرجلها وتمدّد دورانها الى ما لا نهاية.

فحين تبدأ مرحلة القرارات، وهي غير بعيدة ، تُصبح المراوحة مستحيلة، ويُصبح حسم الاتجاهات أمرا واقعا.

وليس أمام “حزب الله” وعرّابيه وأذرعه المحلّيّة خيارات كثيرة. لقد استنفد الكثير من جهده وطاقاته، وهو الآن يمدّ يده الى الاحتياط. وأسوأ الحالات هي حين يخسر قضيّته بخسارة حجّته وتهافت عناوينه، فلا يبقى عنده الاّ القوة الصافية، سلاحه.

الرأي العام اللبناني يسأل: أين بات عنوان المقاومة، في جولان الجنوب، وفي شعاب سجد والشيّاح وبرج أبو حيدر وجديدة المتن وبعل محسن، وما اذا كانت “الاستراتيجيّة  الدفاعيّة” تُجري تدريباتها
هنا؟

… ويسأل: أين أصبح الردّ المزلزل على اغتيال “الحاج رضوان”، أم أنّ في الأمر قطبة؟

ويسأل: أين “جبهة المقاومة العالميّة” وتغيير المنطقة والعالم، وهل تمّ استبدالها بـ”جبهة مقاومة
الشعوب” النجاديّة السداسيّة، في غفلة من هذه “الشعوب” ودولها؟

ويسأل: أين أصبحت “الحرب الكبرى” على المحكمة وشهودها “الزور”، وفي أيّ متاهة دخلت بين قضاء عادي ومجلس عدلي، وفي الجدل حول “جنس” التزوير، فيما المحكمة ماضية الى عدالتها، لا تلوي على شيء؟
ويسأل: أين التلويح بسيف الفتنة، وقد ارتدّت الثعابين الى حواتها، وأرعب صراخ التهديد صاحبه قبل سواه؟

و”حزب الله” يسأل نفسه: ماذا منحني فائض قوّتي، وما نفع ترسانتي وصوارخي أمام أعزل لا يملك الاّ نداء الحقيقة والعدالة؟

في المنعطف الأخير قبل انتهاء الطريق، يقول السائق العاقل في سرّه: ربّ زدني هدوءا كي تكتمل سلامتي، فأبلغ برّ الأمان.

… وما زالت هناك فسحة ضئيلة للنجاة.