احراق العالم

بقلم/الياس الزغبي

“الشعوب تُحرق نفسها لتغيير رئيسها، ونحن نُحرق العالم ليبقى قائدنا”.

رسالة قصيرة تلقّاها عشرات آلاف السوريّين على هواتفهم، بعد صدور دعوات للتجمّع والتظاهر ضدّ النظام السوري.

مصدر الرسالة معروف، والغاية منها مكشوفة: التهديد بقمع، بل بـ”احراق”، كلّ من يحاول نقل “ثورة الياسمين” من تونس و”غضبة الميادين” من مصر، الى سوريّا، تحت الذريعة التاريخيّة بوحدة القائد والشعب، وتحت الشعار المزمن “قائدنا الى الأبد بشّار (بعد حافظ) الأسد”.

وكأنّنا نعود ثلاثين سنة الى الوراء، فنستعيد مع الرسالة الناريّة مشهد احراق حماه، واستئصال المعارضة السوريّة، وتأبيد نظام الطوارئ. ولا تُخفّف مسارعة الرئيس السوري الى الوعد بالاصلاحات (وأيّ اصلاحات؟)، من وطأة التهاب الذاكرة.

وتغيب عن بال أصحاب الرسالة حقيقة التحوّل الذي بدّل العالم في السنوات الثلاثين الأخيرة، ليس فقط في انكسار الاستقطاب الثنائي وموازين الحرب الباردة، بل خصوصا في ثورة الاتصالات وانكشاف الأحداث أمام عين العالم وعقله، واستحالة تكرار أساليب القمع والابادة بدون محاسبة.

ومع تهاوي أنظمة الحزب “القائد للدولة والمجتمع”، وتهافت نظريّة “الزعيم الملهم”، لم تعد بضعة أنظمة باقية على نمطيّتها في العالم، قادرة على تقديم تجربتها نموذجا للشعوب المنتفضة على أحاديّاتها وتسلّط حكّامها.

والمثير أنّ نظامين من هذا الطراز المقفل يطرحان نفسيهما نموذجين يستلهمهما شعبا مصر وتونس، وسائر الشعوب الخاضعة للديكتاتوريّات والحكم الاوتوقراطي، في أفريقيا وآسيا وغيرهما، وربما يطمحان الى تعميم حالتهما “الرائدة” على الأنظمة “المتخلّفة” في أوروبا وأميركا وأوستراليا، وربما تركيّا أيضا!

سمعنا صوتا من سوريّا يتحدّث عن فضائل النظام المشترك بين القائد والشعب، وعن الهيام الأبدي بين الحاكم والمحكوم.

وسمعنا من ايران ارشادا للشعب المصري باستنساخ “الجمهوريّة الاسلاميّة الايرانيّة”، وكلاما عن “يقظة اسلاميّة” لم يلقً الاّ الاستهجان من قيادات الشعب المصري المنتفض على نمط أقلّ انغلاقا وتسلّطا من نمط صاحب الارشاد، فكيف لهذا الشعب أن يرفض السيّىء من أجل الأسوأ؟

والأشدّ سوءا أن يصدر من لبنان، ومن أوساط تتلبّس التحدّث باسم المسيحيّين، كلام يهلّل للنظام الايراني وعقيدة “ولاية الفقيه” كمنقذة من الضلال، وكنموذج للحريّات والديمقراطيّة وحماية التنوّع!

حين انتفض الشعب الايراني بتظاهرات مليونيّة، قبل أكثر من عام، مطالبا بالحريّة وبالتخلّص من التسلّط، لم يقُل هؤلاء كلمة تعاطف واحدة مع أحرار ايران، بل تضرّعوا، في سرّهم، كي تنكسر حركة الاحتجاج، ويبقى لراعيهم المحلّي مصدر التمويل والتسليح والنفوذ.

وليس خافيا أنّ ما حصل في لبنان، بين “الاستشارات المسلّحة” والحكومة العتيدة “المدجّجة”، يعاكس اتجاه حركة التحرّر العربيّة، ولا يأتي في سياقها، ولم يكن أبدا من طبيعتها.

هناك كسر للحزب الحاكم وحالة انسداد الدولة والمجتمع، وهنا تجربة المجرّب والسعي لفرض حكم الحزب “القائد” والفروع الملحقة. هناك خطوة الى الأمام، وهنا خطوة الى الوراء. انّه مجرّد انتقام من الحركة المُلهمة للتغيير، والتي نجحت قبل 6 سنوات، وهي اليوم أمام تحدّي حماية نجاحها وتطويره.

وليس لأهل الحرّيّة والتطوّر في لبنان أن يقلقوا كثيرا، لأنّ النموذج الذي قدّموه، هو وحده قابل للحياة، أمّا النموذج الارتدادي فمصيره السقوط الحتمي تحت عجلة التاريخ، والنقلة الطارئة غير ثابتة.

وتبقى عودة التبشير بتصدير “الثورة” الايرانيّة كلاما من الماضي، لأنّها، هي نفسها، معرّضة لاستيراد النموذجين المصري والتونسي، وقبلهما النموذج اللبناني المؤسّس. ولم يعد نظام الملالي قابلا للتصدير.

أمّا التلويح باحراق العالم لحماية القائد، فقد شهدنا نماذج له في رومانيا ويوغسلافيا والعراق والسودان، وقبلها في ايطاليا وألمانيا، وكلّ طغاة الأرض، عبر التاريخ. فهل من يقرأ في ذاكرة الأمم؟!

السبت 5 شباط 2011