مجد لبنان

بقلم مارون مارون

صاحب الغبطة،

لم نكن نزور بكركي لندعم صمودكم إنما لنستمدّ الصمود منكم، فليس صدفةً ولا عبثاً أن يُعطى لكم مجد لبنان إلاّ لأنكم تعرفون كيف ترفعون فوق المجد أمجاداً.

نعم صاحب الغبطة، ها أنا أفتش بمعجم التاريخ عن كلمات تليق بالراعي الصالح وبالرجل الكبير، هذا الهادئ، الرصين، الذي حمل هموم لبنان والمسيحيين في قلبه وعقله وعلى كتفيه وجاب بها أقطار الدنيا حاملاً اسم لبنان ورافعاً لواءه.

كيف ننسى يا صاحب الغبطة مَن كان حاضناً للقضية اللبنانية ومدافعاً عنها في كل الأروقة الدولية وعواصم القرار؟
كيف ننسى يا صاحب الغبطة ضمير لبنان الذي لا ينطق إلاّ بجواهر ثمينة قلّ مثيلها عبر الزمن؟
كيف ننسى يا صاحب الغبطة نداء مجلس المطارنة الموارنة في أيلول 2000؟ الذي مهّد وأسّس لإزاحة أحد أعتى الجيوش وأقساها عن صدورنا، بعدما عاث في الأرض تنكيلاً وقتلاً واستبداداً، واشتهر بفبركة ملفات وتشييد أقبية للتعذيب كما أبكى عيون اللبنانيين وأدمى قلوبهم.

كيف ننسى يا صاحب الغبطة ما تعرّضتم له على أيدي الخوارج والمنشقين عن الطائفة؟ فمنهم مَن سمّى نفسه “البطرك سليمان”، ومنهم مَن رفع صورة “المتمرّد” على كرسي بكركي، عابثين بها وكأنهم من البرابرة أو من أتباع هولاكو. وبالرغم من ذلك بسطتَ يديك لاحتضانهم مراتٍ ومرات، متعالياً فوق الجراح علّهم يعودون إلى بيت الطاعة كما الإبن الضال… إلاّ أنه عبثاً حاولتم وعبثاً تحاولون؟

كيف ننسى يا صاحب الغبطة رعايتكم للقاء قرنة شهوان في عزّ زمن الوصاية والهيمنة؟ هذا اللقاء الذي أعاد الحياة لمجتمعٍ كان على وشك فقدان الأمل وكاد أن يُسلّم بالأمر الواقع المأزوم.

كيف ننسى يا صاحب الغبطة الكلمات النابية التي لا تدلّ إلاّ على انحطاط أدبي وأخلاقي قلّ مثيله، هذه الكلمات التي وُجهت إليكم كسهام مسممة لزيادة الشرخ داخل المجتمع المسيحي والتعرّض لأرفع مرجعية روحية وكنسية في لبنان والشرق…؟ إلاّ أنها وبالرغم من شراستها كانت تتهاوى قبل وصولها إلى درج بكركي، لا بل تذهب أدراج الرياح.

كيف ننسى يا صاحب الغبطة مَن رفض بشكلٍ قاطع السلاح غير الشرعي وميّز بين شرعية السلاح وشرعنة السلاح، وبين الدولة الدولة والدولة على كتف الدولة، وبين المربعات الآمنة والمربعات الأمنية؟

كيف ننسى يا صاحب الغبطة أنه في الوقت الذي تتحرّك معظم الشعوب من حولنا لإسقاط رؤوساء أو ملوك متمسكين بعروشهم، تبادرون أنتم طوعاً بتواضع النُسّاك وشهامة الكبار الكبار إلى إفساح المجال لانتخاب خلفاً لكم. ما يظهر جلياً كم أنتَ زاهد بالمناصب وحرّ حتى الموت. فما أعظمكم يا صاحب الغبطة؟

كيف ننسى يا صاحب الغبطة أنه بمسعاكم وسهركم وصلواتكم ونضالكم الروحي والكنسي تمكنتم من رفع اسم لبنان في باحة الفاتيكان بشفاعة القديس مارون أب الطائفة المارونية الذي وقف منتصب القامة في وسط روما يعانق السماء عينه على الطائفة وقلبه على لبنان؟

كيف ننسى يا صاحب الغبطة أنه من نِعَم الله علينا أن نعاصر بطريركاً أتقن لغة العقل والمنطق، يتمتع بصفاءٍ ذهني نادر وحضور فكري لافت، يعرف كيف يصنع من الظلمة نور ومن الضعف قوة، بطريركاً قد لا يتكرر، إنه مار نصرالله بطرس صفير.

صاحب الغبطة،
إن آلاف الصفحات قد لا تكفي لكتابة ما عانيتم وما أنجزتم خلال فترة توليكم مسؤولية طائفة ووطن، إلاّ أني أردت التوقّف عند محطات بارزة ومحددة لأن الكلام القليل غير كافٍ والكلام الكثير قليل، فماذا أكتب فيكم يا صاحب الغبطة؟

إلاّ أننا وبفارغ الصبر ننتظر كتابة مذكراتكم كاملة بخطوط من نور وحروف من ذهب والتي ستزيدنا قناعة أن ما تحملّتموه تعجز الجبال عن حمله، وما وفّرتموه للبنان سيبقى راسخاً في ذاكرة الوطن والأجيال وعلى صفحات المجد في كتاب التاريخ.

صاحب الغبطة، ليس خافياً على أحد أن بكركي لا تحتضن إلاّ العظماء أمثالكم الذين صقلتهم الصعاب، إلاّ أن الحقيقة أيضاً توجب القول إن خَلَفَكُمْ، وإن كان على مثالكم، فإن الفراغ أيضاً سيبقى له مكان يسأل فيه عنكم ويأتيه الجواب: إن صاحب الغبطة سلك الدرب الطويل… درب الشفاعة والقناعة وربما القداسة.

أخيراً يا صاحب الغبطة، نسأل الله أن يمنحكم أياماً مديدة وسنين عديدة لتشهدوا معنا قيامة لبنان العتيدة، لبنان هذا الوطن الذي نقشتم على صخوره تاريخ شعبٍ وزرعتم على جباله قديسين للعالم وغرزتم في ذاكرة الموارنة حكاية مجدٍ لا تزول.
نعم يا صاحب الغبطة، حفظت الوزنات وعرفت كيف تُعطي لبنان أمجاداً، يا مَن أُعطي له مجد لبنان.