د. جعجع في احتفال إقرار النظام الداخلي لحزب “القوات”: اقل ما يقال في الحكومة إنها حكومة الأنظمة العربية البائدة


أسف رئيس الهيئة التنفيذية في “القوات اللبنانية” سمير جعجع، في كلمة ألقاها في احتفال إقرار النظام الداخلي لحزب “القوات” في معراب انه “في اللحظة ذاتها التي يبدأ فيها تحول تاريخي بنيوي عميق في المنطقة كلها، نرى لبنان، الذي كان دائما ابدا، مرتع النهضات وحركات التحرر الفكرية والسياسية والدينية، ومختبر الديموقراطية في هذا الشرق، يعود خطوات الى الوراء من خلال ممارسات رسمية غير مفهومة، انتهت بتشكيل حكومة اقل ما يقال فيها إنها حكومة الأنظمة العربية البائدة”.

وسأل “كيف لنا نحن كلبنانيين، ان نفسر خطف مواطنين غير لبنانيين على ارضنا وإعادتهم الى بلادهم، فقط بسبب آرائهم السياسية، وبعيدا عن الأصول الادارية والقضائية القانونية المطلوبة؟ كيف لنا أن نفسر اعتقال بعض الهاربين من اهوال الثورات والمآسي، وإعادتهم قسرا الى بلادهم حيث قد ينتظرهم الموت المحتم؟ وكيف لنا ان نفسر موقف لبنان في مجلس الامن والذي يبدو بشكل او بآخر، وكأنه يسلم بما يجري من قمع دموي، في اكثر من دولة عربية؟ كيف لنا ان نفسر قيام حكومة في هذه اللحظة الحاسمة أقل ما يقال فيها انها حكومة وصاية غير منقحة، من جديد؟ وخير دليل على ذلك ما صدر فورا عن بعض اقطابها والمشاركين فيها من إسفاف وتهديد بالابعاد والنفي، والتهويل بزج المعارضين في السجون، والتلويح بالاقتصاص من كل آخر، وباقتلاع، من الادارات العامة، كل من ليس مطواعا بين ايدي النظام العربي البائد”.

وحذر جعجع بالقول “مهلا يا اخوان، مهلا. حتى في عز ايام الأنظمة العربية البائدة، لم يرض الشعب اللبناني ذلا وقهرا، فهل تنتظرون منه ان يقبل بذلك الآن؟ كلا، وألف كلا، وألف ألف ألف كلا”.

واشار الى أنه “عندما انطلقت القوات كحركة مقاومة عفوية فرضتها احكام الضرورة منتصف السبعينيات، لم يكن البعض ليتصور ان تتحول هذه الحركة الشعبية الارتجالية الى ما بلغته من تنظيم وصلابة ووضوح في التوجه والرؤيا. وعندما اتخذت القوات قرارها الاستراتيجي بالموافقة على وثيقة الوفاق الوطني والإنخراط في مسيرة بناء الدولة اواخر الثمانينيات، لم يكن البعض ليتوقع أن تنجح القوات باستنباط سلاح أنجع من السلاح الذي تخلت عنه بإرادتها، فظن هذا البعض أن قوات من دون سلاح لن تكون القوات. الى ان استحال القلم وسلاح الموقف بيدها اقوى من أي سلاح”.

وقال “عندما تجندت قوى الشر لمحاولة النيل من القوات اوائل التسعينيات، بالإغتيال المادي تارة والمعنوي تارة أخرى، وبمحاولة الحد من إندفاعة القوات في اتجاه التحول الى حزب حديث، اعتقد البعض أن الدوس على بعض الأزهار بإمكانه ان يوقف تفتح الربيع. صحيح أن ذلك أدى الى تأجيل ربيع القوات، لكنه أدى أيضا الى أن تأتي براعمه أكثر تفتحا وأرزته أشد اخضرارا. وما نشهده اليوم على صعيد إقرار النظام الداخلي للقوات هو اكبر دليل على ذلك”.

وشدد على ان ” ليس وجود القوات على هذه البقعة من الأرض متغيرا عابرا فرضته ظروف آنية او مستجدات ظرفية بل هو وجود تاريخي عميق. ففي البدء كانت القوات، مقاومة خرجت من رحم المعاناة والتضحيات وعرق الأجداد على مر العصور حفاظا على حرية الإنسان وكرامته في هذه الجبال. في البدء كانت الروح ومن ثم كان لبنان”، لافتا الى ان “قابلية القوات للحياة والإستمرارية والتطور، في كل الظروف وفي أكثر المراحل ظلامية، تنبع اساسا من قوة دفع ذاتية نضالية تاريخية، لذلك أعادت إنتاج نفسها تلقائيا عندما دق الخطر على الأبواب، وصمدت بديهيا على رغم كل القتل والتنكيل والاضطهاد زمن الوصاية، وأزهرت طبيعيا في ربيع 14 آذار 2005، وها هي اليوم تتقدم مسيرة التغيير والديموقراطية النابضة من خلال إقرارها نظاما داخليا متطورا تطل من خلاله بحلة ديموقراطية متجددة، وذلك بعدما راكمت بعدا وطنيا مهما في معادلة الحرية والسيادة والاستقلال والكرامة”.

وأكد جعجع “ان النظام الداخلي ل”القوات اللبنانية” هو نقطة ارتكاز أساسية في استمرارية هذه المسيرة، لانه أداة تنظيمية عصرية ديموقراطية تشكل خطوة متقدمة على طريق تفعيل نضالنا، وإكتساب رأي عام يؤمن اساسا بكل ما نؤمن به”.

واضاف “لقد مر إقرار النظام الداخلي بمراحل متعددة، واستغرق إعداده سنوات وسنوات، بذل فيها عشرات من الرفيقات والرفاق العرق والجهد والسهر لكي تصل اليوم مسودة المشروع الى صيغتها النهائية. لقد وضع التصور الأولي للنظام الداخلي منذ العام 1991، وكان من المفترض أن يقر بصيغته النهائية في خريف 1994. لكن يد الغدر كانت اسرع، إذ حل حزب القوات قبل أشهر من الموعد المحدد في محاولة من سلطة الوصاية لتغييبه إلى الابد. وبعد زوال عهد الوصاية وخروج الوطن من سجنه الكبير، وخروجي من سجني الصغير، قمت مباشرة بتشكيل لجنة إعداد وصياغة للنظام الداخلي، انكبت على مدار اشهر طويلة متواصلة وفي اصعب الظروف وأدقها من تفجيرات واغتيالات، على إعداد مسودة اولى، رفعتها الى الهيئة التنفيذية التي تولت بدورها دراستها وتنقيحها وإقرارها في ربيع العام 2010، بحيث وزعت على الهيئات الحزبية كافة، في لبنان وبلاد الإغتراب، ونشرت على الموقع الإلكتروني الرسمي للقوات”.

وتابع: “بعد ذلك استلمت لجنة الصياغة مئات الملاحظات المقدمة من الرفاق حيث عملت على تبويبها وتعديل المسودة الأولى على ضوء ما تم إعتماده والأخذ به من ملاحظات، ثم تم تحويل المسودة الثانية المعدلة الى الهيئة التنفيذية فأقرتها بشكلها النهائي في اوائل العام 2011. وعلى ضوء ذلك التأم مؤتمر الهيئة العامة بكامل أعضائها في ربيع ال 2011، على مدار 7 أيام متقطعة، بمعدل 7 ساعات عمل يوميا، حيث نوقشت مواد النظام الداخلي مادة مادة، وأدخلت تعديلات على عدد كبير منها. وفي نهاية أعمال الهيئة العامة احيلت المسودة على لجنة متخصصة لإضافة التعديلات المطلوبة، وإدخال التصحيحات اللازمة، ومن ثم صياغة النظام الداخلي بشكله النهائي، حيث تم اليوم إقراره بمادة وحيدة من قبل الهيئة العامة”.

وأردف “هذا من حيث الشكل، اما من حيث المضمون، فقد كرس النظام الداخلي ديموقراطية حقيقية تتمثل بإنتخاب قيادة الحزب مباشرة من قبل القاعدة الحزبية. وعلى صعيد المراقبة والمساءلة والمحاسبة، فقد نص النظام الداخلي على وجوب إنعقاد المؤتمر العام للحزب مرة في السنة على الأقل، وذلك لمناقشة القيادة الحزبية في السياسة العامة وأمور الحزب الداخلية. ومن اهم خصائص النظام الداخلي الجديد أنه أكد الحضور الفاعل والمميز للمرأة داخل الحزب، خصوصا على مستوى الهيئة التنفيذية والمؤتمر العام”.

وقال جعجع: “كم هو معبر، كم هو مؤثر، ان نلتقي اليوم، لاضافة مدماك جديد على بنيان الديموقراطية في لبنان، في الوقت الذي تثور فيه شعوب المنطقة قاطبة طلبا للحرية والكرامة الانسانية. إنها ربما المرة الاولى التي تلاقي الشعوب بعضها بعضا في تاريخ هذه المنطقة، بانسجام تام، ومن فوق جدران الحدود وأسوار الانظمة ومن دون سابق تصور وتصميم، بصوت واحد وصرخة واحدة: الشعب يريد …، حرية سلمية…كرامة… ديموقراطية…إنه النغم الذي كان تائها. إنها الانشودة التي كانت ضائعة ولاقت لها اخيرا ملايين وملايين من الحناجر تنشدها في كل شوارع وساحات مدن المنطقة وقراها”.

أضاف: “نحن اليوم، في هذه المناسبة بالذات، وانطلاقا من كل ما نؤمن به، لا يسعنا، سوى اعلان تعاطفنا مع كل الشعوب العربية المعذبة والساعية إلى الحرية والكرامة والحداثة والتطور. جوهر التاريخ منذ الأزل: حرية الإنسان وكرامته، وكل ما عدا ذلك الى زوال”.

وأعلن “أن القوات اللبنانية في الخطوة التي أنجزتها اليوم، تقدم أنموذجا رائدا على مستوى لبنان والمنطقة العربية باعتماد نظام داخلي متطور يحاكي لغة العصر ويتلاءم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين ومفاهيمه”، وقال: “بذلك، نكون نحن أنفسنا أمناء لنضال الأجداد وتضحياتهم ولدماء الشهداء وجميع الأحرار والمضطهدين في الذود عن الحرية وحماية إرثهم الثقافي من خلال المحافظة على شعلة الحرية متوقدة في لبنان والشرق”.

وأكد “أن المفاعيل الإيجابية لإقرار النظام الداخلي لن تنعكس حصرا على القوات كحزب لبناني طليعي، انما ستتعداه، لتفعل فعلها في الحياة السياسية في لبنان والمنطقة، إذ أن الترددات الديموقراطية لهذا الحدث، ستطرق أبواب بقية الاحزاب، التي لا بد لها، عاجلا أم آجلا، أن تستجيب إلى نداء الحرية والديموقراطية الذي يصدح بقوة في سماء المنطقة”.

وختم جعجع: “إن القوات لم تكن لتفلح بتحقيق هذه الخطوة الجبارة، وأن تبلغ مراحل متقدمة من التنظيم والفعالية وسعة الآفاق اللبنانية، العربية والدولية، لولا التضحيات السخية التي بذلها شهداؤنا ومصابو الحرب بيننا، والمعتقلون والمناضلون والجنود المجهولون وكل من حمل لواء القضية وبذل الجهد بكل إخلاص ومسؤولية. فالفضل، يعود إليهم. ولأجلهم، نقدم هذا الإنجاز، باقة زهر توضع على قبر كل شهيد، وبلسما يداوي جراح المصابين، ومنديلا يمسح دموع الأمهات وعرق المناضلين”.

فرنجية

وألقى عضو الأمانة العامة لقوى “14 آذار” النائب السابق سمير فرنجية كلمة قال فيها: “إن الجهد الذي بذلته القوات اللبنانية لتطوير أوضاعها التنظيمية وتجديدها هو جهد مشكور لأنه يساهم في تحديث الحياة السياسية التي لا تزال سجينة اعتبارات وممارسات تعود الى بدايات القرن الماضي، ولأنه يساعد على انهاء حال من انفصام الذات لم يعد ممكنا التغاضي عنها، حال انفصام بين مطالبتنا بتطبيق الديموقراطية على المستوى الوطني العام من جهة، ورفضنا تطبيقها في داخل مؤسساتنا الحزبية من جهة أخرى. كما يساهم في ردم الهوة القائمة بين مكونات 14 آذار الحزبية، وبين الرأي العام الاستقلالي الذي كان له الدور الحاسم في اطلاق ثورة الارز وحمايتها”.

أضاف: “هذا الجهد لم يكن ليحصل لو لم تقم القوات اللبنانية بوضع حد فاصل بين ماضي الحرب والحاضر، والبحث عن مشروعية سياسية لها في حاضر “ثورة الأرز” ومستقبلها، في حين لا يزال البعض الآخر يقوم بنبش القبور بحثا عن مشروعية مفقودة”.

ولفت إلى “أن قائد القوات اللبنانية قد أضفى بعدا أخلاقيا على هذا التحول حين تقدم في 21 أيلول 2008 باعتذار صريح امام الحشود والرأي العام عن كل أذية أو خسارة أو ضرر غير مبرر تسببت به القوات خلال الحرب، وهو بذلك وضع حدا لكل السياسات القائمة على مثول الماضي في الحاضر واستنفار الذاكرات المتوترة خدمة لمصالح سياسية آنية”.

وتابع: “هذا الجهد الذي قامت به القوات اللبنانية يأتي في لحظة تاريخية مصيرية. فالنظام الذي أمسك بلبنان على مدى العقود الأربعة الماضية فقد صلاحيته، وهو مضطر الى الخيار بين إصلاحات جذرية تغير في طبيعته وتنهي تاليا أطماعه الإقليمية، وبين قمع دموي يعرضه حتما إلى السقوط. هذا الأمر يطرح على كل لبنان وكل طائفة من طوائفه أسئلة مصيرية”.

وسأل: “هل من مصلحة المسيحيين الاستمرار كما يفعل البعض في الدفاع عن نظرية تحالف الأقليات ضد الأكثرية؟ وهي النظرية التي استخدمها النظام السوري لدخول لبنان؟ وهل من مصلحة المسيحيين الخروج من التاريخ والوقوف مع نظام ينهار بذريعة أن البديل منه غير محدد، والتخلي عن دورهم النهضوي التاريخي في لحظة بدأ فيها العالم العربي يتبنى المبادىء التي طالما ناضل من أجلها المسيحيون؟ وهل يجوز، كما تفعل الثنائية الحزبية أمل – حزب الله ربط مصير الطائفة الشيعية بمصير نظام سياسي دخل مرحلة السقوط؟ وهل من مصلحة لهذه الطائفة في أن تتحول الى قوة دعم لنظام يواجه شعبه بقمع دموي وأن تتخلى عن تاريخها الطويل في مواجهة الظلم والمطالبة بالعدل؟”.

كما سأل: “هل إن الطائفة السنية محكومة بأن تبقى أسيرة رد الفعل تجاه ما يجري أم أن دورها في لحظة التغيير العربي الكبير هو في طمأنة الطوائف الأخرى والعمل على وضع حد لهذا الصراع المذهبي الذي يتهدد العالم العربي بأسره والشروع مع الآخرين في تحديد دور لبنان في صياغة عالم عربي جديد ديموقراطي وتعددي؟ وهل إن حماية الطائفة الدرزية تتحقق من خلال الانسحاب من الحياة السياسية؟ وهل الانكفاء على الذات لا يفقدها دورها المحوري في تأمين الوصل بين كل مكونات المجتمع اللبناني؟”

وأردف: “هذه الأسئلة لن تجد أجوبة لها إلا في الإطار العام المشترك. فالضمانات التي من حق كل طائفة أن تحصل عليها لا تتأتى من امتيازات، ولا من فائض القوة الذاتية، ولا من تحالف مع الخارج، بل تتأتى من الإطار المشترك الذي يحتوي الطوائف جميعا، أي من الدولة”.

وأشار إلى “أن الدولة اليوم عاجزة عن القيام بالدور المطلوب، فهي ما زالت منقوصة السيادة، يخيفها السلاح غير الشرعي، فترضخ للأمر الواقع”، لافتا إلى أن “الدولة تفسد عملها قيادات سياسية تريد وضع اليد عليها، تارة بحجة الدفاع عن حقوق لهم، وطورا بحجة تغييرها واصلاحها. كما تديرها سلطة لم تتبلغ بعد أن العالم قد تغير وأن لا وصاية بعد اليوم”.

وختم: “أعادت القوات اللبنانية تأهيل نفسها، فهو جهد مشكور، لكنه يرتب عليها اليوم مسؤولية إضافية هي مسؤولية المساهمة مع جميع الشركاء في إعادة تأهيل الدولة لجعلها دولة مدنية حديثة قادرة على بناء مستقبل سلام لجميع اللبنانيين”.