وحدها الدولة المُركّبة تطمئن المسيحيين… والمسلمين أيضاً

طوني حدشيتي

 لم أشأ أن يمرّ مقال «مَن يطمئن المسيحيين؟» لعزيزنا ورفيقنا في ثورة الأرز الأستاذ راشد فايد، والذي نشرَته جريدة «الجمهورية» بتاريخ 26 تشرين الثاني 2011، مرور الكرام من دون الردّ عليه بكلّ محبة واحترام، وذلك لتصويب جُملة المغالطات والاتهامات الباطلة بحقّنا، نحن مسيحيو لبنان، ولدحض فكرة اصطناعنا المخاوف، والتي أعتبر أنها وردت عن حسن نيّة وليس بقصد الذّم بنا.


*

  يبدأ الكاتب مقاله عن قِدم إثارة مخاوف المسيحيين بعودته إلى نهاية الحرب (أحداث 1975-1990)، ليتحدث عن هزيمة مشروع المسيحيين “الذي تردّد بين الدويلة المسيحية وبين الصيغة المسيحية للدولة اللبنانية على أنقاض صيغة 1943”. ولكن للأسف، لقد فات الكاتب أنّ هذا المشروع هو ادعاء اخترعه وصدّقه الفريق الآخر وقتها، وتصرّف على أساسه، وهو مشروع لم يُوجد أصلاً!

ثم يتابع ليقول إنّ الحرب، وبعد هزيمة هذا المشروع المسيحي (المزعوم بحقنا)، “أنتجَت رفضهم الانخراط في مشروع بناء الدولة، وفق اتفاق الطائف، وولّدت الإحباط المزعوم في نفوسهم، لا سيما بعد فرار الجنرال ميشال عون إلى فرنسا، ولاحقا تهميش نظام الوصاية القيادات المسيحية الأخرى، حتى السجن، وفشله في خلق قيادات بديلة”. هذا الكلام غير صحيح! لأنّ البطريرك الماروني والكتائب والقوّات وافقوا على الطائف، وحده عون لم يوافق لمعرفته أنّه لن يُنتخب رئيساً للجمهورية! وما يثبت أيضاً أنّ قول الكاتب هنا غير صحيح، هو أنّ القوات والكتائب تمثّلتا في الحكومات بعد الطائف (قبل حكومة الحريري الاولى) بـ روجيه ديب وجورج سعادة مثلاً. وللحقيقة أقول: إنّ نظام الوصاية والاحتلال السوري لم يُهمّش القيادات المسيحية الحقيقية فحسب، بل حارب بوحشية، أمنيّاً وسياسيّاً، كلّ مَن لم يخضع له، سواء من المسيحيين او المسلمين، ولكنّ حصة الاسد كانت للمسيحيين. إذا، عن أي إحباط مزعوم يتحدث الكاتب ؟؟

ويشير الكاتب لاحقاً إلى أنّ المسيحيين اصطنعوا المخاوف، وذلك بقوله إنّ المسيحيين “كانوا يأخذون على شركائهم في الوطن أنهم يتطلعون باستمرار، إلى محيطهم العربي، ويتفاعلون معه أكثر ممّا يكترثون لواقع البلاد. وإنهم يقدّمون أي قضية عربية على أي شأن لبناني، من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، إلى حرب الجزائر، وصولا إلى تحرير فلسطين، والمقاومة الفلسطينية وشعار بعض قادتها: تحرير القدس يمرّ بجونية”. وهنا، وقع الكاتب في تناقض رهيب! وردّنا هو التالي: لو كان الأمر معكوساً، أي أنّ المسيحيين تصرفوا كما فعل المسلمون يومها، أما كان المسلمون ليأخذوا على المسيحيين هذه التصرفات ؟ عِلماً أنّ المشكلة كانت في أن الولاء الأوّلي للمسلمين كان للخارج، حيث كان شعارهم: لبنان ثانياً، وهذا ما ظهر جليّاً من خلال ما عُرف بثورة الوحدة العربية عام 1958 ومناصرة مشروع الوطن البديل للفلسطينيين عام 1975 ودعمه، وكلام وليد جنبلاط في برنامج “بموضوعية” على شاشة MTV بعد عام 2009، بقوله: “عندما حاولنا إلغاء الآخر، فشلنا”، هو خير دليل على ذلك! فهل يعقل أن يعطي أب الأولية لأبناء أخيه ويهتّم بأولاده في الدرجة الثانية ؟ وبالتالي، أكرّر: عن أي مخاوف مصطنعة يتحدث الكاتب ؟

أمّا حول اعتباره أنه على رغم قيام ثورة الأرز، فما زال المسيحيون اليوم يثيرون المخاوف على مصيرهم، فنسأل: هل حقاً ما يسمّى مخاوف على مصير المسيحيين هو اصطناعي اليوم بعد كل ما جرى وحدث وحصل منذ العام 2005، وبعدما نرى امتداد الأصولية والسلفية والفِرق التكفيرية إلى جماعات كثيرة من المسلمين، سُنةً كانوا أم شيعة ؟

إنّ اعتبار المخاوف والإحباط متشابهين ومتلازمين هو خطأ منهجي. فالخوف هو خوف حقيقي، حِسّي، له أسبابه الواضحة على الارض، وقد ينتج إحباطا أو رَدّ فِعل مقاوم، وهكذا يجب أن تُفهم مقاومتنا في العام 1975.

ويكمل الكاتب: “ينطوي الكلام على خوف المسيحيين على مؤشرين أساسيين، أوّلهما التشكيك بالشريك في الوطن وفي حرصه على الشراكة، وإنكار صدقية إيمانه بها، والتزامه بالمناصفة أيّا يَكن العدد”. وعليه، نقول أيضا: الخوف هو، إذا كان من خوف، ليس تشكيكاً بالشريك ككُل، بل بقسم ممّن يدّعون أنهم شركاء حقيقيين وهم ليسوا كذلك، وأعني بهم “حزب الله”. وأن ننسى، فلن ننسى ما أعلنه زعيم “حزب الله” بافتخاره كونه جنديّا في جيش ولاية الفقيه الذي يطيعه هذا الحزب طاعة عمياء، لا احترام فيها لشريك في الوطن ولا لصديق. وفي هذا الخصوص، أحيل العزيز الكاتب لقراءة التحقيق الذي نشره موقع kataeb.org بتاريخ 3 كانون الاول 2011، وكان بعنوان “حزب الله يفرض التعليم الديني الشيعي على مدارس بعلبك كافة… فإلى أين ؟” .

وأمّا المؤشر الثاني لمخاوف المسيحيين وفق الكاتب، فهو أنّ “من يزعم هذه المخاوف ويشهد عليها توقعات لما يفترض أنه سيحدث في المحيط، إنّما يربط لبنان بالمحيط خلافا لما أراده المسيحيون منذ الاستقلال…”. إنّ هذا الكلام عن ارتباط لبنان بالمحيط، حَق أريدَ منه باطلاً. فلبنان جزء لا يتجزأ من العالم العربي، وهو يساوي كل المساواة، في القيمة والحقوق والواجبات، أي دولة عربية أخرى في العالم العربي وجامعة الدول العربية. وإنّما، يرفض هذا اللبنان وبشكل قاطع أن يُعتبر الشقيق القاصر الضعيف الذي يحتاج وصاية، سواء كانت سورية أم مصرية أم سعودية أم من أي دولة أخرى. ولن يقبل لبنان أن ينسحب من العالم العربي، ولا أن يتسلّط العرب عليه !

وبالحديث عمّا يجري في المحيط، فهل يدري الكاتب أن بعد نشر مقاله بأيام قليلة، قد صرّح السلفي أشرف ثابت بعد فوزه في الانتخابات النيابية عام 2011 في مصر: “سنمنع الاختلاط في العمل، وسنلغي النظام الحالي للبنوك، وسندعم أي حزب إسلاميّاً كان أو ليبراليّاً ما دام يقدم برنامجاً إصلاحياً لا يخالف مبادئ الشريعة الإسلامية، ونعم سنطبّق الشريعة الإسلامية على المدى البعيد” ؟ فماذا سيفعل يا أخي الكاتب، العشرة ملايين قبطي في هكذا حكم ؟ وماذا عن الفرض عليهم ثقافة من خارج هويتهم المجتمعية؟ وماذا عن دورهم الفاعل في النظام وعن حقوقهم المتساوية بالآخرين عبر دولة مدنية ؟ فإذا نال شيعة مصر نصيبَهم من الضرب خلال مراسم العاشر من عاشوراء على أيدي السلفيين (بعد فوزهم وباقي الأفرقاء الأصوليين والمتطرفين والتكفيريين في المرحلة الاولى من الانتخابات النيابية التشريعية 2011 بأيام معدودة) فكيف سيكون الحال مع الأقباط؟؟!

وعن اتهام الكاتب المسيحيين أنّ زعمهم المخاوف هو لإضاعة فرصة تاريخية لتلاقي جميع اللبنانيين أو غالبيتهم على مشروع الدولة ونهائية لبنان، فنسأل: هل هذا الكلام صحيح ؟ هل هذا هو موقف “حزب الله” وحزب البعث والحزب القومي وجميع المرتبطين بسوريا بمَن فيهم ميشال عون ؟ أين هو هذا الإجماع إذاً ؟

ويتحدث كذلك عن أنّ مروّجي هذه المخاوف يتجاهلون أنّ “مقتل المسيحيين في العراق كان خلال حرب أهلية بعد الاحتلال الأميركي أودَت بأعداد من المسلمين سنّة وشيعة أضعاف أضعاف مَن أودَت بهم من المسيحيين”، وعليه نردّ: أوّلا، إنّ الأعداد وفق الأحجام، وأعداد الشيعة والسنّة أكثر بكثير من المسيحيين.

ثانياً، إنّ من قتل المسيحيين في العراق هم مسلمون. وهل يمكن لأحد أن ينكر ذلك ؟

ثالثاً، إنّ استهداف المسيحيين في بيوتهم وكنائسهم في العراق لم يكن صدفة يتيمة، بل كان الاعتداء عليهم مقصوداً ومتعمّداً وحصل مرات عديدة.

وعن قوله “لا يُبرّر إعلان رئيس المجلس الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل التزام ليبيا الشريعة الإسلامية، أو فوز حزب النهضة الاسلامي في تونس بالأغلبية النيابية، استثارة المخاوف على التعددية اللبنانية. فالشعب الليبي ذو أغلبية إسلامية مطلقة، وهو حرّ في اختيار دستوره وقوانينه، والشرط الوحيد المطلوب منه هو أن يلتزم بحرياته وحقوقه كما بحريّات الآخرين وحقوقهم”. وعليه، فإنّ ما يذكره الكاتب عن ليبيا هو دليل ضده وليس معه ! أمّا بالنسبة لاستشهاده بالواقع التونسي بعد هروب الرئيس بن علي بالقول: “أعلن حزب النهضة تحالفه مع أحزاب يسارية، والتزامه بالتعددية الحزبية والعلمانية، أي فصل الدين عن الدولة واعتماد القوانين العلمانية التي تطبّق منذ عهد الحبيب بورقيبة”، فأجزم أنّ اللعب على الكلام والألفاظ لا يعني فصل الدين عن الدولة، وما قاله الكاتب عن حقبة بورقيبة غير صحيح على الإطلاق. فالنظام التونسي أيام بورقيبة كان ينصّ على دين الدولة وهو الاسلام! وإذا كان بورقيبة قد منع تعدّد الزوجات، فليس تطبيقاً لعلمانية ما، بل تطبيقا للآية القرآنية التي تعني أنه في الزمن الحالي لا يمكن لأحد أن يُنصف زوجاته كما يدعو القرآن. إذاً، إنّ إلغاء تعدد الزوجات في عهد بورقيبة جاء بوَحيٍّ ديني لا علماني، علماً أنّ المهر كان شرطاً من شروط الزواج الصحيح، وهو شرط إسلامي بالدرجة الاولى!

ويمضي الكاتب في مقاله، ويقول: “المفارقة أنّ اللبنانيين المسيحيين الذين بشّروا باستمرار بأهمية أن تسود الديموقراطية في العالم العربي… يبدون مقتنعين بأنّ ذميّة تحت قبضة الديكتاتورية أفضل ممّا سيحمله الربيع العربي”. صحيح أنّه يوجد من يفضّل عصفوراً باليد بدلا من عشرة على الشجرة، وهؤلاء يقصدون أنّ القادمين حديثا إلى الأنظمة هم من السلفيين والتكفيريين الذين لن يقبلوا بأن يساويهم المسيحيون في المواطنية الكاملة، وهذا قلق حقيقي (والمثال المصري الذي أعطيته دليل قاطع). وكما يتمنى هؤلاء البعض، وأؤيّدهم في ذلك، أن يتصرّف الآتون إلى السلطة في العالم العربي على نحوٍ يزيلون بموجبه قلق المسيحيين، علماً أنني أناهِض بشكل كلّي أي تبرير أعطيَ أو سوف يُعطى لبقاء الطغاة والديكتاتوريات.

يقول الكاتب أيضاً: “أن يكونوا طليعيين، هو الفعل الذي أعلى شأن اللبنانيين، والمسيحيون في مقدمتهم، وهم اليوم بحاجة إلى دور خلّاق ليس أقلّه العمل على إقامة دول حقيقية في المنطقة، ولبنان في طليعتهم، أساس بنيتها الديموقراطية وصَون الحريات واحترام سيادة كل دولة على أراضيها ومواطنيها وإسقاط الأحلام الامبراطورية والوحدات بالقوة والانتهازية”. اجل، هذا صحيح تماماً. ولهذا السبب فإنّ الدولة المُركّبة طَلِعَ بها المسيحيون لأجل أن يطمئنوا على مصيرهم ومصير شركائهم في الوطن أيضاً. وبهذا، يكون المسيحيون طليعيون في بناء ديموقراطية حقيقية تصون الحريات وتحترم المصالح الوجودية لكلّ جماعة في لبنان.

أخيرا، أعتذر سلفاً من أستاذنا راشد الذي نتعلّم منه، لو كنت قاسياً بعض الشيء في النواحي التي تناولتها. وأختم بالقول: ما يُزيل فعلاً أيّ قلق سَببي على المصير والمستقبل، هو نظام جديد لدولة مُركّبة (وتحديداً الاتحادية أي الفدرالية) التي تعطي كل ذي حقّ حقه كاملاً غير منقوص، إلى أن تتطور النفوس نحو آفاق أخرى. عندئذ، يختار الناس نظاما سياسيا آخر يتوافق مع المستجدات، فما من نظام سياسي أبدي سرمدي أزلي. ولْنَترك لكلّ جماعة في لبنان أن تعيش معتقداتها كما تريد، من دون أن تمسّ المصالح الوجودية لأي فريق آخر في الوطن.