كلمة رئيس حزب “القوّات اللبنانيّة” الدكتور سمير جعجع في الذكرى السابعة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري في البيال

إنّي أرى عهداً قديماً يتهاوى، وربيعاً عربياً عظيماً آتياً.
أبا بهاء، شهداء ثورة الأرز…

اغتيالكم أخرجهم من التاريخ، وقريباً يخرجون من الجغرافيا.
نم قرير العين أبا بهاء، إنّهم على أيدي شعوبهم بالذات يحاسبون، وإلى غياهب التاريخ ذاهبون.

وأنت والرفاق الشهداء في جنّة البطولة والعزّة والكرامة خالدون.
أزعجتهم أبا بهاء فاغتالوك ليرتاحوا. لكنّهم ما استطاعوا نوماً، ولا ذاقوا طعم الهناء. فما نامت أعين الجبناء.

انتظرناها عدالةً من المحكمة الدولية، فجاءت من السماء قاطعةً ناصعةً بيضاء.
اغتالوك واعتقدوا أنّها مرّة كما كل المرّات، وتسدل الستارة. لكنّ الستارة هذه المرة تسدل على زمنهم الإجرامي الرديء، ووجوههم الكلحاء.

من طلب عزّاً بظلمٍ وباطل
أورثه الله ذلاّ بإنصافٍ وحق

أمّا أنت يا صديقي ورفيقي سعد…
صحيح أنّك خسرت أباً، لكنّك ربحت بطلاً.

صحيح أنّه يومٌ حزينُ، لكنّ الأهمّ أنّه يومٌ عظيمٌ، يومٌ جديدٌ. إنّه يوم مجيد.
لك منّي اليوم، وكلّ يوم، وحيثما أنت، الف تحيّة وتحيّة.

إننا معاً باقون، حتّى تحقيق النصر النهائي باقون. ما جمعته القضيّة، لن يفرّقه لا إنسانٌ ولا عنوان.

يا شعب ثورة الأرز…
أيّها اللبنانيون، أيّتها اللبنانيّات…

هنا استشهد الكاتب والصحافي سمير قصير في 2 حزيران عام 2005. ” كي تكون بيروت ربيع العرب”، هكذا كتب أمام النصب التذكاري حيث استشهد سمير قصير في الأشرفيه، وهكذا كان.

تحيّة لك حمص،
تحيّة لك إدلب،
تحيّة لك درعا،
تحيّة لحماه، والزبداني ودير الزور، لدوما، والصنمين وجسر الشغور.

إنّ الدماء التي تسيل اليوم تحاكي دماء رفيق الحريري، وباسل فليحان، وجورج حاوي، وسمير قصير، وجبران تويني، وبيار الجميل، ووليد عيدو، وأنطوان غانم ووسام عيد، وسائر شهداء ثورة الأرز، سعياً وراء الحرية والديمقراطية والكرامة، وكسراً لنير العبودية والتسلط والديكتاتورية.

قضية واحدة، إنسان واحد، في كل زمان ومكان.

إنّ الجرائم والمجازر، والفظائع التي ترتكب بحق هؤلاء الأبرياء المناضلين، توضع اليوم تحت شعار خدمة المقاومة والممانعة كما جرى ويجري في لبنان أيضاً عند الحاجة .

فبئس هكذا مقاومة.
وتباً لهكذا ممانعة.

إنّها مقاومة في مواجهة الشعوب ومطالبها المحقة.
إنّها مقاومة في مواجهة التغيير وتحقيق الحرية والكرامة والعدالة.
إنّها مقاومة في مواجهة قيام دولة فعلية في لبنان.
إنّها ممانعة لكل أمنٍ واستقرارٍ وعدالةٍ وبنيانٍ وإنماءٍ وعمرانٍ واقتصادٍ وحداثةٍ وتقدّمٍ وتطوّر.
إنّها مقاومة وممانعة لحق الشعوب في عيش حياتها ، وتحقيق ذواتها، ورسم مستقبلها.
إنّها مقاومة وممانعة تدكّ المدن والقرى وتقتل الأطفال والنساء.
إنّها الاحتلال.
إنّها الاحتلال بحد ذاته لإرادتنا، وأمانينا، وتطلّعاتنا وأحلامنا.

من الأشرفيه، والبسطا الفوقا ثكنة فتح الله، وعين الرمانة، وعاليه، وزحله، وباب التبّانة، وقنات والقاع الى حمص، وحماه، وإدلب، واللاذقية، ودير الزور ودرعا…

من كمال جنبلاط، وبشير الجميّل، ورفيق الحريري، وسمير قصير، وجورج حاوي الى محمد البوعزيزي، وخالد قاسم، والطفل حمزة الخطيب وابراهيم القاشوش، إنسانٌ واحد، قضيّة واحدة، في كل زمان ومكان.

وكما انتصرت في نهاية المطاف الأشرفيه، وطرابلس، وعاليه، وزحلة، وتونس، والقاهرة، وبنغازي، هكذا ستنتصر حمص، وحماه، وإدلب، ودير الزور ودرعا.

أيّها اللبنانيون، أيّتها اللبنانيّات…
ولّى زمن الأسياد والعبيد، وها نحن ندخل زمن الأحرار الجديد.

إنّ البعض لا يرى في كلّ ما يجري إلاّ الأوجاع والآلام، فيتخوّف منه، لا بل يرفضه، وهذا خطأ تاريخي. إنّه مخاض الولادة، ولا ولادة من دون أوجاع وآلام.

أن تصبح سوريا حرّة، تعددية، ديمقراطية، تحترم الجيرة، كما ورد في الرسالة المفتوحة التي وجهها المجلس الوطني السوري الى اللبنانيين، فهذا يعني تلقائيّاً لبنان مستقراً، وحدوداً مرسّمةً، وسلاحاً شرعيّاً حصريّاً، ووقفاً لتصدير التطرّف والإرهاب من كلّ الأنواع والأجناس.

إنّ نظاماً ديمقراطياً حرّاً في سوريا، هو خير دعم لاستقلال لبنان، وهو فرصة حقيقية لطي الصفحات السود التي سطّرها النظام الحالي في تاريخ البلدين.
إنّ نظاماً ديمقراطياً حرّاً في سوريا هو ضمانة ” أخوّة وتعاون وتنسيق” حقيقي ندّي وجدّي بين البلدين.

إنّ نظاماً ديمقراطياً حرّاً في سوريا هو حتمية تاريخية لمصلحة سوريا ولبنان ودول المنطقة كافةً.
إنّني اليوم، وباسمكم جميعاً، باسم شعب تعذّب واضطهد، ولوحق، وسجن واستشهد، أدعو العالم بأجمعه، خصوصاً دول المنطقة، الى بذل كلّ الجهود وفعل كلّ ما يلزم لوقف القصف والقتل وإراقة الدماء في سوريا، وترك شعبها يقرر مصيره بنفسه، بكلّ حريّة وكرامة. إنّه أبسط ما يمكن أن نطالب به للإنسان في القرن الحادي والعشرين في سوريا أو في غير سوريا.

لأنّه إنسان واحد بقضية واحدة في كل زمان ومكان.

أيّها اللبنانيون، أيّتها اللبنانيّات…
في القداس الأخير لراحة أنفس شهداء المقاومة اللبنانية، وصف غبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير أيّامنا الحالية بالبائسة. وكالعادة أصاب.

حكومة بائسة

معارك بائسة يختلط فيها الحابل بالنابل، فلا تدري من مع من، ومن ضد من.
أداء بائس قلّما شهدنا له نظيراً في تاريخنا الحديث.

خطاب سياسي بائس اشمأزّ منه البؤس.
لغة ساقطة أكثر من بائسة.

منطق بائس لا يطعم خبزاً ولا يروي غليلا.
صراعات بائسة على كلّ شيء.

على المغانم والمناصب والحصص والصلاحيات والإمرة.
منافسة بائسة حتّى على الفساد.

وزراء بائسون يغطّون الفضائح بالشعارات، والشعارات بالأكاذيب، والأكاذيب بالمزايدات، والمزايدات بالهروب الى الأمام.
حتّى البؤس أضحى أكثر بؤساً وتعتيراً.

إنّه زمن الجياع المزمنين الذين يتسابقون لالتهام كلّ ما تصل اليه أيديهم على موائد الحكومة والوزارات والمؤسسات، وكأّنّهم راحلون غداً. وإنّهم غداً لراحلون.
إنّهم راحلون مع من سيرحل أو ربّما سبقوه.

لهؤلاء نقول: كفّوا عن إصلاحكم البائس واتركونا وشأننا :
يا واعظ الناس أصبحت متّهَماً
إذ عبت منهم أموراً بتّ تأتيها
ملأتم أنوفنا بروائح السمسرات والفضائح.
أرهقتم ما تبقّى من اقتصادنا.
عطّلتم ما تبقّى من دولتنا.
شوّهتم ما عمل الكثير من أجيالنا على صقله صورةً للبنان.
قزّمتم مفهوم سيادتنا، وقلّصتم مساحة وطننا في المحافل العربية والدولية.
لكم حساباتكم المالية، والشخصية،والبروتوكولية، والسلطوية، والانتخابية، ولنا حساباتنا الوطنية الكبرى.

ولحزب الله نقول:
كفانا قمصاناً سوداء.

دقّت ساعة الحرية والديمقراطية والدولة السويّة في المنطقة، فلا تخطئوا الحساب.
أنتم شركاء أعزّاء، فلماذا تصرّون على إقصاء أنفسكم بأنفسكم عن بقية اللبنانيين.

لا مستقبل لأي سلاحٍ غير شرعي.
لا مستقبل لأي دويلة.
لا مستقبل إلاّ للدولة.
لا مستقبل إلاّ للبنان سيّد حرّ مستقل، لا لولاية من هنا ولا لمحور من هناك.

أيّها اللبنانيون، أيّتها اللبنانيّات…
إنّ الحكومة اللبنانية الحالية هي حكومة غريبة الأطوار، تسير عكس المسار الديمقراطي الطبيعي للمنطقة، وعكس المسار التاريخي للبنان.

إنّها حكومة مسخ تشبه أيّ شيء إلاّ سلطة تنفيذيّة حقيقية مؤتمنة على مصالحكم ولقمة عيشكم.
إنّها حكومة الموت السريري، تنضح شللاً وعتمةً وفساداً وهدراً وابتزازاً وتلاعباً بأمنكم ومستقبلكم.

إنّها حكومة الفضائح ، تفوح منها كلّ يوم روائح المازوت، وصفقات الكهرباء، وملهاة الأجور ومأساة التعيينات.

والأدهى من هذا كلّه أنّه، وفي الوقت الذي يرفض ضباط وعناصر من الجيش السوري نفسه تنفيذ أوامر نظامهم، نجد بعض من في هذه الحكومة وبعض إداراتها يتسابقون لتلبية رغبات النظام وطلباته، ولو وصلت الى حد مطاردة الأبرياء واللاجئين والنازحين والمشرّدين الهاربين من جحيم الأحداث في سوريا.

إنّ كلّ يوم إضافي في عمر هذه الحكومة هو عام بالناقص من عمر لبنان الوطن، من عمر لبنان الحرية، ومن عمر لبنان الاقتصاد.
إنّ هذه الحكومة تتخبّط باتجاهات كثيرة، لكنّ المطلوب واحد فقط: الرحيل ثمّ الرحيل ثمّ الرحيل.

رفاقي، رفيقاتي في ثورة الأرز…
أيّها المناضلون…

على الرغم من التهويل والتهديد، وعلى الرغم من كلّ ما يشاع عن عودة الاغتيالات، جئنا نحيي الذكرى هذه السنة. إنّ القضية أهمّ من كلّ شيء.
يبقى أننا جئنا هذه السنة غير مكتملين لأنّ رفيقاً عزيزاً كبيراً، رمزاً في الاستقامة السياسيّة والأخلاقية، غادرنا منذ أيّامٍ قليلة بعد أن لعب أدواراً كبيرة في لقاء قرنة شهوان وفي ثورة الأرز.
صلّ لأجلنا من حيث أنت، نسيب لحود.

إنّ الذكرى هذه السنة تحمل رمزيّة كبرى لتزامنها مع مخاض ديمقراطي كبير تجتازه المنطقة من ليبيا، وتونس، مروراً بمصر واليمن وصولاً الى سوريا.
إنّ كلّ ما يجري في المنطقة يؤكّد صوابية مشروع ثورة الأرز وطروحاتها، ويعطي شهداءنا حقّهم ولو متأخّراً.
إنّ كلّ ما يجري في المنطقة يعتبر انتصاراً للبنان الرسالة الذي احتضن في جباله الوعرة بذور الحرية في الشرق منذ فجر التاريخ.

لذلك يؤلمنا جدّاً بعض الأصوات اللبنانية النشاز الذي ينطلق من حينٍ الى آخر، على الطلب، طاعنا معنى وجود لبنان في الصميم، ضاربا بعرض الحائط تاريخنا وتقاليدنا وكلّ المبادىء والقيم التي قام على أساسها لبنان.
لكنّ الروائح النتنة، على نتانتها، لم تتمكّن يوماً من إفساد الهواء.

أمّا بعد،
كثيرون يتساءلون عن أحوالنا في ثورة الأرز.
وجوابي الفوري، أنّنا، وبخلاف ما يحاول البعض تسويقه ضدّنا، بأحسن أحوالنا، إلاّ إذا كان المقصود بأحوالنا حصصنا في السلطة.

يكفينا فخراً واعتزازاً أنّ الله منّ علينا هذه السنة بباقة شقيقات يخضن غمار دربنا في التخلّص من الاستبداد والقمع والظلامية.

يكفينا فخراً واعتزازاً صمودنا البطولي لسبع سنوات على الرغم من التهديدات، والتفجيرات، والاغتيالات والحروب الإلهية والشقيقة،
وعلى الرغم من كافة أنواع المآزق السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي زجّونا وزجّوا البلد فيها، وعلى الرغم من القلوب والقمصان السود التي نصّبت علينا في آخر الزمان حكومةً صفراء بمازوتٍ أحمر وكهرباء سوداء.

رفاقي، رفيقاتي في ثورة الأرز…

أيّها اللبنانيون، أيّتها اللبنانيّات…
إنّ ثورة الأرز التي خطّت تاريخاً جديداً للبنان، لن يقوى قلمٌ مريضٌ على شطبها من التاريخ.
ثورة الأرز إيمان راسخ في الوجدان.
إنّها السارية التي ارتفع عليها بيرق الحريّة في لبنان، ومنه الى الشرق.
فخرنا أننا تجرّأنا قبل سوانا، ومستمرون،
على الرغم من كلّ شيء مستمرّون،
في الحكومة وخارجها مستمرون،
في مواجهة كل التحديات مستمرون،
وحيث لا ولم ولن يجرؤ الآخرون مستمرون.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
عاشت ثورة الأرز
ليحيا لبنان