لماذا نحن المسيحيّين أغبياء؟


كتب أمجد اسكندر في “الجمهورية”:

كلّ الطوائف في لبنان، إلّا المسيحية منها، تمتلك فكراً سياسيّاً واضحاً أو على الأقلّ تتمتّع بحِسّ سياسي. هذا الفكر أو هذا الحسّ يجعل السُنّة أو الشيعة أو الدروز، يعرفون إلى حدّ كبير أين تكمن “مصلحتهم في هذا الوطن”. عند المسلمين اقتناع دفين بأنّ مواقف زعمائهم لا يمكن أن تكون ضدّ “المصلحة العليا للطائفة”، لذلك لا يخوِّنون زعيماً بينهم. وفي قرارة كلّ سُنّي وشيعيّ ودرزي، أنّ زعيمهم الأبرز، إن تشدّد، فبهَدف منح الطائفة المزيد من القوّة. وإن تقلّب، فبهدف الحفاظ على المكتسبات.

وإن تراجع، فليحدّ من الخسائر التي قد تلحق بطائفته. في مسألة “الفكر السياسي” الرأي العام المسيحي العريض ينال صفراً! لماذا نحن المسيحيّين أغبياء؟ لماذا لا نمتلك حسّاً سياسيّاً يعلو على صراعاتنا بين بعضنا البعض. لماذا نحن مع “زعماء” مسيحيّين، ولا نعرف “مصلحة المسيحيّين”. لماذا نُفلسِفُ ” تعدّد آراء المسيحيّين”، ونعتبره مصدر غنى وتذاكٍ، فيما الأنانية أو الجهل سببان لهذا “التعدّد”، والخسارة والوهن نتيجتاه الحتميتان على الدوام.

لا يمكن أبداً مقارنة موقف ميشال عون في تحالفه السوري، وهو خصم سمير جعجع، بموقف نجيب ميقاتي وهو خصم سعد الحريري. يا لها من مأساة، نجيب ميقاتي صديق بشّار الأسد، يحاول أن ينأى بنفسه، وعون يزجّنا زجّاً مع حزب البعث، ويعجب كيف لا نطرب لهذا الانتحار؟ ميقاتي لا يكابر. يعرف أنّ مزاج السُنّة تبدّل. إنّه المنطق يا غبي.

غيّرت خطابك وقضيتك في حين أنّ آل الأسد و”حزب الله” لم يُغيّرا في أيّة مسألة لبنانية أو عقائدية أو أخلاقية أو دولية أو حتى اجتماعية او ثقافية. سعد الحريري ووليد جنبلاط، غيّرا وتغيّرا في مواقفهما الوطنية.

غبيٌّ سياسيّاً من يقول جعجع تغيّر وأصبح مع القاعدة و”الإخوان المسلمون”. مَنْ غير الغبي يمكن أن يتّهم جعجع “بالتطرّف المسيحي” ثلاثين سنة؟ ثمّ يكتشف أنّه حليف الفكر الوهابي و”فتح الإسلام”. فعلاً هذه غباوة أن تنطلي عليهم حيلة جعجع ثلاثين سنة. في سنوات حروبه، كان ميشال عون يتبجّح بأنّه “وطنيّ”.

لم يكن يحب أن تُلصق به “تهمة” المسيحية السياسية. اليوم خطابه “مسيحيّ” بامتياز. ويقول إنّه مع بشّار الأسد و”ولاية الفقيه” لحماية المسيحيّين في انطاكية وسائر المشرق! غبيّ من ينسى ماضي المواقف، وأغبى من يؤمن بحاضر التحالفات، وزائل من يسكت أو يوافق.

هذا التقهقر، هذه الغباوة، سببهما انعدام الحدّ الأدنى للفكر السياسي عند المسيحيّين. أسباب هذا “الانعدام الفكري” تحتاج الى طاقات فكرية كبيرة لاكتشافها، وطاقات أكبر لتوجيه المسيحيّين الى أفق هذا الفكر، بعد إيضاحه. إنّها مسألة أكبر من هذه المقالة ومن كاتبها. ولكن من منطلق مسيحيّ يمكن البدء بالقول إنّ نبذ “المكابرة”، خطوة لا بأس بها على الطريق الصحيح.

في الرأي العام المسيحي مَيل نحو “المكابرة” و”السلوك الغريزي”. في الشرق أحيانا، هاتان السيّئتان مفيدتان للبقاء، ولكن ليس على طول الخط والزمان. وأحياناً تنتج منهما شعارات جذّابة ولكن غير صحيحة أو مُحقّة. يجب أن نعترف أنّ “المنطق العوني” نجح ماضياً في تعميم صورة نمطيّة للمواطن المسيحي المؤيّد للقوات اللبنانية.

“القواتي” عند “العونية” هو “أزعر الحي” او تلطيفاً “قبضاي الحي” الذي لا يقيم وزناً لأحد. هذا ما انتهى إليه “القحط الفكري” عند شريحة واسعة عند المسيحيّين. ولإيضاح السبب سأورد هذه القصة ـ المثل، على أساس أنّ المسيح علّمنا بالأمثال.

العام 1975، كان المسيحيّون في باص كبير، وكانوا مطمئنّين إلى أنّ سائق الباص ماهر في القيادة، ولم يعرفوا أنّ المرض كان يتآكله من الداخل. (السائق هنا الدولة ممثلة برئاسة الجمهورية وقيادة الجيش). فجأة أصيب السائق بنوبة قلبية وأغمِي عليه.

تنوّعت ردود فعل الركّاب المسيحيّين. منهم من بدأ بالصراخ والعويل، ومنهم من أغمض عينيه. راكبٌ من الركّاب تقدّم إلى المقود وأزاح السائق المُغمى عليه وحاول إيصال الباص إلى محطّة آمنة.

(هذا الواحد هو الجبهة اللبنانية وحلفاؤها ثمّ القوات اللبنانية). هذا السائق تمتّع بالجرأة والإخلاص لإنقاذ الركّاب، لكنّه أصلاً لا يتقن جيّدا قيادة الباصات. كان منصرفاً إلى اختصاص آخر. بمزيج من الشجاعة والتضحية، وبما أوتيَ من منطق وإدراك حاول قيادة الباص بطريقة فضلى. أثناء هذه القيادة كان يُخفق في السيطرة على المقود أحياناً، وكان يستخدم الفرامل بشكل غير صحيح أحياناً أخرى.

هذه القيادة السيّئة سبّبت ترنُّحاً بين الركّاب. منهم من أُصيب بكدمات ومنهم من أُصيب بالغثيان، فبدأوا ينهالون باللوم على السائق الجديد، وغاب عن وعيهم أنّه أصلاً غير مهيّأ لهذه المهمة وأنّه خاطرَ من أجل ألّا يتدهور الباص إلى الوادي ويموت الجميع.

(هذا الغياب عن الوعي، هو انعدام الفكر السياسي عند المسيحيّين). إستمرّ الأمر لفترة أطول ممّا توقّع السائق والركّاب، واستمرّ بعض الركّاب في كيل الشتائم وتثبيط العزائم للسائق الجديد.

وبدوره هذا السائق لم يتوانَ عن مدّ يده وضرب الركّاب الذين كان صراخهم يمنعه من التركيز. ثمّ أيضاً شارك في كيل الشتائم وطلب ممَّنْ وقف إلى جانبه أن يؤازره في الضرب والشتم، ليتفرّغ للقيادة (التجاوزات والانتهاكات غير المبرّرة). في هذا الوضع المأسوي، ظهر راكب جديد كان ساكتاً أي شبه موافق على ما يقوم به السائق.

(الساكت هو “العونية”). نطق الساكت. وزاد من تأجيج العداء، هامساً في أذن الركّاب “الغائبين عن الوعي”: أنظروا كيف أصيب الباص بأضرار كبيرة، كيف تقبلون أن يكلّمكم بهذه اللهجة؟ أنا أتقن القيادة بأفضل منه، وعليكم أن تساعدوني عليه. ساعده بعضهم، ووضعوه مكان السائق المشكوّ منه. بعد حين، تبيّن أنّه لا يتقن القيادة، والأدهى أنّه لا يعرف المكان المقصود، ويريد أن يذهب بالركّاب المسيحيّين إلى مكان آخر لا يشبههم بشيء. “المكابرة المسيحيّة” لا تريد الاعتراف بخطأ خيارها.

لا تريد الاعتراف بأنّ بديل البديل ليس بأصيل! المكابرون لا يحبّون الفكر النقدي، فكيف يتقبّلون الفكر السياسي؟ لو كان الفكر السياسي هو المعيار لما اشتكى الركّاب. كانوا غلّبوا شجاعة السائق وإخلاصه وحبّه لهم على مناكفته لأنّه يقود الباص بطريقة غير محترفة. ما كانوا لينسوا أنّه أصلاً اندفع إلى المهمّة الصعبة، لأنّ هناك من جَبُنَ أو سَكَتْ.