الطب يعجز عن فهم بقاء أجساد قديسين سليمة

اللّغز كبير، مذهل والطب يقف عاجزا عن شرحه. “لا تفسير طبيا او علميا للامر”، كانت دائما نتيجة البحث. والمنطق يحار ولا يجد سوى السكون امام الظاهرة، ويترك الفسحة لتأمّل روحي يقوده الى ما بعد الموت، “الى القيامة”، الى ضفاف اخرى غير مرئية… الى الله. اجساد قديسين وطوباويين لا تزال سليمة، حتى بعد اعوام طويلة على الموت، تحرك شيئا ما في الافئدة، وغالبا
ما تثير السؤال: لماذا؟ كيف؟

الظاهرة غير محصورة في زمان او مكان، وتشمل الكنيستين الكاثوليكية والارثوذكسية. ووفقا لما تفيد به لوائح مجتزأة، غير مكتملة(1)، فان اكتشاف اول جسد سليم يرجع الى العام 396، ويخص القديس الشهيد نازير الميلاني (توفى بين 68 – 70). وقد سجلت واحدة، على سبيل المثال، وجود نحو 236 حال لافساد جسدي (لقديسين وطوباويين كاثوليك) وهذا الرقم ليس دقيقا – منها لـ56 ظهرت عليهم جروح المسيح: 135 امرأة، و103 رجال، في وقت بينت ارتفاعا ملحوظا لاعدادهم، خصوصا في القرنين التاسع عشر والعشرين.

بوفليه: استنتاجات مثيرة

على مرّ الاعوام، ومع درس المؤرخ في الظواهر الدينية المستشار في قضايا دعاوى التقديس الباحث يواكيم بوفليه(2) حالات اجساد بقيت سليمة وملاحقتها في ارجاء العالم، “صارت اسئلتي تقل اكثر فاكثر”، على ما يقول لـ”النهار”. “في البداية، نتساءل، وهذا الامر مشروع: لماذا؟ كيف؟ ثم نصل الى البديهي: لا جواب مقنعا للمنطق، والايمان لا يعطينا الا مؤشرات جزئية: هل ذلك علامة لقيامة مستقبلية؟ هل هي مؤشر بالنسبة الينا الى ان الحياة لا تتوقف بعد الموت الجسدي؟ اخيرا، قررت الا اطرح اسئلة على ذاتي، وان ادخل في سعي تأملي اكثر: هناك لغز لا يعود الي ان اسبر اغواره، ولا ان اسعى ايضا الى فهمه، بل يجب ان يشكل فرصة لفعل شكر تجاه “عظائم الرب”. ودائما اجد نفسي مرتاحا في هذا السعي الداخلي عندما اقرأ ان الاطباء يقرون بوضوح، في بعض الحالات، بان عدم فساد الجسد لافت ولا يمكن اطلاقا تفسيره في شكل طبيعي”.

الانطباع الاول لدى رؤية جسد سليم لقديس او طوباوي… هو “احترام كبير”. “فانا في مواجهة اشخاص، وليس جثثا لمجهولين”، على قوله. “كل من هؤلاء الاشخاص كانت له مسيرته الحياتية وخبرته الرائعة غالب الاحيان. واشكر الله على هذه الحيوات المثالية. وهذا يساعدني في الصلاة. واقر بطيبة الله الذي يسمح بان يبقي هؤلاء الاشخاص، بطريقة ما، قريبين منا من خلال هذا الحضور المادي، ويشهدوا ان الموت ليس النهاية. وهذا يريحني دائما ويملأ قلبي فرحا”.

خلال بحوثه المتواصلة اعواما طويلة، امكن بوفليه درس شخوص العديد من القديسين الذين حفظت اجسادهم من الفساد، بما جعله يتوصل الى “بعض الاستنتاجات المثيرة للاهتمام”، على قوله. ومنها “ان الامر يتعلق معظم الاحيان بمتأملين كبار ومتزهدين، حظوا خلال حياتهم بنعم خارقة، وبالتالي كانوا اشخاصا قديسين تمتعوا بعلاقة مباشرة بالله”.

ومن الحالات التي تابعها وتركت في قلبه “اثرا كبيرا”، “حال القديس بادري بيو الذي عرض جثمانه العام 2008، اي بعد 40 عاما على وفاته، وكان لا يزال سليما”. وسبب ذلك، على قوله، “انني أُنعِمت بالاقتراب منه قبل شهر من وفاته. الامر له إذاً طابع عاطفي”. ويضيف القديس شربل “الذي اظهر جسده ظواهر لافتة خلال الاعوام التي بقي فيها بلا فساد”، والطوباوية الكرملية الايطالية ماريا جيوسيبينا “التي وجد جسدها سليما العام 1950، مع انها توفيت بالغرغرينا، واكثر ما اثار اهتمامي هو ان مطران نابولي سمح لكل من يرغب من الاطباء، اكانوا مؤمنين ام لا، بمعاينة جسدها”.

رقم “دقيق” عن عدد اجساد سليمة لقديسين او طوباويين لا يستطيع بوفليه تحديده، لكنه احصى في القرن العشرين “نحو ثلاثين حالة” يصفها “بانها فريدة، وتجمع معايير حددتها للتعريف بعدم الفساد غير المألوف لاجساد، وهي: ان يكون الجسد سليما بالكامل، ليونة النسيج، مرونة المفاصل، غياب اي رائحة جثة”. وكلما كان في حضرة جسد سليم لقديس او طوباوي، لا يفتش عن شيء خاص سوى عن “مراقبة وجود هذه المعايير”.

واكيم: لا تفسير علمياً طبياً

جثمان الطوباوي الاخ اسطفان نعمة يقدم مثالا مدهشا عن اجساد قديسين وطوباويين بقيت سليمة بعد الموت. “لقد مضت 72 عاما على موته، ولا يزال جثمانه سليما بالكامل”، يقول عضو اللجنة التي شكلتها الكنيسة المارونية لمعاينة جثمان الطوباوي واعداد تقرير عنه، الاختصاصي بطب العائلة الدكتور صوما واكيم لـ”النهار”. وان يبقى الجسد سليما يعني، على الصعيد الطبي، ان “كل تكاوينه، اي العينين والوجه والاذنين والرجلين واليدين والجلد وكل العضلات لا تزال موجودة. وقلة من القديسين الذين نجد ان جثامينهم لا تزال سليمة بعد اعوام طويلة عديدة على وفاتهم”.

عندما فحصت اللجنة الجثمان، لاحظت ان “جسده طري، ويداه ورجلاه تتمتع بليونة في مفاصلها”، وتأكدت “ان لا تحنيط اخضع له الجسد بعد الموت”. وعند فتح التابوت، “لم نشم اي رائحة”، على ما يفيد. كذلك، توقفت اللجنة عند امكان مساهمة ظروف مناخية بيئية في عملية الحفظ، “وتبين لنا ان المدفن الذي وضع فيه الجثمان كان ترابيا. وعندما كانت السماء تمطر، كانت المياه تغمر المكان، في ظل رطوبة مؤثرة. كانت إذاً الظروف المناخية في المدفن سيئة، علما ان الجثمان كان موضوعا في نعش خشب عادي. ورغم ذلك، بقي سليما”. وتجاه كل هذا، ماذا يقول الطب والعلم؟ يجيب: “طبيًا، لا تفسير لهذه الحال. وفي التقرير النهائي كتبنا: لا تفسير علميا طبيا للامر”. الدكتور واكيم مؤمن، وهو امر لا يخفيه. لكن العلم اوصله الى ادراك ان ما عاينه “خارج عن الطبيعة”.

الطبيعي والعادي هو ان يبدأ تحلل الجسد بعد يومين او ثلاثة من الموت مباشرة. ويشرح واكيم ان “الدود يبدأ يأكله. وفي غضون اسبوع او اسبوعين، يندثر اللحم، ويتحول الجسد هيكلا عظميا. وهذا الهيكل قد يفنى في عام او عامين، او قد يصمد اعواما اطول”. ومرد هذا التحلل، عمليا، الى ان “الدورة الدموية تتوقف، ولا يعود هناك اوكسيجين، وبالتالي يصير هناك تخمّر، فتتحرك الجراثيم التي تكون عادة موجودة في الجسم، وتتكاثر شيئا فشيئا، وتبدأ بعملية تحلل الجسم من الداخل. ويظهر الدود ويكمل العمل بدوره”.

وفي حال الطوباوي نعمة، وغيره من القديسين ممن حفظت اجسادهم من الفساد، هذه العملية لم تتم، ما يجعل العلم عاجزا عن الشرح. بالنسبة الى الدكتور واكيم، تجربته مع جثمان الطوباوي نعمة طبعته بذكريات لا تنسى عن لحظات “رهبة وشعور لا يوصف” عند اللقاء، زادته “ايمانا بالله”. “لقد تعززت ثقتي بانه طالما لجأنا الى الله طوال حياتنا، فلن يتخلى عنا”، يقول. وفي الوجه الغافي امامه، رأى ابعد بكثير “مما يمكن وصفه او التكلم عليه”.

سيكينغ: علامة تذكّر بالقيامة

“الكنيسة لا تشرح شيئا عن هذه الظاهرة”. هذا ما يفيد به الاستاذ في معهد العلوم الدينية في جامعة القديس يوسف الاب توم سيكينغ اليسوعي “النهار”. “من هي الكنيسة؟ هي كناية عن اشخاص، واشخاص يفهمون شيئا ما او لا يفهمونه. لدينا هنا ظاهرة غير طبيعية كليا. كيف تحصل؟ نسأل العلم عادة هذا السؤال. واذا عجز عن شرحها، فلا نتمكن من شرحها. لكنني اعتقد انه يجب التنبه الى انه ليس كل ما لا نستطيع شرحه يجب ان يكون بالضرورة عجائبيا او الهيا”، يستدرك.

نقطة مهمة ينبه اليها سيكينغ. “عدم فناء الجسد يمكن ربطه احيانا بظروف مناخية او بيئية معينة او غيرها. وفي هذه الحال، لا شيء عجائبيا في الامر. وعندما يكتشف الناس جسدا محفوظا، يفكرون فورا بامر عجائبي، لانهم يحبون كل ما هو خارق، ويفتشون عنه”.

وفي حال الاخ اسطفان وقديسين آخرين، يجد سيكينغ ان “اكتشاف الجسد سليما يؤدي الى حالة من الذهول. وهذا الذهول يدفع الى التفتيش عمن كان صاحبه وحياته، والى ابداء الاهتمام بشخصه”. امر آخر يشدد على اهميته: “الخوارق في هذه الحال قليلة الاهمية. الخوارق تكتسب معنى عندما تكون علامة لأمر ما. اكان جسد الاخ اسطفان او غيره بقي سليما ام لا، تبقى المسألة ثانوية. واذا قادنا ذلك الى ابداء اهتمام بشخصه، وبان حياته يمكن ان تشكل وحيا، فستكون هذه الظاهرة فرصة للتعرف الى هذا الشخص”.

التفسير المقدم غالبا لهذه الظاهرة هو “انها علامة من الله يريد بها ان يقول شيئا ما”، على ما يقول. وماذا يريد الله قوله من خلال هذه العلامة؟ يجيب: “بقاء الجسد سليما قد يعني ان الله يريد ان يظهر قداسة صاحبه في شكل ما، لا سيما من خلال حفظ جسده. ويفعل ذلك من اجل بعضهم. ويمكن ان يكون ذلك علامة تذكّر بالقيامة، حتى لو لم يعد الشخص حيا”. وهذا التذكير “مهم”، في رأي سيكينغ، “ويرتبط الامر “بطريقة النظر الى بقاء هذا الجسد سليما وتفسير ذلك”.

اذا كانت هذه الظاهرة تقرّب المرء من الله، “فالامر جيد”، على ما يرى. لكنه يبدي خشية من دخول ما يسميه “التماسا لامور خارقة فوق الطبيعة تنحرف عن الايمان الصحيح”، وذلك في هذا “التفتيش العفوي عن الله، لان المرء يريد الحصول على الشفاء، او النجاح، او الامرين، ويعتقد ان هذا الجسد السليم سيمنحنه، بقوة تكمن فيه، ما يناله عادة من الله. وبهذا ندخل نظام الواسطة… لكن لا قوة في هذا الجسد، ولا يعطي اي بركات”.

لمس الجسد، “التعبد” له، ممارسات معينة حول الضريح… من المسائل التي يرى فيها الاب سيكينغ “سعيا الى التماس الخوارق”. “من خصوصياته انه يفعل مبدئيا وفورا من دون الشخص… وهو يتم اذًا في شكل مستقل عن المرء. ألمس جسد القديس، فأشفى. لا ألمسه، لا أُشفى. من انا؟ من القديس؟ لا تعود في هذه الحال اهمية لذلك اطلاقا”، على ما يشرح.

بالنسبة اليه، تكريم الجسد السليم “يمكن ان يكون له معنى بمقدار ما نحاول التقرب من شخص صاحبه. لكن اذا تقربت من هذا الجسد السليم، فان الجسد يبقى جسدا، وهو ليس حيا، وبمثابة آلية لم تعد تعمل. والمهم هو صاحبه في ذاته، شخصه. واذا اعلنت الكنيسة احدهم طوباويا او قديسا، فهذا يعني انه يمكن ان يشكل مثالا في اتباع المسيح”.

امر آخر يلفت اليه: “بقاء جسد هذا او ذاك سليما، لا يعني انه كان اكثر قداسة من آخرين (لم تحفظ اجسادهم) تم نسيانهم. ويجب الا ننسى ان من لم يتم تطويبهم مباشرة، يمكن ان يكونوا ايضا قديسين كبارا”.

(1) http://www.ac-emmerich.fr/INCORRUPTIBLES.htm
(2) Joachim Bouflet. ومن ابرز مؤلفاته:Encyclopédie des phénomènes extraordinaires dans la vie Mystique (3 اجزاء)، اضافة الى مؤلفات عديدة عن مواضيع دينية اخرى.


 annahar 
  هالة حمصي